فواز تللو: قصف كل حلب أم نصفها؟ معركة الشرعية والتمرد

فواز تللو: كلنا شركاء

يتردد دائماً كلامٌ يرافق أي تصعيدٍ عسكري خاصة في حلب ودمشق وحماه،  بأن قصف أي من هذه المدن أو تحريرها خطأٌ وأن من الأفضل بقاء الثوار خارجها تجنيباً للمدنيين عواقب انتقام النظام كما حصل في كل مدينة وبلدةٍ حررها الثوار في تحميلٍ ضمني لمسؤولية الخراب للثوار واعتبار دخولهم المدن خطأً مع إضافة للسويداء وكسب ومحردة وغيرها لوضعهم الطائفي كما يقولون.

لا يزال في الذاكرة الجدل الذي دار يوم قصف ثوار الغوطة دمشق، وفي المرات القليلة التي سقطت فيها قذائف على بعض المدن التي يسيطر عليها النظام كدمشق وحلب وسقط بالمجموع في كل الحالات بضع عشرات من الأشخاص.

هاكم التاريخ أمامكم كم من مدن سويت بالأرض ثمناً لحريتها ولم تندم، وكان العار الوحيد من نصيب بعض من الفرنسيين الذين استسلموا للنازيين حمايةً لباريس فكان أن لعنهم الفرنسيون وحاكموهم وعلقوا مشانقهم، ولذلك لم تتردد وارسو في دفع ثمن حريتها ولو بخرابها، ولذلك قاتل الألمان في برلين قتالاً شرساً لم ينسى الروس طعمه لمنع سقوط كل عاصمتهم بيد الوحش الشيوعي الروسي الستاليني بينما وقعوا صك استسلام مع الحلفاء، فكان الثمن تدمير المدينة واغتصاب نسائها واعتقال ما تبقى من رجالها وتدميرها في معارك دارت من غرفةٍ إلى غرفة ظلت علقماً لم ينساه الروس حتى اليوم في معركة أدرك الألمان أنها خاسرةٌ لكن خاضوها لا دفاعاً عن النازية التي كانت قد انتهت وكرهوها خاصة في السنة الأخيرة من الحرب، بل خاضوا معركة برلين الخاسرة  للتاريخ وللشرعية وصنع المستقبل، فكان أن اضطر الروس للانسحاب لصالح الحلفاء من ثلثي برلين الغربية لتعود حرةً بعد أربع سنوات وتقوم ألمانيا الغربية التي بقيت هي الشرعية مقابل إقليم “شرقي” عاد إلى ظل الشرعية الألمانية الغربية “الأصيلة” بصفته إقليماً تابعاً لا بصفة اتحاد بين دولتين كما يتصور البعض (وإن انفق الألمان الغربيون الكثير لإعادة تأهيل ألمانيا الشرقية)، فكانت معركة الاعتراف بالشرعية هي الأساس.

لا يمكن أن يعترف العالم بثورة لا تسيطر على مراكز محافظات هامة وهو أحد أسباب الهجمة الوحشية على حلب المدينة الثانية في سوريا، فالسيطرة على دمشق تعني سقوط النظام والسيطرة على حمص تعني سقوط مشروع التهجير الطائفي والسيطرة على اللاذقية تعني سقوط مشروع التقسيم  الطائفي، أما السيطرة على حلب “كاملة” فتعني شرعية دولية يفتقدها الثوار سيحصلون عليها رغم أنف العالم الذي لم ينتقص حتى اليوم شيئاً من شرعية النظام القانونية الدولية معتبراً ثورة الأطراف تمرداً، رامياً عظمة المصالح الشخصية للمعارضة السياسية التي فشلت في الحصول على أي شرعية خاصة في قيادة المجلس الوطني ونسخة الائتلاف الأولى بكل أعضائه عندما فرطوا بفرصٍ تاريخية لسحب شرعية النظام ولو جزئياً مكتفين بالعظام التي رماها لهم مشغليهم.

هو سر الهجمة الوحشية على حلب برعاية دولية بغض النظر عن التصريحات التافهة للبعض (وعلى رأسهم أوباما)، هجمةٌ وحشيةٌ في محاولةٍ من النظام الأسدي لإعادة احتلال نصف حلب المحرر بهدف نزع أي صفةٍ شرعية “دولية” قانونية جزئيةٍ ممكنةٍ للثورة، ولذلك يحتفظ بمراكز المحافظات ما استطاع بتآمرٍ دولي، ومثال درعا قريبٌ حيث كان من الممكن أن يشكل تحريرها وتحرير اللسان الذي يخترق المحافظة إنجازاً سياسياً كبيرا عطله أغبياء وعملاء بين ثوار درعا منذ أربع سنوات حتى اللحظة، وهو نفس الأمر بالنسبة لحلب الغربية ومدينة دمشق ومطار الثعلة في السويداء وكسب ومناطق الساحل ومناطق أخرى حيث اجتمعت المؤامرات والضغوط  لمنع أي عمل عسكري فيها وقد كان الأمر متاحاً بشكل كبير (ولا زال)، ولا يزال في الذاكرة الصراخ والعويل من قبل الطابور الخامس في المعارضة وتدخل بعض الحلفاء المفترضين وضغوطهم ناهيك عن التآمر الأمريكي الكبير وتشتت الساحة العسكرية بسذاجة وتفرقٍ قاتلٍ تتحمل مسؤوليته القوى العسكرية قصيرة النظر.

في المعارضة، هناك من لا يزال يتنطع بإعطاء الدروس السياسة والعسكرية بعدم دخول بعض المناطق (لاعتبارات طائفيةٍ)، وعدم دخول بعض المدن وعدم جواز قصف أي هدف فيها بسبب المدنيين متحججاً بأنها مناطق آمنة متناسياً أن ثمن أمانها الذليل هو خضوعها لمعادلة “الجوع أو الركوع، الأسد أو نحرق البلد” وأن أمانها يثبت شرعية النظام وربط استمرار سيطرته بالأمان، بما في ذلك من تفريط بالتضحيات الهائلة والثمن الكبير المدفوع دماً وتهجيراً لأصحاب الثورة، فهذا لا يريد أن يقترب الثوار من السويداء وآخر من كسب والثالث من دمشق والرابع من حماه واليوم من حلب، ولا لحد ان يقصف النظام فيها، كما ترتفع أصوات قذرة في حلب الغربية شامتة بالحلبيين الأحرار شرق حلب.

دمشق وحلب وحماه ودرعا المحطة والسويداء واللاذقية وطرطوس ومحردة ووادي النصارى وكسب ساحات حرب وأرض سورية أولاً وأخيراً لا أرضَ لطوائف تسكنها بغض النظر عن الطائفة أكثريةً أو أقلية، وعلى كل من يسكنها سواءً كان مؤيداً للثورة أو للنظام لا فرق، عليه أن يدرك ذلك ويتحمل كما تتحمل المدن المحررة، فلا يمكن تعطيل الثورة من أجل راحته، وعليه أن يدرك أن الثوار في النهاية سيدخلون كل شبر في سوريا أعجب البعض ذلك أم لا، ومن يرفض سيكون متمرداً يُعامل كما يُعاملنا النظام اليوم بتأييد من هذا الرافض لدخول الثوار اليوم وفي ذلك كل العدل، وربما كان خطأ الثوار الكبير حتى اللحظة (وهو امر يجب تداركه) هو خضوعهم للخطوط الحمراء بلون دمنا بعدم دخول بعض المناطق وعدم قصف مراكز النظام في المدن وكل مناطق النظام ومؤيديه حتى لو كان القصف غير دقيقٍ لكي لا يستطيع النظام الادعاء أمام العالم بأنه رمز “الأمان” بينما هو البلطجي الذي يصنع الخراب ويتقاضى الخوة ليحمي الناس من بطشه لا بطش غيره، فبذلك يذوق مؤيدي النظام نفس ما يهللون له كلما ارتكب النظام جريمة قصف أو تجويع عسى أن يعودوا إلى رشدهم.

ككل المدن، حلب الغربية لابد أن تُحرر مهما كان الثمن، لكن لها الأولوية اليوم لأن إمكانية ذلك في حلب أكبر من غيرها، ففيها تبدأ الثورة بالحصول على الشرعية ويسقط مشروع الاستسلام الحالي المتخفي بعباءة ديميستورا وبيان فيينا وحلهم السياسي الذي ترتزق المعارضة منه اليوم، وفيها  ستقوم سلطة التحرير التي سيضطر العالم للاعتراف بها على الأقل كسلطة موازيةٍ في الشرعية للنظام الأسدي، ولا أقصد الائتلاف وهيئة التفاوض وحكوماتهم وهيئاتهم وأذنابهم بل القوى التي ستحرر حلب.

وعلى الحلفاء خاصةً إدراك هذا الأمر وأهمية معركة حلب كأبسط أبجديات السياسية لمن يفقه السياسة ويستشعر كرامته ومصالحه ولا ينتظر دوره على المذبح خاضعاً لأوباما الذي يحتقرهم احتقاراً غير مسبوق مستهزئً بهم وبخضوعهم له مع تواطؤه مع الإيراني بينما يسوقهم إلى المذبح، وأنا هنا أتكلم عن مصالح الحلفاء لا عن النخوة العربية والإسلامية والإنسانية التي أدركنا أنها موجودة فقط في قواميس الثورة السورية ومؤيديها، بينما أجسام العرب والمسلمين وأنظمتهم “خاليةٌ” من هذه الجرثومة.

إن السيطرة على المدن ضرورية مهما كان الثمن كبيراً، فلا نصر سياسي في النهاية دون السيطرة على المدن حتى لمن أراد التفاوض، فبدونها سيفاوض بلا أوراق قوة ولن يحصل على شيء، فلا شرعية لمن يكتفي بالأطراف وسيبقى حتى لو كان على حقٍ مجرد “متمردٍ” على سلطة شرعية حتى لو كانت باغيةٍ، فإن لم يتم سحقه كما يخطط النظام وحلفاؤه وأوباما والعالم لن يستطيع كمتمرد من الحصول على أكثر من فتاتٍ و”عفو جزئي مشروط” لمن تجنده عميلاً وترضى عنه السلطة المعترف بشرعيتها دولياً حتى اللحظة.

فواز تللو – سياسي وباحث سوري

برلين – ألمانيا  26/09/2016





Tags: سلايد