مرح البقاعي: حلب يين زمنين.. الكواكبي والطرابيشي

مرح البقاعي: كلنا شركاء

من نافلة القول إن الدولة الوطنية التي تشكّلت في غير بلد عربي بُعيد الحرب العالمية الثانية والاستقلال عن الاستعمار القديم، في الهلال الخصيب تحديداً، لم تنعم إلا بفترات قصيرة جداً بحكم وطني مستقلّ، مدني وتعدّدي وديمقراطي، قام علي أيدي مستنيريها من النخب الفكرية والسياسية الوطنية المستقلّة. ففي سوريا مثلاً، لم ترَ هذه الدولة الوطنية النور إلا لفترة وجيزة جداً إثر الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، وهي فترة حكم شكري القوتلي التي أطاح بها انقلاب العقيد حسني الزعيم في 30 آذار/مارس للعام 1949، وهو الانقلاب الأول في العالم العربي الذي شكّل سابقة نوعية، ومهّد لسلسلة انقلابات وصلت في عام واحد إلى ثلاثة انقلابات متوالية قادها ثلاثة ضباط هم الزعيم والحنّاوي والشيشكلي، وأسست نتيجةً لحكم العسكر وسلطة الجزمة العسكرية في غير بلد عربي.

في هذا السياق لا بدّ من طرح الأسئلة ورسم المشهد العام للخارطة الفكرية والسياسية التي شكّلت إرهاصات الوعي الديمقراطي الأول وأجّجت الحس الوطني المخدَّر، في القرنين التاسع عشر والعشرين، من أجل أن نرصد أعلام ذاك المشهد من المثقفين المستنيرين، ونرسم الصورة الواقعية لدورهم ومدى تأثيرهم في مجتمعاتهم في ذلك الوقت، ذلك التأثير الذي نجمع حصيده اليوم.

يحضرني في هذا المقام شخصيتين سوريتين تركتا بصمات لافتة على تطوّر حركة النهضة العربية الحديثة هما عبد الرحمن الكواكبي في القرن التاسع عشر، وجورج طرابيشي في القرن العشرين. وللمصادفة فكلا العالمين يشتركان بمسقط الرأس: مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري التي ترزخ اليوم تحت قمع أعتى أشكال التوحّش الديني والعنف المتطرّف.

فالمفكر عبد الرحمن الكواكبي هو من أهم أعلام الفكر العربي من الذين الآباء المؤسسين لدعائم الفكر الحداثي في المنظومة السياسية العربية ما بعد الاحتلالات الأجنبية (العثمانية ثم الأوروبية)، وأحد أبرز صيّاغ الفكر القومي العربي، وصاحب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” الذي يعتبر من أمهات الكتب التي تحلّل وتعالج ظاهرة الاستبداد السياسي. إلا أن الاستبداد بصيغته السياسية، التي تخصص الكواكبي في تشريحها ونقدها والتأسيس لإسقاطها، كانت قد تفاقمت في غياب حركات للإصلاح الفكري،عريضة وواسعة ومتّصلة، تغطي شريحة مجتمعية متجانسة شابّة وقادرة على تشكيل حركات شعبية تتمكن من التأثير في المسار السياسي، وتساهم في تغيير منحى انجرافه نحو استبداد الدولة، ثم إرهابها الممنهج، كما يحدث في سوريا الثورة منذ العام 2011.

فالفكر التنويري الذي حمله الكواكبي كان أقرب إلى الفضاء المفتوح الذي عليه أن يستوعب التيارات السياسية (إن وجدت) من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار؛ ذلك أنه فكر جامع من المفترض أن يستوعب الكل، فكرٌ يطلق الحريات لعنان العقلانيّ المتحرر من لوثات الأصوليات السياسية والدينية، فكرٌ يؤسّس لحراك سياسي داخل المجتمع يهدف إلى تحرير الإنسان/الفرد من القيود السلطوية كافة بتجلياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، ومن الخطاب الديني الانعزالي وليس من النص الديني المفتوح واجتهاد المجتهدين.

والفكر التنويري للمثقفين المعاصرين بعامة من المفترض أن  يعترف أول ما يعترف بالتنوع الديني، ويهيء المناخ لأتباع الديانات كافة للتعايش بسلام فى ظل مجتمع مدني يشدد على حرية الرأي والعقيدة، ويلتزم برعاية حقوق المواطنة، ويشجع الممارسة السياسية، ويدفع باتجاه نظم ديمقراطية برلمانية يرسم ويقيّد صلاحيتها الدستور، ويمكّن الإصلاحات الاجتماعية ودور المرأة فى مجتمعها. أما فى الاقتصاد فالفكر التنويري يؤكد على المنافسة الحرة، والسوق المفتوح، وحق الملكيّة والشروع فى الأعمال التجارية دونما قيود ومعوّقات. فالحريتان السياسية والاقتصادية وجهان لعملة واحدة تدمغها حكومات مستنيرة ويعززهما قانون مدني متّزن وعادل يفصل الدين عن السياسة. فإن كان دين الدولة هو الإسلام فلا غضاضة من أن تنفصل العقيد الإسلامية عن العمل السياسي، بل إن هذا الفصل يؤكّد على علو الإسلام الذي هو دين الدولة، وينزهه عن الممارسات السياسية الملتوية والمتقلبة والآنية مقابل الثابت والأزلي في العقيدة الدينية.

كل ما تقدّم كان لا يمكن أن يتحوّل إلى فعل سياسي في ظل هيمنة الرجل المريض العثماني الذي كان يختطف بلاد الشام والرافدين تحت عباءة امبراطوريته المترامية. كما لم تكن البيئة مهيئة لنشوء تيارات سياسية مواكبة لتلك الفكرية بسب القمع الذي كان يطال أية رياح تهبّ لتحرّك الراكد اليومي. وهكذا مضت الشعوب العربية من استعمار، إلى انتداب، وسط عزلة تامة للفكر الذي ولد بأعظم صوره وأبهى مرجعياتها، والتي مازالت إلى يومنا هذا تفسّر معضلاتنا السياسية والمطبات العقائدية التي جرفت الأمة العربية إلى حروب أهلية مختلطة الأوراق والمصائر.

ومن اللافت أن نسمع تصريحاً أدلى به مؤخراً رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية المغربي، سعد الدين العثماني، يقول فيه:” السياسة ليست سوى جزء صغير من الدين الذي ينقسم إلى بابين هما باب العبادات، وباب المعاملات الذي يضم السياسة الدنيوية التي تعني بتسيير أمور العباد في إطار إصلاح الراعي و الرعية،” ويتابع: “وبما أن الرعية مختلفة الايديولوجيات والعقائد يصبح من الصعب إخضاع الجميع لنفس المعايير، لذلك وجب البحث عن نظام جديد للتسيير، فالتطابق بين أمة الدين وأمة السياسة لم يعد ممكنا في زمننا هذا”.

فصل المقال أن الإسلام هو دين مستنير أصلاً، بل ومنفتح على كل التجارب والحضارات الإنسانية والعصور، وخير مثال أسوقه في هذا الشأن دولة بني أمية فى الأندلِس وقد عمّرت وازدهرت فى جنوب اسبانيا لما يقارب الخمسة قرون. الإسلام دين يؤمن بحرية الاعتقاد وتقديس الحق فى الحياة والكرامة لكل الناس. لكن فهم الإسلام تاريخياً من طرف الاستبداد الرسمي والظلامية التكفيرية هو الذي أساء إلى صورته، وجعله يتحوّل إلى أداة لتكريس الشمولية، والتحكمية، وقتل كل الاجتهاد. وعندما نتحدث اليوم كنخب مستنيرة عن إسلام مستنير فنحن نعني، تحديداً، العودة إلى جوهر الإسلام باعتباره علاقة روحية فردية بين الله والفرد، وبين الفرد ومحيطه.

فالإسلام ليس دين قتل ودمار وسيارات مفخخة وأحزمة ناسفة، وليس دين قهر للنساء وحرمانهن من أبسط حقوقهن، ولا هو دين يشرع للإفقار والتهميش والقمع ونصب المشانق والصلبان فى الساحات العمومية للتخلّص من أنصار الحريات العامة وحقوق الإنسان. فبعيداً عن ممارسات التكفيريين ممن اختطف الدين الإسلامي ووظّفه لأغراض سياسية لا تعني إلا مجموعة من الإرهابيين الحاقدين على شعوبهم أولاً وعلى شعوب الأرض تالياً، يكمن الإسلام المستنير، المنفتح، والذي هو بطبيعته إسلام معاصر.





Tags: مميز