on
د. كمال اللبواني: سوريا إلى أين … وما العمل ؟
د. كمال اللبواني: كلنا شركاء
عند كل مصيبة دهماء يسألونا إلى أين تسير الأمور ؟ وما العمل وما هي الحلول ؟ فواجب السياسيين البحث عن الصيغ الأنسب للعقد والفعل الاجتماعي ، طالما أن السياسة هي تعبير عن هذا العقد، وإدارة لهذا الفعل ، والتي ( أي السياسة ) يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الظروف والأحوال التي نعيشها وتقرأها قراءة صحيحة .
وبناء عليه وبسبب ما آلت إليه الأمور من كوارث وطنية ليس آخرها ما جرى في حلب ، أرى بحسب خبرتي واطلاعي وثقافتي أن الوضع الحالي الكارثي الرهيب يتطلب العمل وفقا لمبادئ محددة تشكل صيغة عامة جامعة للعمل الوطني ، يجب أن تصدر على شكل إعلان دستوري متوافق عليه بشكل واسع ، لأن المشكلة ليست محصورة في صعيد التخطيط أو الرأي والفكر ، بل هي قبل ذلك في صعيد آخر ، أقصد غياب القدرة على العمل المشترك ، فغياب (العامل الفاعل) هي المشكلة التي تسبق نقص الوعي وسوء التخطيط ، ولكي ننخرط كسوريين ضمن مشروع عمل وفعل وطني ، نحتاج أولا للتوافق على صيغة سياسية جامعة توحد جهودنا ، تنظم حالة الفوضى والانقسامات الهائلة التي تعصف بالمعارضة ، لكن إذا فشلنا في ذلك (وهذا هو المتوقع ) … فسوف يعني أن سوريا دولة فاشلة و شعبها أيضا شعب فاشل ولا يريد العيش المشترك . والمسألة عندها لن تكون احتلال حلب بل تحرير شهادة وفاة لسوريا كلها .
سنورد هنا مختصر هذه المبادئ التي يجب أن يتضمنها الإعلان الدستوري الذي نقترح :
{ يشن النظام السوري بالتعاون مع مرتزقة وميليشيات وجيوش أجنبية حرب إبادة وتدمير وتهجير وتغيير ديموغرافي ضد الشعب السوري ، ويرتكب كل أنواع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ، ويستخدم كل وسائل القوة والهمجية وكافة صنوف الأسلحة بما فيها المحرمة دوليا … وعليه فإن النظام السوري قد أصبح بسبب أفعاله الجرمية بحق شعبه فاقدا للأهلية والشرعية التي تجعله ممثلا لسوريا بعد أن تحول قاتلا للشعب السوري ومدمرا للمدن السورية .
ونظرا لعجز المعارضة عن تشكيل سلطة وطنية بديلة على الأرض ، وانتشار الفوضى والجريمة والإرهاب والسلطات الغير شرعية، والتغييب التام للحقوق والعدالة وللحد الأدنى من شروط العيش الكريم الآمن الحر في كامل المناطق السورية ، لذلك تعتبر سوريا دولة فاشلة بامتياز (على كامل أراضيها المعترف بها في الأمم المتحدة )، ويعتبر الشعب السوري شعبا منكوبا فقد قدرته على انتاج ممثليه الشرعيين وتعبيراته السياسية واقامة سلطاته الشرعية .
ولكون النظام السوري قد استعان بشكل متزايد بالدول الأجنبية فقد أصبح رهينة بيد جيوش الاحتلال التي لم يكن يقدر له البقاء لولا استدعاءها للمشاركة في همجيته تجاه الشعب والمدنية والإنسان … وعليه تعتبر كل الاتفاقات التي أبرمها باطلة ، و ويعتبر الوجود الأجنبي في سوريا عبارة عن احتلال همجي … وتعتبر سوريا دولة تحت الاحتلال.
ونظرا لاستمرار محاولات سرقة تمثيل وقرار الشعب السوري ، واختطاف ارادته بعد تدمير وسائل عيشه وتشريده ، مستكملا جريمة الإبادة معنويا وماديا ، بالاعتماد على مجموعة انتهازيين مرتزقة فاسدين اختيروا من قبل الأجنبي لتمثيله والتفاوض باسمه من دون استشارته ، ونظرا لتزايد ظاهرة التسلط وأمارة الحرب ، وسيطرة ميليشيات طائفية وقومية غير وطنية وانتشار الارتزاق السياسي والعسكري بدل الإلتزام الوطني، يفقد كل مدعي مهما كان نظاما أو معارضة شرعيته لتمثيل الشعب السوري المنكوب والمشرد ، ويصبح تمثيل هذا الشعب بشكل شرعي (ممكنا فقط ) بعد تحرير أرضه من الإحتلالات والسلطات المجرمة ، وعودته للعيش بأمان وحرية على أرضه بكامل مكوناته وتنوعاته ، ثم تنظيم انتخابات وطنية حرة باشراف دولي … (هذه هي الطريقة الوحيدة للحل واستعادة الشرعية و انتاج الحياة السياسية ) … ونظرا لتعذر ذلك قبل التحرير والعودة لذلك يتوجب على قوى الشعب في هذه المرحلة المعقدة والخطيرة أن تشكل جبهة لتحرير سوريا تنحصر بهذه المهمة العسكرية وتصب كل الجهود فيها ، ويصبح التحرير هو الشرعية الوحيدة التي يعترف بها السوريون .
كل قوى الثورة والمقاومة والتحرير لا يحق لها منفردة أو مجتمعة تقرير مصير سوريا ولا تحديد شكل نظامها السياسي القادم ، بل تنحصر مهتمها في تحرير سوريا وتمكين شعبها من تحقيق إرادته بحرية ، وتحتفظ بحقها بالتحول لقوى سياسية بعد التحرير لتشارك مع غيرها في الحياة السياسية ضمن القواعد الديموقراطية .
جبهة تحرير سوريا يجب أن تكون جبهة وطنية عريضة مفتوحة للجميع ، غير طائفية وغير آيديولوجية وغير مؤهلة للتفاوض حول مصير سوريا أرضا وشعبا ودولة ، ولا حول شكل نظام الحكم القادم فيها ، لها مهمة عسكرية سابقة لكل هذا وهي تحرير الأرض السورية من الاحتلالات والسماح بعودة المجتمع بكامل مكوناته للحياة الآمنة ، ليباشر حياته التمثيلية وينتج شرعيته وسلطاته ويحقق إرادته الحرة دون اكراه أو تزييف…
كافة أشكال المقاومة السلمية والعسكرية شرعية بموجب القانون الدولي ، وبموجب حق تقرير المصير وحق الدفاع المشروع عن النفس ضد همجية عدوانية مدعومة خارجيا ، تعمل على تعطيل كامل نظام العدالة المحلي والدولي بالفيتو والغطرسة العسكرية. خاصة بعد أن يئس الشعب السوري من قيام المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه ما يتعرض له من جرائم وحشية.
للسوريين الموجودين على الأرض السورية (أو المهجرين خارجها) كامل الحق في التعاون والعمل والقتال لتحرير بلادهم ، وجمع المال وتقديم الإمداد اللازم للمقاومة في الداخل بما فيها الإمداد العسكري والبشري … وهذا أيضا بموجب القانون ومنظومات الحقوق الدولية للأفراد والمجموعات والشعوب ، على أن ينظم ذلك تحت خيمة جبهة التحرير السورية التي يجب أن تطلب الإعتراف بها (بصفاتها تلك ) من قبل الدول الصديقة والشقيقة ليتسنى لها العمل من خلال النظم والقوانين المعمول بها في تلك الدول .
على أن تنحصر عمليات التمويل والامداد بها وعن طريقها بشرط أن تبقى تحت الرقابة الوطنية الصارمة ، وأن يعتبر أي تمويل وامداد خارج إطارها تدخل خارجي مشبوه ، وتخريبي هادف لتوظيف مرتزقة على حساب القضية الوطنية }
( انتهى النص المقترح )
نقول مجددا أنه من دون التوافق على صيغة جامعة هدفها التحرير والحرية ستبقى القضية السورية رهنا بالظروف وبتدخلات الدول ، وسيبقى شعبنا بعيدا عن تقرير مصيره ، لغياب العمل الوطني المشترك بين مكوناته وقواه . و سينحصر عملنا كسياسيين متفرقين مع الدول المتدخلة لانقاذ ما يمكن انقاذه … هذا هو الاستنتاج الذي كنت قد وصلت إليه منذ أربع سنوات تقريبا ، حيث أدركت أننا كسوريين لا نريد العمل أو حتى العيش معا ، ونبحث عما يفرقنا وليس ما يجمعنا … نترك أعداءنا ونتصارع مع أقرب الناس إلينا حتى في الحي الواحد والعشيرة كمجتمع أهلي ، وفي الهيئة الواحدة كمجتمع مدني … فثقافة التكالب والتناحر التي زرعها النظام المستبد الطائفي الفاسد على مدار خمسين عاما قد نجحت في تبديد كل شعور وقيمة وطنية ، وكل امكانية للتشارك والعمل الجماعي.
نحن نجهل الحقيقة التي تقول أنه لا وطن وحقوق من دون دولة وسلطة ترعاها ، ولا دولة من دون سياسة ، ولا سياسة من دون شراكة وتوافقات مجتمعية وعمل مشترك … وبغياب كل ذلك نحن مجرد شتات كنا نسكن معا في سجن كبير اسمه سوريا الأسد ، التي صنعها له الاستعمار الفرنسي ، وقد انهار ذلك السجن بسلاح السجان الذي أراد سحق المسجونين الساعين نحو الحرية ، فكانت حريتهم هي خسارة وطنهم .
الجميع كما شاهدت يقدّم الأيديولوجيا على الوطن وبالتالي يضحي بالوطن مقابلها ، مع أنها في معظمها كاذبة ومزاودة ، ليس فقط النظام من يدمر المدن والبلدات من أجل البقاء في السلطة … بل معه كل من يتوهم أن الأيديولوجيا سيكون لها قيمة من دون وطن ، ويهمل القضية الوطنية ويبيعها بتراب الدراهم من أجل نصر حزبي أو حصول على مكانة ومنصب سياسي فردي …
نعم لقد ضيع السوريون بلدهم بسبب جهلهم بالسياسة وضرورتها ، وبسبب انقسامهم وتحزبهم وتعصبهم وصراعاتهم وتنافساتهم غير الشريفة ، أي بسبب ضعف الشعور الوطني بل غيابه خاصة عند النظام المجرم وموظفي الدولة ومستخدميها الذين يُستخدمون بعكس القسم الذي أدوه، وأخص منهم الجيش والأمن … الذي تحول لجيش النظام والشخص والطائفة وليس جيش الوطن ، دون أن ننسى نزاعات السياسيين وخلافاتهم التافهة ، ولا أن ننسى تغيّب الحس الوطني عند الإسلاميين الذين يرون في إخوانهم بالوطن كفارا يجب قتالهم إذا لم يخضعوا لإمارتهم …. ولا أن نتجاهل تغليب الانتماء الطائفي والعنصري على حساب الوطني عند كل الأقليات التي ترى وجودها كامتداد لجيوش الاحتلال الأجنبي .
سوريا الآن في حالة موت سريري ، استعادتها لتكون وطنا يتطلب ليس المفاوضات أو التسويات بين الإسلاميين والنظام ، أو الروس والأمريكان . بل الشعور بضرورة الوطن ، وتغليب مصلحته على المصالح الضيقة … فإذا لم نجتمع سياسيا على تحريره من الغزاة وأمراء الحرب وعلى اعادة المهجرين ، وإقامة العدالة بحق المجرمين فلن نجتمع أبدا … وسترسم قوى الاحتلال والدول المتدخلة فيما بينها بالتعاون مع وكلائها الحزبيين والطائفيين حدود الدول الجديدة التي ستقيمها مكان سوريا التي كانت سجنا يحكمه الأسد وتهدم ، ليقام على أنقاضه مجموعة سجون متعددة تحكمها حيوانات مفترسة أخرى جديدة، بحيث لا تختلف عن سوريا الأسد إلا بالحجم . فهل نستدرك قبل فوات الأوان أم نقول فالج لا تعالج …
{ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ } (سورة هود 78)
اقرأ:
د. كمال اللبواني: ماذا بعد خسارة حلب ؟