عبد المجيد عقيل: السوريون الكورد، من نضال محوره القامشلي إلى نضال محوره دمشق

عبد المجيد عقيل: كلنا شركاء

عندما تعمل القوى السياسية الكوردية تحت مظلة منسقية المجتمع الديموقراطي في سوريا اليوم على تطبيق الفيدرالية في المناطق الشمالية الشرقية من سوريا فإنَّ السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل الفيدرالية بالنسبة للسوريين الكورد تشكِّل اليوم غايةً بحد ذاتها أم أنهم يجدون فيها “الوسيلة” الأنسب من أجل تجاوز حالة المظلومية الكوردية ووضعِ حدٍّ لها وتلبية مطالب الكورد في سوريا وحقوقهم المشروعة…؟!

لا أعتقدُ أنَّ الفيدرالية قد يصحُّ اعتبارها غايةً بحد ذاتها، وينطبق نفس الكلام على أي نظام سياسي آخر، أو أي شكل من أشكال الحكم، فهي جميعها وسائل تأخذ شرعيتها وتكتسب أهميتها من حيث درجة تلبيتها لحقوق الأفراد، ومن حيث قدرتها ودرجة مُناسَبَتِها للتصدي للأخطار والتحديات والعراقيل التي تحول دون وجود دولة قائمة على المواطنة والحرية والكرامة والعدالة والمساواة للجميع. وهذا ما فهمته وتأكَّدت منه من خلال التواصل والاحتكاك في العمل السياسي مع الشخصيات والقوى السياسية الكوردية. وبالتالي نجد أنفسنا أمام سؤالٍ آخر أكثر دقَّةً وتحديداً: هل إعلان وبدء العمل بالنظام الفيدرالي اليوم وفي ظل الظرف الذي تعيشه سوريا هو خيار صائب ومناسب للكورد أنفسهم قبل غيرهم من السوريين…؟!

إنَّ حالة المظلومية الكوردية التي تبتدئ عند حرمان السوريين الكورد من حقوقهم الثقافية واللغوية، ولا تنتهي عند حرمان كثيرين منهم من أبسط حقوقهم وهو حق المواطنة وحمل جنسية وجواز سفر البلد الذي ينتمون إليه -قبل أن يتم معالجة المشكلة سنة 2011 في إجراء من الواضح وضوح الشمس أن المراد منه لم يكن استفاقة ضمير للسلطة الاستبدادية تجاه حقوق الكورد السوريين ولا رغبةً في انتهاج سياسة مختلفة تجاههم، بل مجرد مراضاة لهم لعدم كسب عدائهم مع فرق المعارضة الأخرى في الظرف السياسي الذي تعيشه البلاد-، بالإضافة إلى الكثير من أشكال وصور الاضطهاد الأخرى، هي حالة مردُّها إلى النظام الاستبدادي الديكتاتوري القومجي الحاكم في دمشق وليس إلى السوريين العرب، فقد مارست السلطة الجائرة مختلف أشكال الظلم على السوريين أفراداً وجماعات في سبيل استمرارها واستمرار مصالحها.

هذه المرحلة أصبحت من الماضي، والسؤال اليوم: ما هو البديل لهذا النظام الديكتاتوري القومجي؟
الخيار البديل يبتدئ حُكمَاً عندَ عقدٍ اجتماعي جديد يتصدَّى على أعلى مستوى لجميع أشكال الظلم تجاه الأفراد والجماعات على حدٍّ سواء، بل ولا يُشرعن تقسيم المجتمع السوري أساساً إلى جماعات متمايزة في حقوقها أو انتمائها ومواطنتها تمهيداً لممارسة الظلم والإقصاء والتمييز العنصري على إحداها، حيث أنَّ اختزال هوية المواطِن اليوم بعربيته أو كورديته هو انتقاص منه ومن حقه في التمتع بالمواطنة السورية الكاملة.
ولكن يجب بالمقابل إقرار التنوع الثقافي والديني والقومي في البلاد كظاهرة صحية لابُدَّ من دعمها بإعطاء جميع المكونات السورية بما فيهم الكورد حقوقهم في هذا المجال وأولها أن يدرسوا بلغتهم ويتم اعتمادها لغةً رسمية ثانية في سوريا بعد اللغة العربية لغة الغالبية السكانية.

وبالعودة إلى موضوع النظام الفيدرالي، فإنَّ المشكلة ليست في النظام الفيدرالي نفسه، بل قد يكون هذا النظام بالفعل كشكل حكم مناسباً للسوريين ومستقبلهم، لكن الظرف الحالي الذي تعيشه البلاد لا يسمح بإعلان العمل لا بالفيدرالية ولا بغيرها، فالظروف الدولية المتمثلة في التقارب الروسي التركي مؤخراً مقابل تذبذب السياسة الأمريكية هي كلها عوامل تُهدِّد بمحاصرة الكورد من قِبَل القوى الأخرى الموجودة على الساحة اليوم، وخاصَّةً إن قرَّر الكورد أن يكون لهم طريق نضالي منفصل عن طريق بقية السوريين بإعلان الفيدرالية التي لن يفهمها معظم السوريين إلا على أنها إنفصال. أي إنَّ الفيدرالية سوف تضع الكورد السوريين في حالة من العزلة الخطيرة في هذا التوقيت تحديداً، ما سوف يكونُ ضربةً أليمةً لهم، وخسارةً كبيرة لسوريا بأكملها وللقوى الوطنية الديموقراطية الأخرى في البلاد التي تحتاج بالفعل اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى شريك وطني مهم مثلهم.

فقد قدَّم السوريون الكورد حتى الآن مثالاً ناجحاً وموفقاً جداً عن أسلوب الإدارة الذاتية للحياة المدنية والمؤسساتية في المناطق التي يسيطرون عليها، وحققوا تفوُّقاً نسبياً ملحوظاً على معظم القوى الأخرى على الأرض في سوريا بما يخص الحريات والمحاسبة وتطبيق العدالة في تلك المناطق، وفي رعاية الوضع الإنساني وإدخال المساعدات إلى المحتاجين، كما أنهم وضعوا أنفسهم في موقع رأس الحربة في مواجهة داعش والتصدّي للإرهاب الأصولي المتطرِّف.

كل هذا يدفعنا لنناشد إخوتنا السوريين الكورد نطلب منهم ألا يكون مشروعهم الوطني والنضالي والتحرري متمحوراً فقط حول القامشلي وما حولها ومقتصراً عليها، بل أن يكونوا شريكاً نضالياً لجميع القوى الوطنية الديموقراطية السورية لتشكيل ثقل سياسي نعبر فيه معاً مرحلة المخاض العنيف الذي تمر به البلاد بأكملها، والذي أفرز تحدياتٍ وجودية مشتركة لجميع السوريين الوطنيين بما في ذلك السوريون الكورد، أوَّلها النظام الديكتاتوري الذي كان له الدور الأكبر في ترسيخ المظلومية الكوردية مع مظلومية السوريين العامة في العقود الماضية، وثانيها الأصولية الجهادية المتطرفة التي لا تهدد فقط بتقويض جميع مساعي التحول الديموقراطي في البلاد بل يتجاوز الأمر ذلك إلى تشكيلها تهديداً وجودياً حقيقياً لسوريا والسوريين، ما يجعل العبور إلى ضفة الأمان يتطلب اجتياز هذا النفق الطويل بين فكي الكماشة هاذين، وهو ما لا يمكن أن يحصل بدون توحيد القوى والجهود وضبط البوصلة الوطنية التحررية لجميع السوريين كورداً وعرباً نحو النضال المشترك ضد جميع الأخطار المشتركة إلى حين الوصول إلى لحظة انطلاق عملية سياسية انتقالية تهيئ البلاد سياسياً وأمنياً لوضع عقد اجتماعي جديد وإجراء تعديلات دستورية بالإضافة إلى التحضير لانتخابات برلمانية ورئاسية. وعند تلك اللحظة تحديداً، ومع بداية عودة السوريين اللاجئين في أصقاع الأرض إلى ديارهم، وعودة الأمان تدريجياً إلى البلاد، وانطلاق العملية السياسية، تتشارك جميع القوى الوطنية الديموقراطية بما في ذلك القوى الكوردية في البلاد في تقرير شكل الحكم في سوريا الجديدة، فإذا كانت الفيدرالية هي الخيار الأمثل للسوريين تم اعتمادها، فمن الأفضل بكثير أن يكون اعتماد الفيدرالية جزءاً من التغيير الديموقراطي في البلاد كلها وجزءاً من تغيير نظام وآلية الحكم في العاصمة دمشق وفي أجواء مناسبة وأكثر استقراراً، وليس التسرع في الإعلان المنفرد عن قرار قد لا يفهمه الكثير من السوريين ويأتي بالمحصلة بنتائج عكسية تشق الصف الوطني لصالح الاستبداد والإرهاب معاً وجميع المشاريع المعادية لسوريا وشعبها عرباً وكورداً.

وإلى ذلك الحين تبقى “قوات سوريا الديموقراطية” هي المسؤولة عن أمن واستقرار المناطق الخاضعة لسيطرتهم اليوم، وتبقى هذه المناطق تحت إشرافهم أمنياً وعسكرياً، بمعنى أنها تبقى ورقة هامة جداً يحتفظون بها في أيديهم فلا يتغير شيء في توازن القوى، ما يعني أنهم قادرون غداً بالسياسة والتفاوض على انتزاع نفس ما هم قادرين على انتزاعه اليوم عبر القوة العسكرية وبدون تعبير سياسي حقيقي، لكن الخيار الأول مصيره النجاح ولو بعد زمن، أما الخيار الثاني فمصيره الفشل المحتوم بعد حين حتى لو بدا خياراً ناجحاً في البداية.

نحن اليوم بحاجةٍ ماسّة إلى الحكمة من جميع الأطراف إذا ما كنا لنتأمَّل شيئاً إيجابياً في سوريا في الشهور القادمة الصعبة….

اقرأ:

عبد المجيد عقيل: أين هي الثورة؟





Tags: مميز