يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية.. العودة والهروب (9/9)

يونادم يونادم: كلنا شركاء

 عاد (الحمادة) إلى دير الزور التي وصفها بأنها “مدينة أشباح”، بعد ان تدمر الكثير من المباني خلال عامين من القتال المكثف والغارات الجوية. كان اثنان من أولاد أشقائه ما زالا قيد الحجز داخل فرع المخابرات الجوية في دمشق، كما اختفى أفراد آخرون من أسرته في مراكز أمنية أخرى. خلال اعتقال (الحمادة) كانت الثورة قد تحولت إلى حرب طائفية، وتحولت (جبهة النصرة) الى قوة كبيرة لا ينافسها إلا (داعش). أما مجموعات المعارضة المعتدلة فقد كانت موجودة ايضاً ولكنها في الغالب تحت قيادة أمراء حرب فاسدون وتركها العديد من المقاتلين إلى فصائل جهادية أكثر قدرة، بالإضافة الى ان العديد من الثوريين الذين قاتلوا يوًما ما من أجل الحرية أصبحوا الآن راديكاليين أو قتلوا أثناء الحرب، بينما المحاربون الموالون للأسد أتوا من العراق ولبنان وأفغانستان وإيران، وكان لداعش تواجد مهم في (دير الزور). يقول (الحمادة): “كانوا يقتلون جميع نشطاء الإعلام والنشطاء الديمقراطيين ٬ وفي كل مرة كانوا يفعلون ذلك بطريقة هوليوودية مختلفة”.
هرب (الحمادة) إلى تركيا، اذ استقل طوافة يستخدمها المهربون متوجهة إلى اليونان، ومن هناك سافر لمسافة أكثر من ألف وسبعمائة ميل إلى هولاند حيث كانت شقيقته قد انتقلت اليها قبل الحرب. انه يتذكر الهجرة بهزة كتف أو بعبارة أخرى كأنها لا شيء.
تم تأكيد وتوثيق ما سرده (الحمادة) عن الأعمال الوحشية داخل المستشفى ( 601 ) من خلال ما يقارب خمسة وخمسين ألف صورة تم تهريبها من سورية عن طريق ضابط في الشرطة العسكرية يعرف باسم (قيصر) وهو الاسم المستعار له. وقد وثّق (قيصر) وزملاء له قبل الحرب مشاهد عديدة لجرائم وحوادث مرور في دمشق يكون أحد أطرافها شخصيات عسكرية، ثم كان يقوم بتحميل تلك الصور على كمبيوترات حكومية مخصصة لهذا الغرض ثم يقوم بطبع تلك الصور ليرفقها بعد ذلك مع شهادات الوفاة الرسمية. ولكن ابتداء من عام 2011 لم تعد الجثث لأشخاص قتلوا في حوادث السير بل كانت لمعتقلين تم جمعها يومياًّ من داخل الأفرع الأمنية لإيصالها إلى المستشفيات العسكرية.
قام فريق (قيصر) بتصوير الجثث الموجودة في مشرحة المستشفى (601)، وكان لكل جثة يجري تصويرها رقم يميزها،
ويتكون عادة من أربعة أرقام — مثل رقم (الحمادة) 1858 —وهو مكتوب عادة بخط رديء على ورقة أو على شريط لاصق أو على الصدر أو على الجبهة بقلم عريض، كما يوجد رقم آخر يشير الى فرع المخابرات الذي قتل فيه المريض، وبلغ عدد الجثث الموجودة ما يقارب 1100 جثة، كان فريق (قيصر) يصنف أكثر من خمسين جثة يومياًّ- هزيلة ٬ مشوهة ٬ مقطعة ٬ محروقة ٬ مضروبة بالرصاص ٬ مخنوقة ٬ مكسرة، أو حتى ذائبة.
حسبما ورد في تقرير الأمم المتحدة ٬ بعد أن انتهى فريق (قيصر) من التوثيق حيث كان طبيب المستشفى يكتب عادة: “أزمة
قلبية” على شهادة الوفاة، وتحمّل بعدها الجثث على شاحنات لإلقائها في مكان بعيد، وفي حالات نادرة تمكن أفراد عائلة معينة ما من استعادة جثمان فقيدهم ولكن محققي الأمم المتحدة لاحظوا أنه عند كل حالة معروفة “كانت الجثة تحمل علامات تعذيب شديد”. وأكمل التقرير “بعض الجثامين كانت تعاد من مشرحة المستشفى إلى العائلة ٬ فقط بعد موافقة العائلة على إفادة تؤكد أن المتوفى قتله “إرهابيون”.
هرب (قيصر) من سورية في أغسطس 2013 ومعه عدد من وحدات تخزين (فلاشه) للكومبيوتر مخبأة داخل جواربه. وبقيت الصور موضوعاً سرّياً حتى تسنّى ل (قيصر) ان يتحدث مع فريق من المحققين الدوليين وخبراء في الطب الشرعي في شهر يناير التالي، وبدون وجود مفتاح أو شيفرة تستطيع ان تربط عن طريقها أسماء المعتقلين بأرقام الجثث فسيكون من الصعب تحديد هوية المتوفين، خاصة وان الكثير من الوجوه تم تشويه معالمها بإتقان أو اقتلعت منها عيونها. لقد نشر النشطاء السوريون المقربون من (قيصر) عدة آلاف من الصور على الإنترنت مما سمح لأفراد العائلات أن يبحثوا عن أحبائهم المفقودين. ثم جرى توزيع الصور على مخيمات اللاجئين أيضًا حيث اكتشفت بعض العائلات أنهم كانوا يدفعون رشاوى لضمان معاملة جيدة لأقارب تم قتلهم منذ زمن بعيد، وحتى الآن تم التعرف على سبعمائة وثلاثين ضحية بمن فيهم بعض زملاء (الحمادة) الذين كانوا معه في الزنزانة.

الخاتمة

بين الصور التي بحوزة (قيصر) وبين القضية التي تشغل (لجنة العدالة والمساءلة) قال (ستيفن راب) : “عندما تحين لحظة العدالة، سيكون قد توفر لدينا أدلة أفضل مما كان لدينا في أي مكان آخر منذ أيام محاكمة (نورمبرج)”.، كما ان (ويلي) و(إنجلز) يعتقدان أنه إذا وصلت هذه القضية للمحكمة فإن (لجنة العدالة) لديها ما يكفي من الأدلة لكي تدين (الأسد) ومعاونيه بعدد من التهم التي تتضمن القتل والتعذيب وأعمالًا أخرى ضد الإنسانية.
في العام الماضي عندما سئل الأسد عن صور (قيصر) خلال مقابلة مع مجلة (فورين أفيرز) تساءل (الأسد) وهو يردد: ” من قال إن الحكومة فعلت ذلك وليس المتمردين؟ من قال إن هذه ضحية سورية وليس شخصًا آخر؟”.
في عام 2011 ادعت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة أن طفًلا يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاًما ويدعى (حمزة الخطيب) تم تعذيبه حتى الموت داخل المعتقل. وكرد على ذلك توصل تحقيق قام به السوريون إلى أنه بعد وفاة الطفل بوقت قصير التقط “مصور شرعي.. ست صور ملونة” للجثمان “وأطلقنا عليها الرقم ثلاثة وعشرين”، وأضافت تلك التحقيقات السورية أن الصور أظهرت “عدم وجود علامات ضرب وعدم وجود علامات تعذيب ” وأن الطفل قتُل رمياً بالرصاص وذلك “على الأغلب من قبل زملائه الإرهابيين”. وأضاف التحقيق السوري أن الطبيب الذي أبلغ أن( قضيب ) الطفل مقطوع قد “أساء تقدير الموقف في فحص طبي سابق”.
تتضمن مجموعة (قيصر) ست صور لجثمان (حمزة الخطيب)، تظهرعيناه مغلقتان من الورم، ولون رأسه بنفسجي غامق من شدة الضرب، كما ان قضيبه غير موجود، وفي كل صورة تظهر أيضاً بطاقة ملطخة بالدماء كتب عليها رقم (23).
وفي رد رسمي على تحقيق الأمم المتحدة أشارت البعثة السورية الدائمة في الأمم المتحدة إلى الدستور السوري والقوانين المحلية السورية لتستشهد بها كدليل على أن “الادعاءات بوجود اعتقالات تعسفية وانتهاكات للقانون في أي من مؤسساتنا “لم تعد مقبولة بعد الآن”. ويتابع رد البعثة السورية “ليس لدينا مساجين تم اعتقالهم، خارج الاطار القانوني، لأمور تتصل بالتظاهر السلمي. اما إذا كان سؤالكم يتعلق بأفراد استخدموا أسلحة أو ارتكبوا نشاطاً إرهابياً ضد الدولة فتلك مسألة مختلفة تماما”.
في 2011 قال الأسد ل (بربارة والترز) إن مشاركة سورية في الأمم المتحدة “هي لعبة نلعبها ولا يعني هذا أننا نصدقها”.
من المنتظر أن تعقد قريباً جولة جديدة من المفاوضات بين الحكومة السورية والمعارضة في جنيف حيث ينتقل مسؤولو الأمم المتحدة بين الوفدين اللذين لا يزالان يرفضان أن يتقابلا وجهاً لوجه. قبيل المفاوضات قال لي (بركات) – الواشي السابق في دمشق – إن وفد المعارضة طلب منه نسًخا من الوثائق التي سرقها من حكومة الأسد ٬ ولكن الفد فشل مع ذلك في ترتيب عملية استلامها.
ويتفادى (ويلي) وطاقم (لجنة العدالة والمساءلة الدولية) التعليق على تغيير النظام. قال لي: “نحن لا نريد التورط كثيًرا في المعاناة السياسية” ضمن جهود إنهاء الحرب السورية “نحن ببساطة واثقون- ولا أظن أنها غطرسة- من أن عملنا سيرى النور في المحكمة في وقت قصير نسبياًّ”.
يذهب (الحمادة) الموجود في هولاندا إلى جلسات علاج طبيعي لإعادة تأهيل أطرافه المشوهة ويدرس الهولاندية وينظم احتجاجات مناهضة للأسد ضمن الميادين العامة مع أن الحضور يكون قليلا، ويتساءل دوماً عن أبناء إخوته وعن أخيه وعن زوج أخته وعن أصدقائه العديدين المفقودين. يبكي وهو يقول: “أين هم؟ هل هم على قيد الحياة؟ هل هم أموات؟” تطلب شقيقته في سورية شهادات وفاة من الشرطة العسكرية بلا جدوى، ويردد (الحمادة) كل يوم قوله “تعاسة.. إنها تعاسة. إنها تعاسة. إنه موت. إنها الحياة في الموت”.

اقرأ:

يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية.. المستشفى 601 (9/8)



Tags: سلايد