Archived: د.أحمد برقاوي: الثورة السورية.. ما وراء الوقائع

د. أحمد برقاوي: كلنا شركاء

لم تعد أسباب الثورة السورية و الشروط التي فجرتها بخافية على أحد ، وها نحن الآن و منذ سنوات خمس ونيف نعيش في قلب تاريخها الذي مازال ينتج ذاته على أنحاء مختلفة ، نعيش وقائع كان بعضها في الحسبان ، وبعضها الآخر لم يكن . و ليس من الحكمة بمكان أن نقف عند هذه الوقائع دون نظرٍ فيما ورائها لالتقاط مآلاتها الممكنة و تبيان  مساحة الحقل الذي تكون فيه الإرادة قادرة على الفعل . 

دعوني أحدد جملة الوقائع التي نشأت  و تعيش الآن بوصفها محددة لما هو آت و الكشف  عما سميته “الماوراء ” 

أولاً : انهيار السلطة المركزية : 

يشكل انهيار السلطة المركزية واقعة  لم تخطر على بال السلطة ذاتها . وهذا يعني تحولات في النظام السياسي بما يتوافق مع فقدانه سلطته المركزية . هذه الواقعة وقد ترافقت مع ظهور سلطات  هي الأخرى  ليست بمركزية  حصلنا على تعدد السلطات ذات السيادة المادية والروحية والأيديولوجية ، وبالتالي حصلنا على تعدد في السيادة ، وتعدد السيادة يعني انهيار مفهوم الدولة . و في مساحة جغرافية و سكانية اسمها سورية لم يعد هناك سلطة تحتكر القوة ،تحتكر القانون والتشريع ، تحتكر التمثيل تحتكر الحق في اتخاذ القرار . 

تولد هذه الواقعة مساراً جديداً للثورة ذَا تعقيد شديد : فإذا كانت الثورة في انطلاقتها قد طرحت تغيير النظام السياسي في سوريا كما هي آنذاك ، فإن مهمة الثورة الآن ، وقد زالت ” سوريا آنذاك” إنتاج الدولة السورية في واقعة تعدد السلطة و التفكير بمركزية ما ، إذ لا وجود لدولة بلا مركزية ما . 

ثانياً : انهيار وحدة السوق الإقتصادية : 

وهذه واقعة نتجت بالضرورة من تعدد السلط  في ظل الصراع المسلح الذي من شيمته بالأصل تقليص حجم السوق ، تقليص حجم السوق في حالة تنوع السلطات و درجة هيمنتها يطيح بالإقتصاد بوصفه عامل توحيد اجتماعي ، ويحول الإقتصاد إلى عامل استقلال نسبي قد يتطور مع إطالة الحال الى استقلال نسبي إلى حال استقلال تابع لاقتصاديات الدول المجاورة ، و لا يحسبن أحدٌ بأن تحطم وحدة السوق بأقل خطورة من تحطم السلطة المركزية ، لان السوق يوحد المصالح وتلبية الحاجات ، وفقدانه زمناً طويلا يطيح بوحدة المصالح هذه . 

ثالثاً : الشروخ الإجتماعية : 

تبرز واقعة الشروخ الإجتماعية الآن بوصفها واحدة من الوقائع التي تحتاج إلى خيال مبدع أو قل واقعية عقلية مبدعة لإيجاد حل لها . 

هناك الآن في سوريا شرخان أساسيان شرخ طائفي نشأ في مرحلة ما قبل الثورة وظل مستتراً غير معبر عنه ،و ظهر الآن بصورته العملية والقولية أقصد الشرخ بين السنة والعلوية . إذ تطورت سيرورة الثورة و سيرورة مواجهتها إلى ظهور الصراع في صورة عصبيتين : عصبية النظام العلوية بالأساس ، وعصبية الثورة السنية . و تمت المواجهة المسلحة  بين هاتين العصبيتين أساساً ، بل إن انخراط شيعة حزب الله والعراق و إيران وأفغانستان و انخراط سنة من دول إسلامية في الصراع قد أكد هاتين العصبيتين كعصبيتين متناقضتين ، وانهيار الجيش السوري بسبب  دخوله طرفاً في الصراع وانشقاق آلاف السنة عنه ، ترك البلاد في ورطة طائفية مسلحة تطرح أمام الثورة مسألة العلاقة المعشرية القادمة واجتراح حلٍ تاريخي ، فالبنية النفسية الثأرية وبخاصة في المجتمعات الفلاحية تضع فكرة العيش المشترك بين قوسين . 

أما الشرخ الثاني فهو الشرخ بين الكردي و  العربي- السني. وهو شرخ ذو جذور في الوعي الكردي شمال شرق سورية . فالثورة و مواجهتها من قبل النظام  و قد حطمتا السلطة المركزية واحتكار القوة  كما أشرنا فإن هذا قد مهد السبيل أمام بروز السلطة الكردية و صورة من صور سيادتها في الشمال الذي هو بالأساس وسط سكاني مختلط . وهو شرخ ازداد في الآونة الأخيرة بوجود جسم كردي سياسي – عسكري ذي علاقات مع قوى عالمية فاعلة في المسألة السورية باستقلال عن الجسد العربي السوري . 

وهكذا فإن واقعة الشرخين الطائفي والقومي من الوقائع التي تطرح على النخبة السورية الثورية  ذات الإنتماء الوطني  سؤال العلاقة بين الدولة والمجتمع مرة أخرى دون استحياء من الوقائع الموضوعية . 

رابعاً : القوى الإسلامية : 

ينظر إلى واقعة  القوى الإسلامية  السياسية المقاتلة  على اختلاف مشاربها اليوم من زاويتين :  أولا من زاوية السؤال حول مستقبل سوريا السياسي والإجتماعي والروحي ، و ثانياً من زاوية الدور الذي تقوم به في مواجهة بقايا السلطة المركزية و ميليشياتها .

أما من الزاوية الأولى ، فإن أغلبية سنية مدينية شكلت العمود الفقري للإقتصاد السوري الحديث و التنوير الفكري والسياسي و جميع عرب سوريا من مسيحيين و علويين واسماعيليين ودروز لا يتخيلون حكماً سياسياً دينياً إسلامياً على أنقاض بنية السلطة السابقة . و تجربة سلطة القوى الدينية في مناطق نفوذها تجربة تؤكد استحالة تحول هذه التجربة واقعياً  إلى تجربة كلية . لكن الأيديولوجيا التي تقف وراء القوى الأسلامية والصراع الذي تخوضه الآن لا يمكن أن ينفصل عن فكرة الحكم ، وهنا تظهر المعضلة . فكل حركة سياسية ، كما يقال ، إنما تطمح للحكم . وبالتالي فإن واقعة وجود الحركات الإسلامية كجزء من قوى الصراع شيء و مستقبل الحكم في سوريا شيء آخر . 

ولهذا فالسؤال الذي يجب أن يخضع لحوار ونقاش جديين ليس هو هل سيحكم الإسلاميون أو لا يحكمون ، بل كيف يتحول الإسلاميون إلى قوة سياسية في دولة ليست دينية ، بل ديمقراطية على الغرار التركي والتونسي ؟ ولا شك أنني لا أتحدث هنا عن قوى إسلامية رديكالية جداً تطمح لإعادة الماضي كما هو الأمر مع داعش والقاعدة .

أما الزاوية الثانية : فإن اندراج الحركات  الإسلامية في المواجهة مع السلطة و ميليشياتها جزء من عملية  تحقيق معقولية التاريخ التي ستجد نفسها ، أي هذه المعقولية ، في صراع مع القوى الإسلامية إذا لم تخضع  للمعقولية التاريخية . وهذا يعني إن التناقض و الإختلاف  يجب أن لا يعبر عن نفسه عملياً في المرحلة  الانتقالية ، بل يجب تركه الى مرحلة الصراع السلمي على تحديد شكل الدولة ونظامها السياسي. 

خامساً : في التناقض بين الإرادة السورية الوطنية والدول الفاعلة في المسألة السورية : 

هذه واقعة خطيرة جداً ، يمكن أن أعبر عنها كما عبر عنها الفلسطينيون  بمسألة  “القرار السوري المستقل” . 

إذ يجب الإعتراف أنه في هذه المرحلة من الثورة أن  ليس هناك قرار وطني سوري مستقل ، بل وليس لدى سلطة دمشق قرار سلطوي مستقل . لكن  هناك فرق بين قوى تسعى لان تحوز على استقلال قرارها بسبب سلب هذا القرار من قوى  عربية و عالمية  داعمة لها ، ونظام لا يجد ذاته إلا بفقدان قراره المستقل من إيران و روسيا وتطابقه معهما . 

ليس هناك خطر  على سوريا الآن يفوق خطر غياب القرار السوري المستقل ، وآية ذلك إن سورية بالأساس تخوض معركة مصير ، فَأَنَّى لمعركة مصير أن تحقق أهدافها دون الحق في تقرير المصير ، وفكرة الحق في تقرير المصير تتطلب قراراً وطنياً مستقلاً يحقق الترابط بين الوطني والدعم الخارجي الذي يخدم فكرة تقرير المصير .   

و التفكير سورياً بالمصير دون وعي هذه الوقائع و ما وراء هذه الوقائع أمر سيولد حتماً أخطاء في الممارسة العملية يزيد من الزمن الضروري في انتاج الدولة السورية المنشودة ، ويعقد من مسارها ، ويلقي أعباء ثقيلة على الإرادة . 





Tags: د. أحمد برقاوي