تجارة الآثار في دير الزور.. نشطاء يتهمون ممثلهم في الائتلاف.. والأخير ينفي

لم يكن من السهل الحصول على معلومات حسّاسة من النشطاء الذين شهدوا أحداثاً قد ترقى إلى مستوى الجريمة، فتدهور الوضع الأمني أصبح يهدد نشطاء سوريا في كلّ مكان، لكنّ معلومة حول تورّط شخصيّة معارضة عامّة عاملة في الشأن السياسي، بتجارة الآثار في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بمدينة دير الزور كانت نقطة البدء للتوسّع في البحث حول هذا الموضوع.

سامر العاني: أنا برس

كيف كانت البداية؟

في مقهى شعبي بمدينة غازي عينتاب التركيّة جلس “وليد” (وهو اسم وهمي لإخفاء هويّته) يتذكّر ما آلت إليه المدينة بعد دخولها في مرحلة المقاومة المسلّحة، وانتشار فصائل كانت تتبع بالمباشر لشخصيّات إسلاميّة معارضة “لقد استحوذ أحد أعضاء الائتلاف الوطني حاليا، على الدعم في تلك الفترة وتحكّم بالكتائب ذات النهج السلفي باعتبار أنّ بعض قادتها كانوا من طلّابه في أحد مساجد دير الزور”.

ويشرح أنّ اللواء التابع لـ”مجلس ثوّار دير الزور” كان يتكوّن من ثلاث كتائب هي (كتيبة العبّاس وكتيبة الأنصار وكتيبة جند العزيز) وكان هذا اللواء هو الأكثر دعماً وعدداً في عام 2012، بسبب سيطرته على بعض البنوك كالبنك الإسلامي فضلا عن سيطرته على مستودع المحكمة الذي كان يحتوى على المصادرات كالذهب والسلاح والمواد المخدّرة، إضافة لاستحواذه هذا اللواء على كامل دعم مجلس ثوّار دير الزور الذي يقوده عضو حالي في الائتلاف الوطني، إلا أنّ فصل المناطق بين النظام والمعارضة بعد حملة الحرس الجمهوري على حيي الجورة والقصور في 25 أيلول 2012 دفعت هذا اللواء للبحث عن مصادر تمويل جديدة، فكانت تجارة الآثار هي الحل الوحيد، لاسيما بعد حصولهم على فتوى شرعيّة من قبل عضو الائتلاف والداعم الرئيسي للواء باعتباره شيخ السلفيين بدير الزور “تجيز التنقيب عن الآثار وبيعها”.

من المسؤول عن عمليات التنقيب؟

ويتّفق “أبو خالد” (أخفي اسمه لأسباب أمنيّة) مع ما يرويه “وليد” بالقول إنّ “ثلاث جهات عملت على الحفر والتنقيب عن الآثار في مدينة دير الزور، وهي كتائب مجلس ثوّار دير الزور والتي بايعت تنظيم الدولة بعد دخوله إلى دير الزور وجبهة النصرة وبعض الكتائب الصغيرة”، على حد قوله.

ويضيف أنّ كتائب مجلس الثوار كانت الأكثر حصولا على لقى أثرية بسبب سيطرتها على مناطق دير الزور القديمة كالسوق المقبي والمجمّع الحكومي وقيادة الشرطة وسوق الصيّاغ، ومنع المدنيين من الاقتراب منها ومشاهدة ما يجري هناك، ففي السوق المقبي من جهة “سوق القصّابة” وعند البّوابة العثمانيّة للسوق استطاعوا إخراج عمود أثري بطول 80 سم فضلا عن قطع فخّاريّة وبعض التماثيل.

أمّا جبهة النصرة التي كانت تربطها بمجلس الثوار علاقة طيّبة بسبب تقارب الفكر الإيديولوجي بينهما، فقد استأثرت بمناطق الرشديّة وكنيسة الأرمن والحويقة والكتب المدرسيّة، واستطاعوا استخراج ثمانية تماثيل من المقبرة اليهوديّة قرب الكتب المدرسيّة فضلا عن استخراج رقم وكتاب أثري، أمّا بالنسبة لما يقال عن كميّات الذهب المستخرجة من بساتين “السرحان” فلم تكن أثريّة إنما تعود ملكيتها لأشخاص كانوا قد دفنوه في تلك البساتين.

الجهة الثالثة التي نقّبت عن الآثار (بحسب أبو خالد) هي بعض الكتائب الصغيرة التي أتت متأخّرة لكنّها لم تستطع استخراج قطع ذات قيمة كبيرة، بسبب تنقيبها بمناطق لا تحوي قطعا أثريّة فضلا عن ضعف الخبرة في هذا المجال.

التنقيب كان ممنهجا

ويلفت “أبو خالد” إلى أنّ التنقيب عن الآثار لم يكن عشوائيا بل كان وفق خرائط تحدد مناطق وجود الآثار، فالصحفيّان اللذان حلّا بضيافة كتيبة العبّاس –إحدى الكتائب التابعة لمجلس ثوّار دير الزور- ، وكانت جنسيّة أحدهما نيوزلندياً “لم يخرجوا للتصوير ولم يتجوّلوا في مناطق دير الزور، فقط زاروا المناطق الأثرية، في المدينة، وكانوا يحملون رسومات يرجّح أنّها خرائط للحفر والتنقيب”.

تهريب وتجميع الآثار

في مدينة أورفا التركيّة يعيش الكثير من النشطاء والإعلاميين أو عناصر من الفصائل المقاتلة ممن كانوا يعملون داخل مدينة دير الزور خلال فترة ما قبل سيطرة تنظيم الدولة على مدينة دير الزور، إلا أنّ الوصول إلى معلومات حقيقيّة حول طريقة إخراج القطع الأثرية كان يحتاج وقتاً طويلاً لإقناعهم بالحديث وإعطاء تفاصيل دقيقة، لاسيما أنّ الوضع الأمني بالنسبة لهم ليس مؤمّناً كما يجب، إلا أنّ ضمانات بعدم ذكر الأسماء الصريحة للشهود فتحت المجال للحديث بحريّة أكبر.

يقول “إياد” وهو أحد الأشخاص الذين عاصروا تلك المرحلة “لعل من أسهل الأمور هو إخراج القطع الأثريّة من دير الزور، إلا أنّ حواجز الجيش الحر وحواجز تنظيم الدولة الممتدّة خارج المدينة حتّى معبر تل أبيض آنذاك، جعلت الفصائل العاملة في مجال التنقيب عن الآثار تفكّر بطريقةٍ لإخراج الآثار دون لفت الانتباه أو إيجاد أي مستمسك عليها” ويضيف أنّه لم يكن لديهم سوى الاعتماد على سيّارات نقل الجرحى إلى تركيا إضافة لسيّارات الإغاثة، فكان لهيئة روافد التابعة لمجلس ثوّار دير الزور الدور الأكبر في نقل اللقى الأثرية، باعتبار أنّ “هيئة روافد” وتلك الكتائب يتبعون لمجلس واحد وداعم واحد، فلا خوف منهم.

يجرى بعدها تجميع القطع الأثريّة في منزل أحد الأشخاص التابعين لمجلس ثوّار دير الزور بمدينة اورفا التركيّة ليصار إلى بيعها وتهريبها خارج تركيا.

اتهامات بالجملةّ لعضو في الائتلاف

اللافت في الأمر أنّ أغلب من قابلناهم اتهموا ضلوع عضو الائتلاف الوطني عن محافظة دير الزور في عمليّة تهريب الآثار، مؤكّدين أنّ عضو الائتلاف هو الرأس المدبّر للمجلس، وأن الكتائب التابعة للمجلس لا تأتي على أي خطوة دون استشارته، فيما قال أحد من التقيناهم أنّ الآثار كانت تخرج إلى ليبيا ليصار لتهريبها إلى إيطاليا، وهذا مايفسّر إصرار عضو الائتلاف على إستلام منصب سفير الائتلاف في ليبيا.

عضو الائتلاف

بالتواصل مع عضو الائتلاف عن طريق برنامج “واتساب”، لم ينف دعمه لتلك الكتائب إنمّا اكتفى بتوجيهنا للتغاضي عمّا تقوم به المعارضة والتركيز على انتهاكات النظام بقوله “الله يصلح الأحوال، تركنا النظام المجرم وبدأنا نتهم بَعضنا البعض، أخي أنصحك وأنصح نفسي لا نفقد البوصلة، ظننت تسألني شلون ممكن نعمل حملة إعلامية أو سياسية لمساعدة أهلنا المحاصرين بين داعش وبين النظام، وايصال شكواهم للعالم، موضوعك مو أول مرة يفتح ولا راح يكون آخر مرة” مردفاً “ما عندي علم حول هذا الموضوع أو شيء أستطيع إفادتكم فيه”.

وبالرغم من عدم إنكار تبعيّة كتائب مجلس الثوّار له إلا أنه أكّد أنّ ما قيل بحقّه يدخل في باب تشوه السمعة مبيّناً أنّ “الكل يعلم صار خلافات بين الكتائب والناشطين والإغاثيين والسياسيين يعني بكل الاتجاهات، فما يكون تصفية الحسابات بتشويه السمعة والافتراء”.

اقرا:

     قانونيون يدعون من لندن إلى حماية الآثار في سوريا