on
د. حبيب حداد: في عالمنا الْيَوْمَ ، وخصوصا في مجتمعاتنا العربية.. اليمين يتمدد واليسار مهدد
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
بطبيعة الحال ليس ما نقصد اليه هنا هو الخوض في غمار تحديد معرفي لمفاهيم وقيم الخط الفكري والسياسي لاتجاه كل من اليمين واليسار وكانما نحن نود العودة الى حقبة الحرب الباردة من القرن الماضي وما اتسمت به من صراع نظري وايديولجي حاد شمل مختلف أرجاء المعمورة . فلقد تغيرت كما هو معروف ماهية ومفاهيم وبالتالي مهمات كل من هذين الاتجاهين سواء على الصعيد العالمي أم داخل كل مجتمع ، وقد كان ذلك نتيجة الظروف التي استجدت والتطورات النوعية التي حدثت على المسرح الدولي في أعقاب انهيار ماكان يعرف بالمعسكر الاشتراكي وتراجع دور دول العالم الثالث والانتصار المرحلي للنظام الرآسمالي ودخول المجتمع الدولي في مرحلة انتقالية قلقة يهيمن عليها قطب واحد بكل ما حملته هذه المرحلة الانتقالية حتى الْيَوْمَ من تحديات نوعية ومخاطر جسيمة ضد حريات الشعوب وقضاياها العادلة وضد امن العالم وسلامه واستقراره.
وبإيجاز فقد شهدت كل اطياف اليسار بكل تبايناتها وبمختلف مرجعياتها ، وإذا استخدمنا هنا منطق التصنيفات الدارجة في لغة السياسة اليومية ، لقلنا ان هذه الاطياف من أقصى اليسار الى يسار الوسط ما تزال تشهد على الدوام تغيرات نوعية تستجيب للواقع الموضوعي في مجتمعاتها ، وذلك سواء في مواقفها السياسية أم في ممارساتها العملية . وإذا كانت هوية كل من اليسار واليمين قد أصبحت ملتبسة ومتداخلة بل ومتقاربة الى حد كبير في بلدان العالم الديمقراطية الأكثر تطورا مثل الولايات المتحدة الآمريكية والدول الأوربية واليابان وغيرها …فذلك يعود الى أنه لم يعد هناك فارق يذكر في سياساتها الخارجية التي تستهدف أساسا خدمة مصالحها الاستراتيجية ، ولا في سياساتها الداخلية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والخدمات العامة الاساسية .
لكن الأمر بالنسبة لليسار العربي .بمختلف اتجاهاته الفكرية والسياسية ، كان مختلفا نوعيا . فالتغيرات التي طالت هذا اليسار لم تقتصر اسبابها على كونها جزءا أو انعكاسا لأزمة اليسار العالمي بل كان العامل الآساس في الأزمة الشاملة والوجودية التي عرفها هو العامل الذاتي المتمثل بتخلف مجتمعاتنا العربية من جهة وتخلف فصائل
هذا اليسار من جهة اخرى في حاجته الى التطور المنتظر على مستوى الفكر والوعي والسلوك . ان أزمة اليسار العربي هذه بكل تجلياتها النظرية والواقعية ترجع أساسا
الى ان هذا اليسار ، طوال القرن الماضي وحتى انهيار المعسكر الاشتراكي ، ظل بصورة عامة مشدودا الى مثال يعتقد ان قد تحقق على ارض الواقع وظل بتوجهاته العامة مقلدا لغيره اي محكوما في مرجعيته بالآخر وانعكاسا في مواقفه للمركز الدولي الخارجي ،ولَم تكن فعالياته هذه نابعة من وعي حقيقي لمشكلات ومهمات مجتمعاته الحقيقية في مسارها نحو الحرية والتنمية والعدالة والتقدم .
وبدل ان يقوم اليسار العربي في مواجهة استحقاقات هذا الزلزال الفكري والسياسي الذي اختتم به القرن العشرون ، بتجديد ذاته عبر عملية تقييم ومراجعة حقيقية شاملة وجدناه يكرر نفس الممارسات التي ظل يوجهها وعي قاصر ، ويتخذ نفس المواقف التي تصدر عن ردود الفعل لا عن رؤية استراتيجية مستشرفة تعالج مهمات الحاضر كخطوات انتقالية مرحلية في طريق النهضة الشاملة وبناء المستقبل المنشود .واليوم اذ يعرف اليسار التقليدي تراجعا كبيرا في الدول الديمقراطية المتطورة كما حدث في الولايات المتحدة الامريكية وفي بريطانيا وكما هو متوقع الأشهر القادمة في كل من فرنسا وألمانيا وبقية الدول الأوربية ،كما يواجه اليسار التحرري الوطني في بلدان اخرى هجمة شرسة من قبل النظام الراسمالي العالمي كما هي الحال في البرازيل وفنزويلا وكوبا والعديد من دول أمريكا اللاتينية ، فان اليسار العربي بمختلف اطيافه يعيش كم أسلفنا أزمة من نوع اخر ، أزمة كشفت عن عمقها الانتفاضات الشعبية العربية منذ انطلاقتها قبل ست سنوات في نطاق ماسمي بالربيع العربي .
لقد فوجئت مختلف تيارات وأطياف اليسار العربي : الماركسي منها والقومي والعلماني والوطني الديمقراطي بانطلاقة الانتفاضات الشعبية العربية المطالبة بوضع حد لانظمة الاستبداد والفساد والانتقال الى الحياة الديمقراطية السليمة وكانما وقعت في ورطة كبيرة عندما واجهت كما لم يسبق لها امتحان المشروعية الوطنية باثبات أهليتها ومصداقيتها وجدارتها في قيادة عملية التحرر الوطني والاجتماعي وانتهاج المسار الصحيح لإنجاز مهامه المرحلية والانتقالية . وإذا كانت الموضوعية تقتضي منا ان لانعمم نفس أحكامنا على جميع قوى اليسار وعلى جميع البلدان الي عرفت تلك الانتفاضات الشعبية فان ما يعنينا هنا بصورة خاصة هو ان نقف وقفة تعرف وتقييم لاوضاع مختلف مجموعات وتيارات ما كان يعرف باليسار السوري ، ولمواقعها ومواقفها في سياق الكفاح التحرري لشعبنا ومدى استفادتها من تجربة السنوات الماضية التي قادت الى المِحنة الكيانية التي يعيشها وطننا الْيَوْمَ .
ان الحقيقة التي يمكن استخلاصها في ضوء معطيات الواقع هي ان اليسار السوري بمعظم اطيافه واتجاهاته ،وبخاصة نخبه الفكرية وحركاته السياسية ، لم يبرهن عن امتلاكه العتاد المعرفي المناسب وبالتالي الرؤية السديدة لتشخيص علل مجتمعه وابعاد أزمته العميقة والمزمنة وبالتالي لم يطرح ويتبنى عمليااحتياجاته في التحرر والديمقراطية والحداثة ومواكبة مسار العصر . طوال السنوات الست الماضية ظل اليسار السوري محكوما بعوائق أزمته الذاتية التي شلت امكانياته والتي حالت دونه ودون ان يرتقي الى المستوى الذي تفرضه المرحلة كي يضطلع بمسؤولياته الوطنية على أفضل وجه ممكن والتي تقتضي منه ان يوحد رؤيته وجهوده في إطار جبهة وطنية ديمقراطية علمانية عريضة . والمؤسف ان اوضاع اليسار السوري المفترض شهدت طوال السنوات الماضية المزيد من الانقسام والتشرذم والاقصاء والعزلة والضياع . والاخطر من ذلك كله ما رأيناه من قبل العديد من المجموعات والشخصيات والزمر التي كانت تنسب نفسها للماركسية والعلمانية والديمقراطية عندما غيرت بصورة مفاجئة أقنعتها واستبدلت هوياتها المعلنة وسارت في ركب الاسلام السياسي الاصولي ومجموعاته المقاتلة على الارض السورية معللة ذلك بذريعة ضرورة مواجهة المشروع الإيراني المذهبي في المنطقة ، متخلية بذلك عن مرجعياتها النظرية وهوياتها السياسية والوطنية التي كانت مبررة وجودها ، فلقد مثل ذلك النهج الارتدادي الذي اتخذه العديد من فصائل اليسار السوري والذي قاده الى ان يتخذ مواقف أقصى اليمين الديني المتطرف اقسى مظاهر محنة العقلانية في وعي تلك الفصائل .
وهكذا أسهمت أزمة اليسار السوري ومواقفه وخطابه ، الى حد كبير ، في انحراف الانتفاضة الشعبية عن مسارها الصحيح وفي اغتيال أهدافها وتحولها الى حرب أهلية عبثية مدمرة لوحدتها الوطنية ، نتيجة عسكرتها وتطييفها وتدويلها ، ونتيجة تغييب إرادة الشعب السوري ومخططات تدمير ذاكرة أجياله وتجهيلها وتشويه تاريخه والكفر بقيمه ومنجزاته الحضارية الانسانية ، فلم تسآل قوى اليسار السوري نفسها الى أين سيقودنا هذا المسار الكارثي المتواصل منذ خمس سنوات ،على الأقل ، فوق ارض سورية والذي أتى حتى الان على معظم مقوماتها ؟ وكيف أصبحت رموز هذا الصراع الذاتي المدمر ، وتسمية غزوات الجهاد التي يعلنها الإرهاب شخصيات مثل ابن تيمية والزنكي والسلطان الفاتح والعرعور والقرضاوي والمحيسني وإبراهيم اليوسف واضرابهم … في نفس الوقت الذي أصبحت فيه ذكرى رموز تاريخنا الوطني المشرف مثل الكواكبي والشهبندر ويوسف العظمة وإبراهيم هنانو وصالح العلي نسيا منسيا . كذلك وفي الوقت نفسه فقد نأى بِنَا هذا المسار عن قضايا الأمة المركزية وعلى رأسها القضية الفلسطينية ، فبدل ان نراجع أنفسنا ونعترف اننا نسير في طريق الكارثة فنعمل على تصحيح مسارنا وتجاوز أخطاءنا وخطايانا، فقد أصبحت علاقتنا بها أي القضية الفلسطينية ثانوية وأصبحت قافلة رموز وشهداء ثورتها موضع تجاهل مقصود وتشكيك متعمد وفي مقدمتهم عز الدين القسام وَعَبَد القادر الحسيني واحمد ياسين وياسر عرفات وجورج حبش وإدوارد سعيد ومحمود درويش وهيلاريون كبوجي. ..وغيرهم . هذا في الوقت الذي تخلى فيه العديد من فصائل اليسار السوري عن كل مواقفه وخياراته وسار ، بعقلية ردود الفعل والحقد على معطيات الواقع القاسي الظالمة ، في ركب المعارضات السورية التي اتخذت من عواصم الدول الإقليمية التي لا علاقة لها من قريب او بعيد بالديمقراطية او بقيم ومبادىء المواطنة المتساوية مربطا للجهاد ومنطلقا لتحرير سورية والعراق وليبيا واليمن ، والحفاظ على وحدتها الوطنية والسياسية وتأسيس نظم ديمقراطية عصرية نموذجية فيها .!!!
اما على الصعيد الدولي فلقد كانت الصورة ، التي اتخذتها فصائل وشخصيات وطنية عديدة تنسب نفسها لليسار ، بائسة ومخجلة الى حد كبير عندما تحولت تلك الفصائل
فجأة وبقدرة قادر داعية للنظام الراسمالي المتوحش ولَم تَر في الليبرالية الا هذا الجانب المتطرف الذي لا يعبر بحال من الأحوال عن جوهرها الحقيقي الذي يربط مابين الحرية من جهة والعدالة الاجتماعية من جهة ثانية . وهكذا وجدنا تلك العناصر التي كانت تصنف نفسها في قيادة اليسار تتقدم واجهات المعارضات التي تبايع أمريكا والدول الأوربية وتضع ثقتها الكاملة فيها بوصفها قائدة عملية التحرر وبناء الديمقراطية في المجتمعات المتطلعة لذلك !!!! لهذا كله لم يكن مستغربا ان وجدنا اليسار السوري الْيَوْمَ
بمعظم تشكيلاته يتنكر ويتجاهل ولا يتذكر ولو بموقف نقدي عقلاني وموضوعي قوى ورموز اليسار العالمي . فلم اسمع شخصيا ولَم اقرا في يوم من الأيام في حديث وخطب ومواقع اليسار السوري اي ذكر وتقييم لتجربة تشي غيفار الذي ظل لعقود في القرن الماضي أيقونة كفاح الشعوب المضطهدة في كل أنحاء العالم . وقد رحل قبل ايّام فيديل كاسترو القائد التاريخي للثورة الكوبية التي وقف دوما الى جانب كفاح شعوبنا العادل ، ولَم اقرأ شخصيا خطابا واحدا لأي من فصائل اليسار السوري يتحدث عن دور هذا القائد الثوري او برقية تعزية برحيله موجهة الى الشعب الكوبي الصديق علما بان حتى رئيس الولايات المتحدة الامريكية لم يتردد في توجيه مثل هذه البرقية !!! اما عن جنوب افريقيا ورمز تحررها نيلسون منديلا ، فانه لامر مخجل حقا اذا تساءلنا: كيف وقفت المعارضات السورية وبضمنها تيارات وشخصيات ونخب اليسار السوري من هذا البلد الصديق ومن رحيل قايد تحرره من الاستعمار الاستيطاني !!!!
خلاصة القول ان اوضاع اليسار السوري الحالية تعاني أزمة عميقة ، أزمة تاريخية تعود في جانب منها الى عومل ذاتية تخص وعي وبنية وممارسات مختلف اطياف اليسار وتعود في جانب آخر الى عوامل مجتمعية طالت عموم أطراف الحركة الوطنية السورية بفعل تصحر الحياة السياسية وغياب ابسط الحريات الاساسية نتيجة دوام نظام الاستبداد الشمولي لفترة تتجاوز أربعة عقود ونصف . ان الحلول السياسيةالدولية التي تطرح الان للمسألة السورية ، بغض النظر عن أهميتها وجديتها ، لن تعرف طريقها الى النجاح والاستمرار ولا يمكن لشعبنا ان يبني دولته الديمقراطية التي قدم في سبيلها اجل التضحيات ، في غياب الدور القيادي المنتظر للتيار اليساري الديمقراطي العلماني . فهل يمكن لليسار السوري ، بعد كل هذا الحصاد المر لتجاربه وممارساته القاصرة ،ان يستعيد ثقة شعبه ويكون في مستوى مسؤوليته التاريخية ؟؟؟
Tags: محرر