on
العميد الركن أحمد رحال: روسية تنسحب سياسياً وعسكرياً وأمريكا تٌصعب عليها الخيارات!!!
العميد الركن أحمد رحال: كلنا شركاء
أصبح من المؤكد أن الضربة العسكرية الصاروخية الأمريكية على قاعدة الشعيرات الجوية ورغم محدودية تأثيرها على قدرات الأسد العسكرية إلا أنها أرست بعضاً من المفاهيم والعناوين التي لا يمكن تجاوزها إضافة لرسائل عدة حملتها صواريخ الـ توماهوك في طياتها وهي تعبر سماء سورية.
الضربة الأمريكية على قاعدة الشعيرات العسكرية كثاني أقوى قاعدة لدى نظام الأسد نٌفذت من قبل المدمرتين الأمريكيتين ” يو إس إس روس” و”يو إس إس بورتر” من مياه البحر المتوسط, وعبرت صواريخها الـ (59) من نوع توماهوك سماء القواعد الروسية الجوية والبحرية في اللاذقية وطرطوس دون أي اعتراض من منظوماتها الجوية “إس300” أو الـ “إس400” الموجودة على البر والبحر في سفنها المنتشرة على الساحل السوري, وبإشارة واضحة وقرار روسي حاسم بعدم خرق قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة الأمريكية لما يمكن أن يؤدي هذا الخرق من احتمال نشوب صراع عسكري قد تدفع موسكو ثمنه غالياً.
وعلى الرغم من محدودية الضربة التي أٌبلغت فيها “موسكو” مٌسبقاً من قبل البنتاغون الأمريكي والتي بدورها قامت بإبلاغ حليفها “الأسد” الذي عجز عن القيام بأي إجراء سوى سحب بعضاً من طائراته إلى قاعدة “التيفور” (على بعد 60 كم من قاعدة الشعيرات) وإبعاد جنوده لخارج أسوار القاعدة فيما استطاعت الصواريخ من تدمير حوالي (20) طائرة حربية تشكل 20% من قدرات الأسد الجوية, إضافة لتدمير محطات الرادار العاملة بالمطار وبطاريات الدفاع الجوي من نوع “سام6” ومستودعات الذخيرة وبرج المراقبة إضافة لخزانات الوقود التي تؤمن عمل طائرات وآليات المطار, مع قرار أمريكي بابعاد الصواريخ قصداً عن المساس بأماكن الإعاشة والإقامة والمستودعات التي يمكن أن تحوي غازات سامة, لكن وبرغم كل تلك المحدودية وبرغم العلم المسبق بالضربة إلا أنها حققت العديد من الأهداف وأوصلت رسائل سياسية مهمة أبرزها:
1- أنها رسالة للداخل الأمريكي تقول أن الساكن الجديد في البيت البيضاوي يمتاز بالقوة وأنه رجل قول وفعل وينفذ الوعود التي أطلقها في حملته الانتخابية وأنه لن يتهاون مع أي خرق يمس بالأمن القومي الأمريكي.
2- الضربة الأمريكية أرست سلوكاً أمريكياً جديداً ينسف كل السياسة الأوبامية السابقة ويمهد لعودة جديدة للقدرات السياسية والعسكرية الأمريكية ليس للساحة السورية فحسب بل لكامل منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.
3- الضربة الأمريكية فضحت وكشفت قدرات روسية العسكرية وضعفها وعدم جرأتها على خرق قواعد الاشتباك أو حتى اعتراض الصواريخ الأمريكية, وأن التصريحات التي كان يرددها القادة الروس من تأمينهم وحمايتهم لسماء الأسد ما هي إلا فقاعات إعلامية وحالة من رفع المعنويات غير قابلة للتطبيق إذا ما تحركت أساطيل واشنطن.
4- رسالة مختصرة لنظام الأسد ومن خلفه إيران من أن الشعب السوري لم تعد دمائه مستباحة ولم تعد مقبولة نهائياً تلك المجازر التي تٌرتكب بحقه, وان أي تطاول مرة أخرى باستخدام السلاح الكيماوي (وحتى البراميل لاحقاً) سيلقى عقاباً أمريكياً على غرار ما حصل في قاعدة الشعيرات.
5- رسالة لروسيا من أن هناك خيارات أخرى يمكن أن تلجأ لها أمريكا وحلفائها إذا ما استمر إغلاق بوابات مجلس الأمن بالفيتو الروسي.
لكن أهم ما يمكن قراءته من نتائج الضربة الأمريكية والمناقشات التي حصلت بعدها في مجلس الأمن أن العزلة على روسيا والتي ظن “بوتين” أنه تخطاها وأن موسكو (كما يقول) قد عادت عاصمة لدولة عظمى يقودها “بوتين” ما هي إلا خرافات وأن الموقف العربي والإقليمي والأوروبي الداعم للضربة الأمريكية أظهرت وبما لا يدع مجالاً للشك أن روسيا ما تزال متخندقة لوحدها مع بعض الدول المارقة أمثال كوريا الشمالية وإيران ونظام الأسد وعصابة حزب الله في لبنان.
القيادة الروسية وبدلاً من إتباع سياسة امتصاص الصفعة الأمريكية ذهبت لتهور جديد من خلال التمرد على القرار الأمريكي, فقام مركز القيادة المشترك في بغداد بإصدار بيان موقع من قبل روسيا وإيران وحزب الله يعتبر الضربة الأمريكية على قاعدة الشعيرات تجاوزاً للخطوط الحمراء, ومهدداً برد تعرفه أمريكا ويقصدون به التفجيرات التي طالت جنود المارينز في بيروت أو التفجيرات التي طالت الجنود الأمريكيين في السعودية في حرب الخليج, لكن مع أول تعليق أمريكي غاضب عادت موسكو لتسحب تهديداتها وتتنكر للبيان ولتخرج وزارة الدفاع الروسية ولجنة الدفاع في مجلس “الدوما” بالانسحاب والإدلاء بتصريحات مفادها أن القدرات العسكرية الروسية في سورية هي لحماية المنشآت العسكرية الروسية فقط وأنها غير معنية بالدفاع عن نظام الأسد إذا ما تعرض لضربات أمريكية وأنها لن تتصدى للصواريخ الأمريكية في السماء السورية بل زادت عليها بانسحابها من مطار حماه العسكري مع تصريح مخجل يقول: سنقوم بإبلاغكم عن أي هجوم أمريكي على المطار وقبل ساعات من الضربة وذلك جل ما يمكن تقديمه.
زيارة وزير الخارجية الأمريكي (الأربعاء) إلى موسكو ستكون زيارة واضحة تحمل في طياتها تهديداً أمريكياً- أوروبياً من أن موسكو عليها الاختيار ما بين الوقوف منفردة لحماية الأسد وبتحالف مع إيران وحزب الله وما بين الوقوف مع المجتمع الدولي ورفع الغطاء عن الأسد الذي قاربت أيامه على النهاية كما قال وزراء خارجية أمريكا وبريطانيا.
ميدانياً وسياسياً ما تزال موسكو تملك القدرة على التحرك والقدرة على المبادرة لكن بشرط التخلص من سياسة الدب القطبي الذي يظن أن البطش ما زال خياراً متاحاً, والمنطق والحكمة تقول أن على موسكو إجراء قراءة متأنية لمفرزات الساحة السياسية والعسكرية الجديدة, وأن على موسكو أن تٌدرك أنها أطاحت بفرص ذهبية امتلكتها مع نهاية عام 2016 وبداية العام الحالي وخصوصاً في أستانا1 لكن رضوخها لرغبات إيران الرافضة لأي خيار سياسي أضاع على موسكو فرصة تصدر المشهد والخروج من مأزق عنق الزجاجة الذي وصلت إليها سياستها نتيجة الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها.
الرئيس الأمريكي “ترامب” بات اليوم يمتلك تفويضاً عالمياً بمواجهة إرهاب الأسد وإرهاب إيران وأي تهديد للسلم العالمي وعلى موسكو أن ترى ذلك جيداً, والرئيس الروسي “بوتين” يٌدرك أن ضربات أمريكية أخرى قادمة سواءاً كانت على قواعد الأسد الجوية في محيط دمشق أو على قاعدة حماه العسكرية, وعلى “بوتين” أن يٌدرك أيضاً أنه لا يملك القدرة على الرد أو مجرد التفكير بتزويد نظام الأسد بأسلحة نوعية من المضادات الجوية لمواجهة صواريخ توماهوك الأمريكية لمعرفته المسبقة أن تلك الخطوة ستجعل من “ترامب” يٌفعل التفويض الذي منحه إياه الكونغرس الأمريكي بإمكانية تزويد المعارضة بمضادات جوية تضع طيران “بوتين” و”الأسد” في كارثة لا يحتملون نتائجها.
أمام هذا الواقع تبرز للعيان حقيقة لا يمكن تجاوزها من أن روسيا فشلت عسكرياً على مدار أكثر من عام ونصف من فرض انتصار أسدي على فصائل الثورة السورية, وفشلت أيضاً سياسياً من عدم قدرتها على إيجاد حل مقنع وعادل يوقف الاقتتال في الساحات السورية في فترة التخلي الأمريكية الأوبامية وتركها الساحة السورية للروس.
المعلومات الواردة من البيت الأبيض وما تسرب عنه يؤكد أن مفهوم الرئيس “ترامب” للإرهاب وللحرب على الإرهاب قد تغير, وأصبح مؤكداً للإدارة الأمريكية الجديدة أن الأسد أضحى جزءاً من الإرهاب في المنطقة, وعندما تقول صحيفة “التايمز” البريطانية أنه على الأسد والمقربين منه العيش بالخنادق فهو مدلول واضح أنه سيلحق بهم جزءاً من الضربات المخصصة على الإرهاب.
أمام تلك المتغيرات وتلك القناعات وتغير السلوك الأمريكي والأوروبي هل تقتنع موسكو بمخاطر تلك التغيرات على سياستها وتقتنع بخطأ خيارها بنصرة الديكتاتور على حساب الشعب وتبادر مع الغرب لتؤسس لحل سياسي حقيقي يطيح برأس الأسد ويمهد لوقف القتال وعودة الاستقرار للمنطقة؟؟؟
أم نكون أمام تعنت روسي أعمى يلبي مطالب إيران والأسد ويزيد من فاتورة الدم السوري ويعمق الشرخ بين موسكو وواشنطن؟؟؟
ننتظر ونرى !!!!
العميد الركن أحمد رحال
محلل عسكري واستراتيجي