د. محمد عادل شوك: هلْ سيكونُ إخراجُ الفصائلِ من أحياء حلب حدثًا مفصليًّا؟

د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء

هلْ سيكون مشهد إخراج الفصائل من أحياء حلب في: 15/ 12/ 2016، معلَمًا في تاريخ الثورة السورية، و هو على أيّة حال، لن يقلّ تمفصُلاً عن مشهد إخراجهم من أحياء حمص في: 07/05/2014، و بذات الباصات الخضراء، التي غدت نذير شؤم على تلك الفصائل.

يذكر الباحثون أنّ الأمور المهمّة عند الأمم تأتي عقب أحداث مفصلية في حياتها؛ فجمعُ القرآن الكريم عند المسلمين كان عقب أحداث الرِّدة، و تدوين الحديث النبوي الشريف كان عقب ظهور أهل البدع و الأهواء و مُدَّعي النبوات، و بروز أمريكا في دائرة الضوء و تسنمها قيادة العالم، كان بعد الهجوم الياباني على ميناء اللؤلؤ ( Pearl Harbor ) في جزر هاواي.

و عليه فإنّ المراقبين يرَوْن أنْ تبادر الثورةُ بجعل هذا الحدث مناسبة ( و أيّة مناسبة )، فيكون ما بعدها يختلف كُليَّة عمّا قبلها؛ و إلّا فإنّها ستضيّع من يدها فرصة لن تتكرّر، إذْ لم يبقَ لديها أوراقٌ كثيرة تطرحها على الطاولة.

و بالطبع لن يجديها كثيرًا ممّا يطفو على السطح من التشاؤم و الانهزامية، اللذين يبدوان ظاهرين على الحواضن الشعبية؛ فالمجدي لها بعد اليوم أن تُسارع لوضع خطة مرحلية، ذات أبعاد استراتيجية، تتجاوز الحالة الراهنة، بغض النظر عمّا ستحمله من منغصات لكثير من العناصر المحسوبين عليها.

و تعتمد هذه الخطة على المكاشفة و المصارحة ضمن الكُتلة الصُّلبة للثورة، و هي لا تتعدّى 10% من مجموع المحسوبين عليها، تقوم على اعتماد خيارات غير الخيارات الحالية، تتمثّل في الاعتماد على الخيار المركزي الشامل، عوضًا عن الفصائلي المحدود، و لنقلها صراحة: المشروع الوطني الجامع، لا الفصائلي الآيديولوجي، و لا مانع من أن تتبنّى أسلوب العلاج بالصدمة.

و يُلِحّ هؤلاء المراقبون على أن يستند هذا المشروع على أسس جامعة للهوية السورية؛ فالثورة ليست للون ديني، أو طائفي، أو إثني بعينه، و حتى يكتب له القبول و النجاح ينبغي أن يقوم على المرتكزات الآتية:

1ـ واجهة سياسية جامعة، تحظى بالقبول: محليًّا، و إقليميًّا، و دوليًّا؛ الأمر الذي يجعلها قادرة على طرح مطالب السوريين دونما مواربة أو وهن، مع الحرص كلّ الحرص على الحفاظ على ما هو قائم في الثورة، و يحظى باعتراف دوليّ  (سياسيّ )، و يمكن أن يصبح ( قانونيًّا ) إذا سلكت الثورة مسلكًا آخر غير الذي هي عليه اليوم، و يتمثَّل ذلك في الائتلاف، و الهيئة العليا للمفاوضات، كمؤسستين بغض النظر عن الأشخاص، فليس من المصلحة هدمهما تحت أيّة ذريعة كانت.

2ـ مؤسسة عسكرية احترافية، ذات تراتبية مهنية، بعيدة عن التلوُّنات الآيديولوجية، يخضع قرارها لتلك الواجهة السياسية، و لا يُسمح لها أن تتواصل مع أيّة جهة خارجية، و لا تقطع في أيّ شأن من شؤون المجتمع تحت أيّة ذريعة، فمن غير المعقول أن يكون في الثورة أكثر من مكتب سياسيّ، و لكلٍّ صلاته و لقاءاته و قراراته ذات البعد الفصائلي.

فالتضحيات التي بُذلَت، و المكاسب الميدانية التي تحققَّت، لا فائدة مرجوة منها إذا لم تصبّ في خانة الثورة بشكل عام.

3ـ مؤسسة تنفيذية واحدة، تضع نصب أعينها تبنّي مشاريع خدمية على امتداد الجغرافية السورية، فلا يقبل في الثورة بعد اليوم ( حتى تكون على مستوى الحدث، و تُقبل عليها المؤسسات الدولية )، أن تنفرد كلّ منطقة بأشكال من المؤسسات المدنية، لا تتقاطع مع غيرها، حتى في المحافظة الواحدة، و لاسيّما ما كان منها ذا بُعد فصائليّ ذي امتداد عالميّ.

و يُنصح في هذا أن يتمّ الالتفات إلى الحكومة المؤقتة، التي أصبحت من مؤسسات الثورة التي تحظى بالحدّ الأدنى من الاعتراف من دول ما يُسمّى ( أصدقاء الشعب السوري )، و في عدد من المحافل العربية و الدولية.

و إذا ما كان ثَمَّة نقدٌ لأدائها في وقت مضى، فلا ضيرَ من تسديده و تصويبه، و الحذرَ الحذرَ من هدمها تحت أيّة ذرية كانت، فالدولُ لا تولي ثقتها مؤسساتٍ ذاتَ بُعد فصائلي، مهما كان عديدُها و بلاؤها و نواياها.

4ـ مؤسسة قضائية موحّدة، غير مؤدلجة، تستند في أحكامها على نصوص قانونية، تتميّز بأنها:

1ـ مدونة.

2ـ معترف بها في المؤسسات الحقوقية.

و حبذا لو كان لها ذلك محليًا، كما يرى الأستاذ هيثم المالح، فهو ينصح باعتماد القانون المدني السوري الذي لا شائبة تشوبه، أو ليكن القانون العربي الموحّد الذي تتبنّاه جامعة الدول العربية، و بذلك تقطع الثورة الطريق على النظام برفضه أحكامها و معاملاتها التي تبرمها بين الناس، و يحمي القائمون على أمر القضاء في مناطق الثوار أنفسهم من المساءلة ( محليًا، و دوليًا ) ذات يوم، بخصوص الأحكام الجنائية التي يصدرونها، و تُزهقُ فيها أرواحٌ دونما مرجعية قانونية معترف بها، لا بلْ حتى مدونة، فليستْ ثَمَّة أحكام صدرت عن هذه الهيئات القضائية إلاَّ و فيها ثغرة في هذين الأمرين.   

إنّه لمن الضروري الجمع الذكي بين مختلف أشكال العمل الثوري، المستند إلى مشاريع سياسية، القائم على العمل المؤسسي المركزي، ذي المرجعيات الشاملة، ذات الأبعاد الوطنية، البعيدة عن المكاسب الفصائلية، و بخلافه فإنّ الدول لن تبادر بسحب يدها من جيب النظام اعتمادًا على حُسن نوايا الثوار، و صدق مطالبهم.

اقرأ:

د. محمد عادل شوك: على هامش الفيتو الروسيّ السادس في الملف السوريّ





Tags: محرر