معقل زهور عدي: آفاق الوحدة العربية – نظرة للمستقبل

معقل زهور عدي: كلنا شركاء

مازالت ذكرى الوحدة بين سورية ومصر عام 1958 تثير الكثير من الشجون والجدل أيضا , لن أعود للماضي لأقف على الأطلال , ولن أدخل في جدال حول جدوى تلك الوحدة , وفيما اذا كانت حقا قابلة للبقاء أم أن وفاتها ارتسمت بذات توقيت ولادتها .

ما سأحاول وضعه على طاولة التفكير هو السؤال الآخر والذي هو برسم المستقبل : ماهي آفاق الوحدة العربية ؟

ربما تبدو مثل تلك المحاولة شطحة فكرية خارجة عن الواقع الأليم الذي نعيشه كشطحات المتصوفة , لكن حالة التشاؤم السوداء التي ترخي بظلالها على المشهد العربي والسوري خاصة , توحي بضرورة التمرد والخروج نحو شيء من أنوار المستقبل الذي لن ننفك نأمله في ايام قادمة  مهما طال الانتظار.

هل للوحدة العربية مستقبل ؟

ان كان للواقع الحالي أن يجيب فستكون اجابته سريعة وقاطعة أن لامستقبل للوحدة العربية .

فالشعب العربي الذي نذر نفسه لقضية الوحدة باخلاص عز نظيره وأعني به الشعب السوري يجد نفسه اليوم معزولا ومخذولا من أقرب أشقائه العرب , بل يجد أن الانسانية التي تجمعه مع كندا أو السويد أو المانيا أهم وأكثر فعالية من العروبة التي تجمعه مع أقرب الأشقاء اليه مثل لبنان أو مصر في زمن الكارثة الرهيبة التي يعيشها .

فاذا كانت العروبة قد سقطت في الامتحان في أشد الأوقات العصيبة حاجة اليها فماهو معنى استعادة الايمان بها ؟

لكن المسألة ليست فقط ذات وجه واحد , فالهوية العربية – الاسلامية موجودة بمعزل عن مدى فعاليتها السياسية في هذه الحقبة أو تلك .

وهي تستند الى معطيات ذات جذور عميقة في التاريخ واللغة والاجتماع وليس أدل على ذلك من الموسيقى العربية التي تتشابه من أقصى المشرق لأقصى المغرب .

لست أريد الخوض هنا في مسألة الأمة أو القومية فهي مصطلحات ملتبسة تمت تعبئتها ايديولوجيا , وشحنت بالعواطف فوق طاقتها في كثير من الأحيان .

ما أريد التركيز عليه هو وجود كيانية مستقلة عن الوعي السياسي , كيانية ثقافية – تاريخية تميز الكتلة العربية عن غيرها .

كان يمكن لتلك الكيانية أن تنتج دولة واحدة أو تنتج أشكالا متعددة من الاتحاد , ومثالنا هنا هو الاتحاد الأوربي .

بالتأكيد فان اللحظة التاريخية لانتاج دولة واحدة قد انتهت منذ زمن بعيد , وعلى النقيض من ذلك فقد تأسست روابط قطرية  ضمن الدول العربية الناشئة أنتجت هويات قطرية ترسخت مع الزمن الى حد كبير .

لم يعد مجديا بناء الهوية العربية الجامعة أو اعادة بنائها كهوية دولة على أنقاض الهويات القطرية كما كان يحلم القوميون العرب في الخمسينات والستينات , لكن مايستحق الانتباه والوقوف عنده هوتمزق الدول القطرية .

يعلمنا التاريخ أن مايجري في بلاد الشام ينتقل الى العراق ومصر وشبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا العربي .

الدولة القطرية السورية اليوم في امتحان عسير , وان تمكن تنظيم الدولة المتطرف من الغاء الحدود بين سورية والعراق , فلا يعني ذلك أنه وحده من يستطيع ذلك أو يفكر فيه , فهناك عوامل تاريخية عميقة تدفع بذات الاتجاه , كما أن انتقال حزب الله الى سوريا لحماية النظام السوري بعد أن كان الجيش السوري في لبنان يعني أن الحدود السورية اللبنانية لا تشكل حاجزا نهائيا بين البلدين فهي حدود تتأرجح بين الحياة والموت .

وفي سورية ذاتها أسفرت الحرب عن توجيه ضربة  عميقة للهوية السورية بعد أن اكتشف السوريون أن بعضهم مستعد لقتال البعض الآخر حتى الموت والفناء دون أية رحمة لمجرد الصراع على السلطة السياسية .

تنشر مراكز البحث الغربية بين الحين والآخر خرائط جديدة للمنطقة , ونسمع من أكثر من مسؤول غربي حديثا عن أن سورية لن تعود بحدودها القديمة , وسواء كان ذلك مجرد تكهنات , أو رغبات ذاتية , أو كان خططا موضوعة بعناية وتصميم يتم اخراجها بالتدريج , أو حتى استقراء موضوعيا لحال المنطقة ومآل الصراعات فيها , فالنتيجة واحدة وهي أن الثقة بالدول والحدود  الراهنة أصبحت موضع نظر .

فهل ذلك ينطبق على سورية وحدها ؟

بالتأكيد لا , وأول المعنيين بنزع الثقة عن الحدود الراهنة بعد سورية هو العراق , ثم يأتي لبنان ….والحبل على الجرار ….

يطرح ماسبق سؤالا : مادامت الحدود الراهنة تتأرجح بين الحياة والموت , ومادام مصير الكيانات الصغيرة التي هي مرشحة للخروج من رحم تلك الحدود معلقا في الهواء , بل وهناك شكوك عميقة حول جدواها وامكانيتها للحياة والبقاء , الا يمكن التفكير في كيان فدرالي عربي أوسع يضم مثلا سورية والعراق والأردن ولبنان ؟

لم لا؟

هل الشعوب هي العقبة أمام ذلك ؟

لنأخذ مثلا الأكراد الذين مازالوا مترددين في الانفصال عن العراق لا لشيء سوى لأنهم لايجدون فائدة في ذلك الانفصال , فماذا يضرهم لو احتفظوا بكل مؤسساتهم الكيانية التي تم بناؤها خلال الفترة السابقة وأصبحوا جزءا من دولة فدرالية أو كونفدرالية تتيح لمواطنيها التنقل بحرية والاستثمار في سوق واسعة دون عائق ؟

نحن نعيش لحظة تاريخية انهدمت فيها الحدود القطرية فبدلا من بناء حدود قطرية أكثر ضيقا لاتوحي بالاستقرار ولا تؤمن متطلبات السوق والنمو لماذا لانفكر في حدود أوسع دون المس بالهويات القطرية التي نشأت أو بالهويات الأخرى التي تطمح بالخروج للعلن وانتزاع الاعتراف بها .

لست الوحيد الذي يفكر بذلك , فمنذ زمن طويل عبر نعوم تشومسكي عن تشاؤمه من مصير دول المنطقة التي بنيت حدودها على عجل دون النظر في عوامل التاريخ والجغرافيا ومصالح الشعوب .

لكن ماهو مهم أن نتذكر أن الوحدة القادمة – ان كان لها أن تقوم – لن تكون على العصبية القومية , ولن تكون وحدة من أجل الحروب , لكن ستكون وحدة من أجل الشعوب , شعوب تشترك في ميراث عميق وغني من الثقافة والتاريخ ,  وحدة من أجل السلام والتقدم والنمو , من أجل الانسان , ولن يكون ذلك ممكنا سوى حين تتمكن تلك الشعوب من تقرير مصيرها بنفسها عبر الديمقراطية.





Tags: محرر