د. وليد البني : كيماوي بشار الأسد ورسائل ترامب

د. وليدالبني : كلنا شركاء

شاهد العالم  قبل أيام صور الأطفال والشباب والنساء المختنقين بغازات الأسد وغاراته  , ثم انشغل بالضربة التحذيرية التي وجهها الأمريكيين لنظام طاغية دمشق وما رافقها من سيل من التحليلات حول أهدافها ونتائجها , ليختتم الأسبوع بالتفجيرات الإرهابية التي اعترفت بها داعش  والتي طالت الآمنين المحتفلين بأحد الشعانين في كنيستين مصريتين.

ثلاث حوادث تدل على استفحال الكارثة الني تضرب سوريا والمنطقة وضرورة البدء بالتفكير الجدي في البحث عن حلول واقعية لإنهائها . إن جرأة طاغية دمشق على ضرب أحياء سكنية في مدينة خان شيخون بغاز السارين القاتل  بعد ثلاث سنوات من مجزرة الغوطة الشرقية التي تعامل معها العالم وقتها ببلادة وانعدام مسؤولية غير مسبوقة , حيث اكتفت إدارة أوباما يومها وبالاتفاق من نظام بوتين بسحب السلاح الكيماوي من الأسد مقابل السماح له بمواصلة تدمير سوريا وقتل وتهجير سكانها ببقية ما يملك وداعميه الروس والإيرانيين من الأسلحة التقليدية ,أقول أن هذه الجرأة على الاجرام والقتل لم تكن لتصل الى هذا الحد من البشاعة لولا شعوره بأن لديه ضوء أخضر من القوى الدولية الكبرى يُمكّنه من قمع شعبه وقتله وتشريده إذا لزم الامر من اجل المحافظة على نظامه المافيوي واستمرار بقاءه في السلطة . أعتقد الأسد أن عقوبة استخدام أسلحة الدمار الشامل مرة أخرى لن تتعدى الإدانة وإعادة التفاوض معه ومع حُماته الروس والإيرانيين على سحب ما أخفاه منها , وخاصة بعدما أصبحت سوريا محتلة من قبل الجيش الروسي والميليشيات الإيرانية .

لكن الرد الأمريكي المفاجئ الذي لم يكن في حسبان الروس ولا الإيرانيين وخاصةً بعد تصريحات متكررة من أعضاء في الإدارة الامريكية أكدت ان إزاحة الاسد من السلطة ليست أولوية للولايات المتحدة الامريكية , بل وبعضهم اعتبر وبسذاجة فائقة أنه يمكن الاستفادة منه في الحرب على داعش والنصرة, هذه المفاجئة أدت الى إعادة خلط كاملة للأوراق في سوريا وغيرت من حسابات جميع الدول المتورطة بالملف السوري إقليميا ودولياً.  

اكثر الدول المتأثرة بخلط الأوراق هذا هي بالطبع روسيا وإيران اللتان اعتقدتا أن العالم قد سلم لهما بالهيمنة على سوريا وأن بإمكانهما تقاسم النفوذ على المنطقة العربية  فيما بينهما .

لقد ارادت الإدارة الامريكية من خلال ضربتها العسكرية المحدودة إرسال رسائل الى جهات كثيرة ومتعددة ترسم من خلالها سياستها القادمة المتعلقة بسوريا وهي  :

للروس  : احتكاركم للملف السوري انتهى الى غير رجعة واي حل سياسي للمعضلة السورية يجب ان يتوافق وسياستنا الجديدة.

للإيرانيين: خروجكم من سوريا ووقف محاولتكم لإغراق المنطقة  بالحروب المذهبية وتفتيت مجتمعاتها بقصد الهيمنة عليها يجب ان يتوقف ويجب ان تنسحبوا الى داخل حدودكم.

لبشار الأسد  : نظامك انتهى  وعليك ان تحزم حقائبك وكبار قادة المافيا التي تقودها وترحلوا الى لاهاي لتحاكموا.

ولكن هل تقوى هذه الضربة الوحيدة المحدودة على حمل كل تلك الرسائل وإيصالها بالقوة الكافية وإفهامها للمرسل اليهم دون لبس ؟؟  هذا سيتوقف على مدى جدية ترامب في إيصال تلك الرسائل وانفتاحه على ارسالها مرة أخرى بشكل أوضح لو فشلت هذه الضربة بإيصالها.

بالنسبة لنا كسوريين علينا ان نجيد التعامل مع هذه المتغيرات والتعاطي معها بحرفية ووفق أصول العمل السياسي , بعيدا عن العواطف والحماس الزائد مع او ضد الإنعطافة الجديدة في السياسة الأمريكية ريثما يتبين لنا المدى الذي سيذهب اليه السيد ترامب وادارته في تحدي الاحتلالين الروسي والإيراني لبلادنا وما هي خططه لما بعد الأسد والقضاء على داعش والنصرة , والتفكير في كيفية بناء أسس لعلاقة مع الولايات المتحدة والغرب بشكل عام تقوم على أساس المصالح المتبادلة وليس على أساس التبعية والجري خلف سراب المبارزات الخطابية .

لنضع خططنا لتحرير بلادنا من محتليها وتخليص أنفسنا من جرائم الاستبداد المافيوي الاسدي ودموية الوحش التكفيري  معا , وهي المعركة الصعبة جدا والمعقدة جدا , على أساس أن المتغير في السياسة هو الثابت الوحيد ,  وأن الرابط الأكبر والامتن بين الدول هو المصالح وليس أي شيء آخر.

لنحدد بدقة ومهارة ما نريده  تماما من حلفائنا المحتملين, لنفعل ذلك  بواقعية وعقلانية تامتين بعيدا عن الارتجال والمزاودات السياسية الفارغة, ولنتحالف على أساس ما حددناه بدقة وواقعية,  وبكل إخلاص مع كل من يجد مصلحته في وصولنا الى أهدافنا التي نعتقد أنها حقنا كشعب عريق يتطلع لتحرير طاقاته والمشاركة مع بقية شعوب الأرض في بناء الحضارة الإنسانية .





Tags: سلايد