محمد زاهد غول: جنيف أمريكا أحبط أستانا روسيا

محمد زاهد غول: القدس العربي

تزامنت اجتماعات «جنيف4 « مع مؤتمر «أستانا 3» مع الذكرى السادسة لانطلاق الثورة السورية، مع دخول مذبحة الشعب السوري عامها السابع، وقد أصبحت المواقف الدولية أكثر وضوحا.

أمريكا أعربت عن دعمها الكامل لجهود ديمستورا في «جنيف4»، بينما نظرت باقي الأطراف على أن «جنيف4» أدخل المفاوضات السياسية في متاهة السلال الأربع، التي تحتاج كل سلة منها لسنوات، وكأن أمريكا بتأييدها لدي مستورا وموقفها السلبي من مؤتمر أستانا نوع من الراحة لها وإبعاد الضغط عن نفسها، فهي تؤيد مفاوضات جنيف مهما أخذت من الزمن. بينما وجدت أمريكا بمؤتمر أستانا نوعاً من الراحة لجهودها المتعلقة بمتابعة قضايا وقف إطلاق النار، حيث كانت تتحمل قبل أستانا المباحثات العسكرية والمباحثات السياسية معاً. والاستراتيجية الأمريكية منذ أن تحولت الثورة السورية إلى صراع إقليمي أصبحت عدم وقف القتال في سوريا، إلا بوصول الأطراف المتصارعة إلى قبول مشروع التقسيم، بل وجعلها تنادي بالتقسيم بنفسها حتى تتخلص من القتال والقتل والتدمير والتشريد، وتأكد ذلك من خلال فشل روسيا إلزام أمريكا باتفاق وقف الأعمال العدائية، الذي وقعه كيري وزير الخارجية الأمريكية (السابق) مع لابروف مرتين في 2015 و2016، حتى اعلنت روسيا فقدان ثقتها بالأمريكيين في تنفيذ ما يتم التوصل اليه، لأن البنتاغون لم يكن يوافق على تنفيذ ما يتعهد به وزير الخارجية كيري.

هكذا وجدت أمريكا نفسها تتنفس الصعداء بتحمل أستانا مسؤولية وقف الأعمال القتالية وتثبيت الهدن، وقالت إنها لن تشارك في أستانا إلا بصفة مراقب، مثلها مثل الأردن، بل لن ترسل وفدا وإنما تكتفي بوجود السفير الأمريكي بأستانا، لأنها تركز على مباحثات جنيف وتؤيدها. فمشروع السلال الأربع مشروع له بداية وليست له نهاية، وما تم تسريبه من معلومات عن الجلسات التحضيرية لجنيف5، يدل على ذلك فالعناوين الرئيسية هي، سلة الحكم الانتقالي، وسلة الدستور وسلة الانتخابات، وسلة مكافحة الإرهاب، والعمل جار على مناقشة كل واحد على حدة دون الاتفاق حتى الآن على ترتيب الأولويات، فالاسد يريد أولوية الارهاب، بينما المعارضة تريد سلة الحكم، وبينما طرح مساعد دي مستورا على وفد المعارضة سؤال إمكانية بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، وجاء جوابها بالرفض، لم يجتمع وفد الأسد مع مساعد دي مستورا لبحث هذه المسألة، وفضل الاجتماع مع مستشار وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف، ووفد إيران يتابع مفاوضات جنيف، ومرجعية بشار الجعفري روسيا وإيران قبل بشار الأسد.

لقد تم عرض قضايا هذه السلال الأربع على المعارضة وحكومة الأسد في مؤتمر «جنيف4»، والمطلوب أن تأتي الوفود إلى مؤتمر «جنيف5» وهي تحمل ردودها وافكارها على نقاط السلال، وهذه النقاط هي:

السلة الأولى: الشؤون المتعلقة بالحكم، ومبادئها الأساسية هي متطلبات محددة حول الحكم، كما ورد بقرار مجلس الأمن 2254 ويضمن أن يكون الحكم ذا مصداقية، وشاملاً، وغير طائفي، كما يضمن استمرارية المؤسسات والخدمات العامة، ويضمن حماية حقوق الإنسان، على ان تكون مهام ترتيبات الحكم هي المهام المتعلقة باستمرارية المؤسسات والخدمات العامة أولاً، والتسهيلات المتعلقة بكتابة مسودة الدستور ورقابة الأمم المتحدة على الانتخابات ثانيا، ومهام إضافية تنبثق عما يتفق عليه الطرفان ثالثاً، ومهام أخرى رابعاً.

كما سيتم بحث العناصر الأساسية تتعلق بترتيبات الحكم، ومنها آلية حكم وحيدة أو منفردة، وحكم تتم ممارسته من خلال مؤسسات متعددة، وعضوية ومهام الحكم، وحجم الحكم، ومعايير العضوية في الحكم، ومسألة الاختيار واتخاذ القرار.

أما في مسألة سلطات الحكم، فسيتم بحث مدى السلطات وشموليتها، والاستقلالية في ممارسة السلطات، والعلاقة مع المؤسسات الأخرى، وهي التشريعية أولاً، والقضائية ثانياً، وغيرها.

كما سيناقش «جنيف5» قضايا الممارسات والسياسات والآليات، بما في ذلك ميثاق العمل، الاستمرارية وإصلاح المؤسسات، في الاستمرارية أولاً، والإصلاح ثانياً، والممارسات العملية وميثاق العمل ثالثاً، والسياسات المتفق عليها رابعاً.

كما سيبحث آليات التطبيق بأن تكون قضائية ومستقلة، إضافة لمناقشة آليات الرقابة والتقرير ثانياً، إضافة لبحث التطبيق القانوني لترتيبات الحكم.

والسلة الثانية: مسائل العملية الدستورية وفق المبادئ الأساسية التالية: مبادئ أساسية جوهرية تحكم العملية أولاً، ومبادئ العملية ثانيا بحيث تكون شاملة وقادرة وشفافة وتشاركية، وبحث أنماط العملية الدستورية وفق لجنة الخبراء أولاً، وهيئة معنية وتمثيلية ثانياً، وهيئة منتخبة ثالثاً، والسكرتارية والدعم رابعاً.

كما تبحث السلة الثانية الحوار الوطني في حجمه أولاً، وشكله ثانياً، ومدته ثالثاً، واللجنة التحضيرية رابعاً، والسكرتارية خامسا، والرئاسة سادساً، والنزاعات سابعاً، والنتائج ثامنا.

وفي بند الاستشارات العامة، سيتم بحث استمزاج الرؤى قبل الشروع بالعملية أولاً، واستقبال المساهمات أثناء العملية ثانياً، وتداول ونقاش مسودة الدستور ثالثاً.

وفي المراجعة بعد المشاورات والاستفتاء ستتم مناقشة تقدير نتائج الاستشارات العامة أولاً، وبلورة النسخة الأخيرة والموافقة عليها ثانياً، والاستفتاء ثالثاً. كما ستتم دراسة الجدول الزمني للخطوات المذكورة أعلاه.

والسلة الثالثة هي لبحث المسائل الانتخابية، بدراسة العمليات الاقتراعية، وبحث هل ستكون العملية الاقتراعية استفتاء على دستور جديد أولاً، وبحث تراتبية التحضيرات ثانياً، والجدول الزمني ثالثا، على أن تتم إدارة العملية الاقتراعية في النقاط التالية، في السلطات: المؤسسات وتركيباتها أولاً، وكيفية حل النزاعات الانتخابية ثانياً، ودور حوكمة العملية الانتخابية ثالثاً، على ان يتم التوافق على إشراف الأمم المتحدة في الانتخابات المقبلة. ويناقش «جنيف 5» مسائل الانتخابات الحرة والنزيهة حسب أعلى المعايير الدولية، بمناقشة الإعلانات الدولية والعهود ومواثيق حقوق الانسان بما في ذلك الإعلان العالمي والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مكافحة التمييز ضد المرأة أولاً، والإطار القانوني ثانياً، والنظام الانتخابي ثالثاً، وغيرها، وكذلك مناقشة أهلية كل السوريين للمشاركة، بمن في ذلك السوريون في الشتات، وبحث أهلية المشاركة أولاً، والاقتراع خارج البلد ثانياً، والنازحون ثالثا.

والسلة الرابعة وهي مكافحة الإرهاب وحوكمة الأمن وإجراءات بناء الثقة فسوف تبحث استراتيجية مكافحة الإرهاب وقضايا حوكمة الأمن، إضافةً إلى بناء الثقة المتوسطة والبعيدة المدى، وعمل مقاربة الظروف المولدة لانتشار الإرهاب، عبر الإجراءات السياسية أولاً، وإجراءات تربوية واجتماعية ثانياً.

وبحث طرق منع ومكافحة الإرهاب عبر الترتيبات المؤسساتية أولاً، وإنفاذ الأمور القانونية والعسكرية ثانياً، والسياسات الاجتماعية والاقتصادية ثالثاً، والوسائل القضائية رابعاً.

وبحث قدرات الدولة لمنع الإرهاب ومحاربته، بحسب المؤسسات المتعلقة بمحاربة الإرهاب أولاً، والتعاون الدولي ثانياً، ودعم الأمم المتحدة وجهات دولية فاعلة ثالثاً. ودعم حقوق الإنسان والقاعدة القانونية في مكافحة الإرهاب وغيرها، لتأسيس القاعدة القانونية لمكافحة الإرهاب أولاً، والممارسات العامة لمؤسسات الدولة.

أما مسائل الحكم المتعلقة بالأمن فتكون عبر وحدة القيادة في ما يتعلق بالقوات المسلحة النظامية وغير النظامية اولاً، والسلطات والرقابة على المؤسسات الأمنية ثانياً، وقوى شرطية ذات مصداقية وفاعلية في كل أنحاء البلد ثالثاً، ومسألة القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب.

هذه النقاط وغيرها هي موضوع بحث في مؤتمر «جنيف5»، وكل نقطة فيها تحتاج إلى مؤتمر دولي، وسنوات من البحث والاختلاف، بينما المسارات الأساسية التي تدار دوليا لمستقبل سوريا فهي التفاهمات الروسية والايرانية، بما يحفظ أمن الدولة الاسرائيلية، وأمريكا لا تعارض ذلك طالما يحول دون انتصار ثورة الشعب السوري، فالتواجد العسكري الروسي طويل الأمد، ويحتاج إلى المليشيات الإيرانية التي تحفظ وجوده دون تهديد ولا هجمات من الشعب السوري، وتبقى تجمعات السوريين العرب السنة في أقل المواقع الجغرافية، بعد إخراجهم من دمشق حماة وحمص وحلب وغيرها لصناعة جغرافيا وديمغرافيا جديدة لدولة سوريا المفيدة، التي خطط لوجودها حافظ الأسد منذ استلامه للسلطة عام 1970، واكملها بشار كخط دفاعي أخير لمواجهة أي ثورة شعبية عارمة ضد حكمهما، إضافة إلى المساعي الروسية والأمريكية لإقامة كيان كردي شمال شرق سوريا، بعد ان فرضت تركيا رؤيتها المبدئية لغرب الفرات شمال غرب سوريا بدعمها للجيش السوري الحر، الذي بدأ بتحرير أراضي غرب الفرات من التنظيمات الارهابية، وهذا يؤكد ان أمريكا بتوليها امر جنيف وإرهاقه بالمتاهات السياسية على يد دي مستورا قد تركت مؤتمر استانا عاجزا عن ان يحقق وقف إطلاق النار، فروسيا وهي تسعى لتحقيق أهدافها في سوريا لا تقبل بوقف اطلاق النار، وكذلك قوات الأسد والمليشيات الايرانية لا تقبل من الناحية العملية وقف اطلاق النار، ولذلك فإن أستانا مؤتمر لفرض وقف إطلاق النار على المعارضة السورية المسلحة، وتقييد حركة المعارضة السورية المسلحة كي لا تحبط المشاريع الروسية والأمريكية والإيرانية والكردية في سوريا، وهو ما ترفض تركيا ان تكون شريكة فيه طالما ان الأطراف الأخرى لا تلتزم بوقف اطلاق النار أيضاً.