د. عمر شعار: أفكار مستوحاة من التجربة السورية ( 1936- 1946 ) ..حول ممكنات وأفاق الحل السياسي

د. عمر شعار: كلنا شركاء

   يبين الصراع الدائر حاليا في سورية المستمر منذ عام 2011 أن سورية انفردت عن شقيقاتها ( تونس وليبيا ومصر ) بالاستعصاء  وانسداد الحل السياسي فالصراع في سورية لم يحسم وفق النموذج التونسي الذي انتهى بمغادرة زين العابدين وانتقال البلاد الى مرحلة انتقالية  امتدت لسنتين مهدت لقيام نظام  ديمقراطي تعددي . ولم يحسم وفق النموذج الليبي حيث ترافق الصراع المسلح بتدخل عسكري أجنبي مباشر أدى لتصفية القذافي جسديا ،  كما لم يحدث في سورية النموذج المصري المتجسد بانقلاب الجيش وتسلمه السلطة .

أنا لا أود أن أعالج أسباب عدم نجاح أحد الخيارات الثلاثة  التي أشرت اليها ( التونسي والليبي والمصري ) في سورية  فهذا ليس هدف هذه الدراسة وإنما أريد أن أتوقف عند تجربة خاضها الشعب السوري في نضاله  ضد الانتداب الفرنسي في سبيل الاستقلال والسيادة الوطنية واقامة النظام المدني الديمقراطي التعددي علها تساعدنا في الوصول إلى ممكنات وأفاق الحل السياسي في سورية .

  صحيح كما يقال بأن التاريخ لا يعيد نفسه ولكن لو رجعنا قليلا إلى تاريخ سورية الحديث وتحديدا إلى فترة ( 1936-1946 ) عندما كانت خاضعة لنظام  الانتداب الفرنسي  نرى أنه كانت أمام الشعب السوري نفس المهام الراهنة التي تبرز أمامه وهي تحقيق السيادة الوطنية واقامة النظام المدني الديموقراطي التعددي . ففي هذه المرحلة مرت سورية بثلاث مراحل انتقالية وفرت الظروف الملائمة للشعب السوري  لانجاز مهمات الاستقلال والجلاء واقامة النظام المدني الديمقراطي التعددي وهي المرحلة الممتدة من عام 1936- الى عام1940 جرى خلالها ابرام معاهدة 1936 بين وفد الكتلة الوطنية بزعامة هاشم الاتاسي وحكومة الوحدة الشعبية الفرنسية  اعترفت فيها حكومة ليون بلوم الفرنسية بوقف العمل بنظام الانتداب الفرنسي  المفروض على سورية   بموجب قرار صادر عن عصبة الامم في عام 1920  . ولكن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية  انقلبت حكومة فيشي الموالية لالمانية في عام 1940 على معاهدة 1936 وعادت الى نظام الادارة المباشرة . في عام 1941 اجتاحت قوات فرنسا الحرة والقوات البريطانية سورية  حيث اعترف الجنرال كاترو في بيانه للشعب السوري بحقه بالاستقلال والسيادة الوطنية .

المرحلة الثالثة تتمثل بدأت بالانتخابات البرلمانية والرئاسية في عام 1943 التي أدت لقيام النظام المدني الديمقراطي التعددي في البلاد وانتهت  بجلاء القوات الاجنبية عن سورية في نيسان 1946 .

لو تمعنا في المراحل الثلاث ( 1936 – 1940 ) و ( 1941 – 1943 ) و ( 1943 – 1946 ) نرى أنه باستثناء عامي 1940-1941 كان الشعب السوري يتمتع بحقوقه المدنية وكان يمارس بحرية العمل السياسي حيث شهدت البلاد حراكا سياسيا علنيا المتمثل في نشاط الاحزاب السياسية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني مما ساهم في تشكيل نخبة وطنية ذات وعي سياسي مدني عالي المسؤولية تحمل هم الوطن بكل مكوناته الاثنية والدينية وتتبني رؤية حضارية لمستقبل تطور البلاد قائمة على تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تعددية . وقد تمثلت هذه النخبة الوطنية بقيادة الكتلة الوطنية التي قادت الحراك السياسي في البلاد بمهارة وجدارة واستطاعت ان توحد الشعب السوري تحت برنامجها وكسبت الانتخابات البرلمانية والرئاسية حيث جرت على اثرها عملية انتقال السلطة بسهولة وبدون صعوبات تذكر وبذلك استطاعت ان تحقق مهمتي الاستقلال والانتقال الى النظام المدني الديمقراطي التعددي وأعتقد أن الشعب السوري قادر الان أن يعيد مأثرته التي حققها في مرحلة ( 1936-1946 )وأن يتغلب على الاستعصاء الراهن وانسداد افق الحل السياسي فيما لو توفرت له مرحلة انتقالية تتحق فيها الشروط التالية : 

1 تمتع الشعب السوري بكامل الحقوق المدنية وحرية العمل السياسي

2- اطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين والكشف عن مصير المفقودين

3- عودة كافة المهجرين واللاجئين الى بيوتهم   

4- اجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية التي تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات كحد أقصى تحت اشراف الامم المتحدة

5- تقود سورية في المرحلة الانتقالية هيئة مؤقتة تتمتع بكامل الصلاحيات يعينها مجلس الامن بقرار ملزم تحت البند السابع تتألف من ممثلي الدول الخمس الكبار وممثل عن الاتحاد الاوروبي وممثل عن الجامعة العربية  بالاضافة لممثل للنظام وممثل للمعارضة يترأسها ممثل للأمين العام للأمم المتحدة.

قد يبدو من البند الخامس بأنني أدعو لوضع سورية في المرحلة الانتقالية تحت الوصاية الدولية المتمثلة بمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وهذا صحيح ولا أرى خيارا أخر . لأن النظام الاسدي كما بينت الفترة السنوات الست الماضية لن يسمح للشعب السوري بأن يمارس حقوقه المدنية وفقط الوصاية الدولية ستؤمن له ذلك مما سيسمح لتوفير الظروف الملائمة لتشكيل نخبة سياسية جديدة تقود البلاد في المرحلة التي ستعقب المرحلة الانتقالية تنتهي باجراء برلمانية ورئاسية وهذا ما جرى في سورية في المرحلة الممتدة من عام 1936-1946 حيث كانت قوى الانتداب الاجنبية المتمثلة بحكومة فرنسا الحرة  والحكومة البريطانية تتبنى مشروع التطور على المسار الديمقراطي لمستعمراتها وضمن هذا السياق يبرز هنا التساؤل التالي : هل بمستطاع ايران وروسيا اللتان تتحكمان الان بالملف السوري أن تلعبا نفس الدور الذي لعبتاه سابقا فرنسا وبريطانيا ؟ أعتقد أن الاجابة ستكون سلبية لأن ايران تريد أن تكون سورية ضمن دائرة نفوذها في الشرق و لذلك تطمح لتنصيب حكومة في سورية تخضع لسلطة ولاية الفقيه ،  أما روسيا فليس لديها مشروعا واضحا لطبيعة الدولة السورية ولكنها تميل لمشروع الدولة التوليتارية (( العلمانية )) . ضمن هذه المعطيات  أتصور أنه مع وجود ممثلي القوى الدولية الاخرى الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وبريطانيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة في الهيئة الانتقالية يمكن أن تتشكل حالة من التوازن حول سورية تسمح بتوفير الظروف الملائمة لتكرار تجربة (1936- 1946 ). وهنا تبرز مسألة بقاء بشار الاسد في المرحلة التمهيدية أو الانتقالية ومشاركته في الانتخابات الرئاسية . أتصور أن هذه المسألة مرتبطة عضويا  بوضعية ودور أجهزة النظام الامنية في المرحلة الانتقالية فإذا قامت الهيئة الانتقالية بإعادة تشكيل الاجهزة الامنية  في جهاز واحد وأخضعته لسلطة الهيئة الانتقالية كشرط أساسي لايمكن بدونه أن يتمتع الشعب السوري بحقوقه المدنية وحرية العمل السياسي فإن بشار الاسد هو نفسه لن يرغب بالبقاء في منصب رئاسي بدون صلاحيات وبدون أجهزته الامنية التي يعتمد عليها في تنفيذ سياسته وبالتالي لن يترشح هو نفسه لمنصب الرئاسة لأن الظروف العامة في البلد ستتغير ليس لصالح العائلة الاسدية . أما إذا لم يعاد النظر بوضعية وتركيب الاجهزة الامنية فستفشل المرحلة الانتقالية لأن  استمرارية هيمنة الاجهزة الامنية الراهنة يعني قبل كل شيء استمرارسيطرة  النظام الديكتاتوري الشمولي في البلاد كما أن اجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مع  ظل هيمنة الاجهزة الامنية الراهنة يعني ايضا استمرارسيطرة  النظام الديكتاتوري الشمولي .