د. حبيب حداد: المشروع الوطني الغائب والمغيّب الكفيل بوقف حالة التردي والانهيار في مجتمعاتنا

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

تعيش الأمة العربية في جميع أقطارها ومنذ عقود , وبفعل. نزوعهاالطبيعي للترقي نحو حياة أفضل ، صراعا ذاتيا متواصلا يطال ويهز كل بناها المجتمعية . وقد تضاعفت حدته وامتدت ابعاده كما هو معروف بعد تفجر الانتفاضات الشعبية في العديد من تلك الأقطار والتي تتابعت في سياق ما سمي بالربيع العربي . وهذا الصراع هو بلا ريب صراع اجتماعي داخلي وموضوعي ، أي انه يرجع الى أسباب وعوامل ذاتية ، تاريخية مديدة ومجتمعية راهنة ، قبل ان يعزى الى أسباب وعوامل خارجية متوقعة وحاضرة في كل زمان ومكان ، والمتجلية أساسا بمطامع ومصالح القوى والدول الأجنبية ذات السطوة والنفوذ التي تستغل وتتحين الظروف والفرص المناسبة للتدخل وبسط الهيمنة ، لا بل انها قد تسهم حتى في صنعها . انه بإيجاز الصراع المحتدم داخل مجتمعاتنا بين قوى التحرر والديمقراطية والتقدم والوحدة من جهة ، وبين قوى الاستبداد والاستغلال والتخلف والردة من جهة أخرى ، والذي تعود بداياته الى نهايات القرن التاسع عشر عندما طرح التنويريون العرب علي أنفسهم آنذاك السؤال الذي فرضه الواقع المتخلف والطموح نحو المستقبل المرتجى وهو لماذا تخلف العرب والمسلمون ولماذا تقدم الآخرون ؟ .

الْيَوْمَ وبعد انقضاء ست سنوات على انطلاق تلك الانتفاضات الشعبية العفوية التي كانت في جوهرها مشروع ثورات تحررية مجتمعية تملك كل عناصر ومقومات الظفر والنجاح لو لم يتم حرفها عن مساراتها وإجهاض أهدافها ، هذا اذا استثنينا الحالة التونسية طبعا التي حضنتها وحمتها من الارتداد مناعة المجتمع المدني وثقافته ، فان السؤال المطروح علينا ، نحن أبناء ونخب هذه الأمة قبل غيرنا : وماذا بعد ، ما الذي ينتظر مجتمعاتنا في المدى المنظور وهي تواجه الآن اخطر تحديات الوجود والبقاء ، بعد أن كانت قبل عقود تعد العدة وتتسلح بالعزم والتصميم وتصوغ الخطط التنموية الهادفة لتعظيم قدراتها الذاتية بغية إنجاز مهمات التقدم والحداثة ومواكبة مسار العصر ؟ وليس ينطوي سؤالنا هذا بطبيعة الحال على قناعة بامكانية فصل مهمات المستقبل عن مهمات الحاضر . فمهمات واهداف المستقبل ترسى مقدماتها وقواعدها ويفتح الطريق نحو تحقيقها بما ننجزه ،و بآلية صحيحة ، من المهمات المطروحة علينا في الوقت الحاضر . وهذا يتطلب أن يكون إنجاز هذه المهمات في إطار رؤية استراتيجية شاملة تربط بين مهمات الحاضر والمستقبل الذي ننشده والذي يجسد الأهداف الأساسية التي انطلقت الإنتفاضات الشعبية لبلوغها والتي قدمت شعوبنا في سبيلها حتى الآن أغلى وأجل التضحيات .

لكن المشروع الوطني الديمقراطي الوحدوي الأهداف والآفاق الذي يرمي لتوحيد جهود وامكانات بلداننا العربية المشتركة ، وبخاصة على الصعيد الشعبي ، يجري الْيَوْمَ تغييبه واستبعاده بل وتجريمه كأنما هو المسؤو ل عما وصلت اليه مجتمعاتنا من تاخر وهوان وضياع في ظل أنظمة التسلط والإستبداد التي كانت ترفع شعارات ذلك المشروع النهضوي ، لكنها على أرض الواقع مارست عكس تلك الشعارات والاهداف لانها كانت تنطلق في ذلك من خدمة غرضها الأساس آلا وهو بقاؤها في السلطة الى أطول امد ممكن . فعندما نحاول الْيَوْمَ تشخيص الواقع الراهن الذي تعيشه مجتمعاتنا التي شهدت تلك الانتفاضات من ليبيا الى اليمن الى سورية الى العراق الى البحرين الى…. فان صورة هذا الواقع تبعث على المزيد من اليأس والاحباط لدى الكثيرين منا ، ذلك لان ما وصلت اليه الأوضاع الحالية من ترد وانهيار وارتداد أمر لم يكن يتوقعه أشد المتشائمين منا ، وحتى اكثر الآراء والمواقف المعادية صلفا وحقدا وعنجهية !!!

ففي العراق وبعد احتلاله قبل ثلاثة عشر عاما وحل جيشه الوطني وتدمير دولته وإخفاق ماسمي بالعملية السياسية التي أتت بسلطة ميليشياوية طائفية فاسدة تهيمن عليها ايران ،غرق العراق في أتون حرب أهلية طائفية لا يعلم حتى الآن الى أين ستؤدي والي أين ستستقر في مآلاتها ، وفي ليبيا التي دمر كيانها بعد إنهاء نظامها الفردي الديكتاتوري السابق ، وبعد ان تشظى كيانها وتمزقت وحدتها السكانية والجغرافية وأصبحت الْيَوْمَ مرتفعا لنشاط المجموعات التكفيرية الإرهابية الى جانب ثلاث حكومات تتصارع فيما بينها على السيطرة والنفوذ وادعاء امتلاك الشرعية ،فإنها الْيَوْمَ أمام مصير مجهول !!! وفي اليمن السعيد الذي لم يعد منذ زمن بعيد سعيدا ، بل اضحى منكودا ومنكوبا بعد ان تكالبت عليه القوى القبلية والطائفية وقوى البغي والعدوان الخارجية هادفة لتدمير بناه الأولية وتقسيمه الى كيانات ضعيفة وبالتالي الحيلولة دون عودته دولة موحدة قادرة ان تتدارك فواتها التاريخي وتنهج طريق الاستقرار والتنمية الشاملة والتقدم .

اما سورية التي اتفقت كل قوي التحرر والتقدم والوحدة في عالمنا العربي على اعتبارها قلب العروبة النابض فان سوريا الْيَوْمَ تعاني وتواجه اخطر التحديات التي تهدد وجودها ومصيرها ، فقلب سورية الْيَوْمَ منهك وعليل وجسم سورية الْيَوْمَ دام ونازف بلا توقف ، بسبب طعنات الغدر والحقد التي تلقتها ممن كان يفترض انهم الأشقاء والأصدقاء قبل أولئك الذين كانوا يحسبون خصوم وأعداء . ان سورية تشهد الْيَوْمَ حربا أهلية طاحنة بكل ابعادها المذهبية والإقليمية والدولية ، حربا ضروسا مدمرة لكل مقومات الحياة ، طرفاها المنفذان على الأرض نظام استبداد جائر وحلفاؤه الروس والإيرانيون وبقية المجموعات الطائفية المتحالفة معه في جانب ، والمجموعات الإرهابية التكفيرية المعادية لكل القيم الوطنية والحضارية والإنسانية والدول التي تستخدمها من جانب آخر . أما الضحية في هذا الصراع الوحشي القاتل فهو الشعب السوري وحده الذي شرد حتى الآن في كل أنحاء المعمورة أكثر من نصف سكانه بينما عاني نصفه الآخر المقيم من كل أشكال النزوح والتهجير والشقاء كما تعرض لكل انواع القتل والتصفية والإجرام .

وفي خضم هذه المِحنة القومية الشاملة وحيث غابت ابسط فاعليات ومستلزمات التضامن والعمل العربي المشترك بعد ان فقدت الجامعة العربية القدرة على القيام بأبسط واجباتها ومهامها وأصبحت اداة طبعة في خدمة المحاور العربية المتناقضة ، في خضم هذه المِحنة اذا كان لا بدلنا بد لنا ان نتساءل عن حال القضية الفلسطينية التي من المفروض انها القضية المركزية لكل شعوب الأمة ، وهي التي تمر الْيَوْمَ في اصعب مرحلة منذ قيام الكيان الصهيوني ، فقد أصبحت قضية ثانوية في اهتمامات الدول العربية وهمشت الى حد كبير على صعيد السياسة الدولية ، ولا شك ان هذا الواقع كان حصيلة الأوضاع العربية المتردية من جهة وحصيلة اتفاق أوسلو سيّء الصيت والنهج الخاطىء والإقصائي الذي طبقته منظمة التحرير الفلسطينية لمبدأ القرار الوطني الفلسطيني المستقل من جهة اخرى .

مشاريع كثيرة طرحتها وما زالت تطرحها القوى الوطنية السورية خلال السنوات الست الماضية وكذلك المجتمع الدولي والأمم المتحدة من اجل إيجاد حل للمسآلة السورية ومضاعفاتها الإقليمية والدولية خاصة مار تعلق منهاباعباء ظاهرة اللجوء التي لم تعرف التوقف ، وكذلك بعد ان أصبح خطر الاٍرهاب خطرا عالميا يهدد الجميع دون اَي استثناء . لكن والحق يقال فان العديد من مشاريع القوى الوطنية الديمقراطية التي طرحت بهدف إنهاء نظام الإستبداد وبناء سورية الديمقراطية الموحدة لجميع مواطنيها دون اَي تمييز ،بدل ان تآتي في سياق المشروع الوطني السوري الديمقراطي الواحد بآفاقه العروبية ، فإنها انطلقت من نظرة فئوية او قومية او تجزيئية محاولة تبرير رؤيتها بكونها التطبيق السليم لعملية التحول الى النظام الديمقراطي ، متجاهلة ان رؤيتها تلك تتناقض تناقضا كليا مع معطيات الواقع وحقائق التاريخ القريب والبعيد التي نسجت لحمة الشعب السوري المتعدد المصادر القومية والثقافية والدينية والمذهبية ، والموحد الهوية الوطنية المتجددة والمتطورة على الدوام . ويمكن ان ترجع أسباب وخلفية هذه المشروعات الانقسامية والرؤى التجزيئية من وجهة نظرنا الى فشل مجتمعاتنا منذ نيل الاستقلال ، من الاستعمار المباشر وحتى الآن ،في بناء دولة المواطنة أي آمة الدولة ، واستمرار التحكم في مصيرها من قبل أنظمة مملوكية او سلطانية هي اقرب ما تكون الى أنظمة القرون الوسطى ،هذا اولا ، ومن ثم ما واجهته تلك المجتمعات الرخوة البنية من تحديات القيم الكونية المشتركة بكل تأثيراتها الإيجابية والسلبية التي عزز انتشارها عصر العولمة هذا ،و وفي مقدمتها حقوق الشعوب والافراد وحقوق كل المكونات والمجموعات الثقافية والقومية والدينية أينما وجدت ، ثانيا .

خلاصة ما نهدف اليه من موضوعنا هذا هو ان نجيب نحن السوريين وعلى مختلف توجهاتنا الحالية ، بكل الوعي المطلوب ، وبكل الحس الوطني المسؤول ، على السؤال الذي يواجهنا جميعا وهو :لماذا يجري الْيَوْمَ تغييب واقصاء ، ومحاولات قهر واغتيال المشروع الوطني الديمقراطي الموحد الكفيل بانقاذ الآمة من كبوتها ، ووقف حالة التدهور والانهيار ومواصلة السير ، ربما بقصور الوعي وسلامة النوايا ، في منحدر الدمار الجماعي وهاوية الانتحار المتسارع الخطى !!! .

اقرأ:

د. حبيب حداد: كل شيء ممكن ماعدا وقفة مراجعة صادقة مع النفس





Tags: محرر