ناو: (بلد يحترق).. السيرة الذاتية للثورة في سوريا

ناو اللبنانية: ترجمة صحيفة التقرير

هل يُعقل أنّ 3 سنوات مرّت على الاعتداء الكيمياوي بغاز السارين على الغوطة في دمشق؟، تمر الأحداث في سوريا بهذه السرعة حيث إنّ المجزرة التي تُرتكب في الصباح تُنسى مع حلول الليل، والفظاعات التي يمر عليها أسبوع تبدو وكأنّ مرّ عليها دهر.

وقلل الروائي البريطاني، مارتين آميس، إنّنا نصبح أشخاصا مختلفين مع مرور كل عقد من الزمن، إذا كان هذا القول صحيحا نكون قد اختلفنا بنسبة 50% عما كنّا عليه قبل اندلاع المظاهرات في أنحاء سوريا في آذار 2011، ومفهومنا لما حصل بمعظمنا يكون قد مرّ بتحوّلات جمّة.

ومن السيّئ بما يكفي أنّنا ننسى التفاصيل، والأسوأ كيف تُسجّل الحقائق مع مرور الوقت وامتزاجها بمعلومات غير دقيقة أو حتى كاذبة. فنحن نعلم اليوم على سبيل المثال بأنّ القاعدة كانت متورطة، وأنه على مستوى محدود، وفي الثورة المسلّحة منذ فجر الثورة في آب 2011. وحتى أولئك الذين لا يزالون على ثقة بأنّ الأسد مجرم حرب من الطراز الأول يُسمعَون اليوم أكثر فأكثر، وهم يتأملون حال حركة الثوار اليوم ويتساءلون: هل كان يوجد بالفعل جيش سوري حرّ معتدل؟، وحيث إننا لا نزال في عز الثورة، إلى أي مدى كانت الثورة المدنية الأولية ديمقراطية؟.

إذا كنت ممّن راودتهم هذه الأسئلة ولو للحظات، ستجد في كتاب “بلد يحترق: السوريون في الثورة والحرب” قراءة عميقة لن تسهّل عليك تساؤلاتك.

فما أن تفتح الكتاب حتى تجد نفسك في ربيع 2011، في خضم الحدث، تماما كما كان: “حشود مئات الألوف من الناس- نساء ورجال، كبار وصغار”، يرقصون الدبكة على موسيقى الدربكة، مسيحيون في منطقة الحميدية في حمص يرمون الأرز على رؤوس المتظاهرين المسلمين في غالبيتهم إظهارا لتعاطفهم معهم وهم يمرون تحت شرفات منازلهم في شوارع المدينة، منشدين “مسلمون ومسيحيون، كلنا نريد الحرية”، و “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”.

وفي الحقيقة، أعاد الكاتبان روبين ياسين كسّاب وليلى الشامي رسم المشهد ببراعة شديدة، تبرزه بشكل أبرز مما بدا عليه في ذلك الوقت. ومن بين الأمور العديدة التي تجعل هذا الكتاب هو بعينه الكتاب المنتظر حول سوريا، هو العدد الكبير من الشخصيات التي أُجرِيت معها مقابلات والتي تنتشر أقوالها على صفحاته.

هنا نلتقي بمغنِّي راب ماركسيين سنّة ينظّمون مظاهرات مع علويين رافضين لكل أشكال السلطة في طرطوس، وملحدين مناصرين للجيش السوري الحر، ومسيحيات يتظاهرن في حي الميدان للمسلمين المحافظين في دمشق، مرتديات ثيابًا ضيقة غير منسجمة مع المنطقة. العديد من المقابلات أُجريت في الحقيقة داخل سوريا، حيث سافر الكاتبان السوريان- البريطانيان مرارا منذ عام 2011. والنتيجة هي أصدق رواية عن الثورة من خلال عيون وأفواه أبطالها، ولكن باللغة الإنجليزية.

لكنها ليست مجرّد استرجاع يملؤه الحنين لأيام خلت كانت الثورة فيها في عزهّا، حيث اهتمّ الكاتبان من موقعهما كثائريين ملتزمين وكمحللين في المقام الأول، اهتماما كبيرا في تشخيص مكامن الخطأ بقوة جبّارة على مواجهة الحقائق البشعة. فلم يتغاضَ الكاتبان عن ذكر الأمور التي أخطأت فيها الثورة، حيث تعرّضت حركة “أحرار الشام”، الكتيبة الأكبر للثوار “والأكثر تطرفا”، باستثناء “داعش” والمجموعة التي كانت تُعرف بـ”جبهة النصرة”، لانتقاد كبير لقتلها مدنيين علويين، ووصفاها بأنها “دون شك بقيادة متطرفين جهاديين يرفضون أهداف الثورة الديمقراطية الأساسية”.

وكذلك جيش الأبرز في ضواحي دمشق التي يسيطر عليها الثوار، انتُقِد لميوله الإسلامية التسلّطية، والتي تجلّت في أفضل مثال من خلال “خطف وربما قتل” محامية حقوق الإنسان والناشطة رزان زيتونة، ومعها زوجها وزميليها، وهي شخصية ذات أهمية كبرى لا تضاهيها أي شخصية أخرى أهمية في المعارضة العلمانية، الديمقراطية والمحلية، والتي أُهدِي الكتاب إليها. والمعارضة السياسية في المنفى ملامة لفشلها في التواصل بشكل صحيح مع العلويين، والأكراد، والأقليات الأخرى في الأيام الأولى الحرجة حيث كان يمكن لذلك أن يُحدث فرقا.

إلاّ أنّ الفكرة والتوجّه الأساسيين يبقيان الأهم هنا. حيث يبقى نظام بشار الأسد بشكل أساسي وطاغٍ، هو المسؤول عن الكارثة التي ألمّت بسوريا.

وفي كتابه عام 1993 تحت عنوان “الوحشية والصمت”، كتب المعارض العراقي كنان ماكيا، أنّه بقدر ما رغب في كل لحظة من اليوم سقوط نظام صدّام، فقد خشي من أنّ الضرر العميق الذي لحق بالمجتمع العراقي من خلال عقود من الديكتاتورية البعثية سيضمن كابوسا من سفك الدماء في أعقابه. كان يمكن بالسهولة نفسها أن يقول الكلام نفسه عن سوريا الأسد. حيث يبرّر ياسين كسّاب والشامي ببراعة كيف أن جزءا كبيرا من أخطاء المعارضة تحمل بصمة نسل النظام.

أما بالنسبة للتطرّف الديني، وفي حين أنه يُنظر إليه اليوم دون انتباه (من قبل العرب والأجانب) كمظهر دائم، ولا يمكن التخلّص منه من المجتمع الشرق أوسطي منذ أمد بعيد، يرى الكاتبان أنّه الابن الرذيل للأنظمة المعاصرة الظالمة في المنطقة. فقد كتبا أنّ سوريا “كانت  تسير على مسار مشابه لأوروبا” في الستّينيات، عندما كانت تسيطر الأحزاب اليسارية على الحكم، وكان عدد قليل من النساء يرتدين الحجاب.

وهذا المسار كله شهد انهيارا سريعا مع وصول الأسدين الأب والابن إلى السلطة، حيث جمعا في حكمهما بين استراتيجية فرّق تسد التي اعتمدها الانتداب، وأسلوب القمع والابتزاز، ولم يكن العلويون وحدهم من أغدقت عليهم الخدمات الاجتماعية الاقتصادية وكل أنواع التقديمات لشراء تعاطفهم، بل وفي الوقت نفسه تم السماح للسنّة، الذين مُنعوا خوفا من الموت من الانتماء إلى الإخوان، وتم حتى تشجيعهم لكي يصبحوا سلفيين، وهي الطريقة الأفضل لإقناع العلويين والحكومات الغربية بأنّ آل الأسد، مشعلي النار والإطفائيين في الوقت نفسه، هم الرادع الوحيد لتوجه الشعب نحو التطرّف.

ولعب آل الأسد هذا الدور بشكله الأبرز من خلال المقاتلين الأنيقين الذين انتموا إلى القاعدة في العراق بعد اجتياح 2003، مسهّلين تدريبهم ونقلهم إلى الحدود، والتعاون المباشر للنظام مع المجموعة التي ولّدت مجموعتي “داعش” و”جبهة النصرة” استمر حتى عام 2009، وفقا لتحقيق ورد في الغارديان.

ولا يخف على أحد كيف أنّ الأسد أطلق سراح سجناء إسلاميين عنيفين من زنزاناتهم عام 2011 (في الوقت نفسه الذي كان يقبض فيه، ويعذّب ويقتل علمانيين غير عنيفين)، بينهم حسن عبود من أحرار الشام، وزهران علوش من جيش الإسلام، “والأعضاء المؤسسين لجبهة النصرة وشخصيات مهمة من “داعش”، دوّن الكاتبان.

بشكل عام أكثر، فقد عمل النقص التام في حرية التعبير، وفي وجود مجتمع مدني وإعلام مستقل وتعليم غير سياسي، وأي مساحة ثقافية، على مدى 4 عقود على امتصاص الأوكسيجين اللازم للتعايش الصحي بين أبناء البلد، “ما كانت تحتاجه سوريا هو نقاش وطني للمخاوف التاريخية ولأسباب الكراهية بهدف حصول تفاهم متبادل أكبر”، دوّن الكاتبان عن الوضع ما قبل عام 2011 الذي سُمي بـ”مملكة الصمت”.

وعوضا عن ذلك، ناقش الناس الطوائف الأخرى بهمسات سرية مرّة، وفي أوساطهم الخاصة فقط. كان للاحتكار البعثي للسياسة تأثير مدمّر – يلحظ الكاتبان في أبرز ملاحظاتهما، أن “القضاء على اليسار قضى على أبرز منافسي الدين الطبيعيين”. (ليومنا هذا، كأس الويسكي الملحد الذي يرفعه مناصرو الحزب الشيوعي اللبناني لا يزال في بعض البلدات والقرى الشيعية الحاجز الوحيد لأسلمة حزب الله لتلك المناطق).

الأمر العجيب أنه على الرغم من كل ذلك فإن الثورة كانت ديمقراطية وتعددية، وإن العديد من السوريين تمكنوا بلحظة من كسر القيد الذي تقيدوا به لسنين وكأنه عهد عليهم. والأعجب بأنّ تجربتهم- التي خاضوها في ظل ظروف خطرة- لم تُقابل بالتشجيع والدعم من قبل العالم الديمقراطي بل بعدائية في واحدة من أبرز مآسي القرن الواحد العشرين.

وفي الفصل الأخير من الكتاب، يعدّد الكاتبان بازدراء كل أطراف المجتمع الدولي الذين أفشلوا سوريا، من الأمم المتحدة إلى السياسيين الغربيين، إلى المؤسسات الفكرية إلى صحفيين غير شرفاء، إلى المواطنيين اليمينيين المتطرفين، إلى اليساريين المعادين للإمبريالية بشكل متطرف.

أما الدروس التي يجب استنتاجها مع اقتراب قادة العالم من إعادة الاتفاق مع الأسد، فهي أوضح من أن تُذكر. الأمر لا يتعلق فقط بعدم قدرته على توحيد البلد، في ظل تنميق الديبلوماسيين للحقيقة، أو الثمن الانساني الكبير الذي لا مهرب من دفعه لكي يتمكن من جلب الاستقرار. هو ليس فقط “ليس الحل”، بل وهو التشخيص الحي للمشكلة، السبب الرئيس للكارثة. إنه الشيطان كما نعرفه، وهو عميل اللاستقرار وليس الاستقرار. قد نكون نسينا ما كان غرض الثورة- أو إن كانت قد حصلت بالفعل- ولكن ملايين السوريين الذين لا يزالون يعيشون في ظل ماكينة قتل الأسد بالتأكيد لم ينسوا، ولن ينسوا.

ولكن ياسين كسّاب وليلى الشامي يضيئان لنا بعد تذكيرنا بكل ذلك، وبكيفية وصولنا إلى هنا، بسهولة الطريق أمامنا للوصول إلى الهدف المراد.

كتاب “بلد يحترق: السوريون في الثورة والحرب”، لروبين ياسين كساب وليلى الشامي. منشورات Pluto Press في كانون الثاني 2016.

اقرا:

د. أحمد برقاوي: وحدة الصراع على سوريا والصراع في سوريا