يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية.. المستشفى 601 (9/8)

يونادم يونادم: كلنا شركاء

بعد حوالي عام من الاعتقال وفي بداية عام 2013 كان (الحماده) مستلقياً على أرض حظيرة للطائرات. كان قد تم استجوابه وتعذيبه سبع أو ثماني مرات. فأصيب بالتهاب في عينه أخذ يقطر قيًحا. وهو مصاب بالغرغرينا في جلد ساقيه. كان يجب على المساجين أن يقفوا عندما يدخل الحراس إلى الزنزانة، ولكن (الحماده) لم يستطيع الوقوف في ذلك اليوم كما هو مفروض عليه، بل قال للحارس: “أنا أتبول دًما”. في اليوم التالي أتى رئيس المحققين إلى الزنزانة وأبلغ (الحمادة) أنه سيذهب إلى المستشفى (601 ) وهو مستشفى عسكري يقبع عند سفح جبل المزة، حيث يجثم قصر الرئاسة في الأعلى. قال رئيس المحققين ل (لحمادة) أيضًا أن عليه ان ينسى اسمه: “اسمك الآن 1858” كان “الحمادة” قد سمع عن المستشفى ( 601) ، حيث يوجد عدد من المحتجزين هناك، وقال إن من عادوا أطلقوا تحذيراً: “هذا ليس مستشفى — إنه مذبح”. وبالرغم من إصابة (الحمادة) فقد ضربه الحراس في الطريق إلى المستشفى، واستخدم أحدهم أنبوباً أخضر لهذا الغرض. وبسبب اللون الأخضر كان عملاء الأمن في أنحاء سورية يتهكمون على المساجين بتسمية هذا السلاح (الأخضر الإبراهيمي) الذي كان في ذلك الوقت مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسورية.
وعلى طول ممر المستشفى أخذ الممرضون من الرجال والنساء بضرب (الحمادة) بالأحذية وهم يدعونه بالإرهابي، وعندما وصل إلى العنبر تم ربطه إلى السرير مع سجينين آخرين. ثم سألته ممرضة عن أعراضه وضربته بعصا. ويسجل تقرير الأمم المتحدة لتلك السنة: “انه تم اضافة بعض الذين يمارسون المهن الطبية إلى قائمة الذين يعاملون المساجين معاملة سيئة في مستشفى ( 601 )”. كان (الحمادة) يعاني كثيراً من شدة الألم ومن عدم التصديق.
تلك الليلة استيقظ (الحمادة ) من أجل استخدام الحمام، وكان الحارس يقوم بضربه طوال الطريق إلى دورة المياه، ولكنه دخل هناك بمفرده. وحين فتح باب أول حمام وجد بدلخله كومة من جثث محطمة وزرقاء. ووجد اثنين آخرين في الحمام الثاني ضامرين وبلا عينين، كما وجد جثة أخرى بجوار الحوض. خرج (الحمادة) مصاباً بالهلع ٬ ولكن الحارس أعاده وقال له: “تبول فوق الجثث”. لم يستطع ٬ بدأ يشعرأنه يفقد إحساسه بالواقع. حسبما قال محققو الأمم المتحدة ٬ فإن المحتجزين الذين يموتون كانوا “يحفظون في الحمامات” في عدة أفرع أمنية في دمشق.
في وقت لاحق من نفس الليلة دخل جنديان في حالة سكر إلى العنبر وصاح أحدهما: “من يريد دواء؟” رفع عدد من المعتقلين أيديهم. لم يكن الأطباء قد أعطوا (الحمادة) أي أدوية — فقط كيس شبه فارغ من المحاليل— ولكن أحد شركائه في المهجع والذي كان قد قضى بضعة أيام في العنبر حذره ألا يتطوع. اختار الجندي سجيناً متحمًسا، ثم استل الجندي سلاًحا حاًّدا ٬ وبينما يركع السجين عند قدميه، ورأسه في مواجهة الأرض، بدأ في ضرب قاعدة جمجمته فاصًلا عموده الفقري عن رأسه ثم أمر مريضًا آخر بإلقاء الجثة في الحمام. قالت تقارير الأمم المتحدة عن المستشفى 601 ” كان يجري تعذيب الكثير من المرضى حتى الموت في تلك المنشأة”، حتى ان الجندي كان يطلق على نفسه اسم (عزرائيل) ، ويتذكره ناجون آخرون حين كان يقتل سجناء بطرق مماثلة في وحشيتها.
قال لي (الحمادة ): “عندما رأيت ذلك أقسم – تلك كانت اللحظة التي فكرت فيها أن ذلك هو مصيري… سأموت هنا”. في اليوم التالي ترجى طبيباً أن يعيده إلى فرع المخابرات الجوية. لاحظ الطبيب أن (الحمادة) لا يزال مريضًا، فقال (الحماده): “لا لالا.. أنا شفيت تماماً”، وفي اليوم الخامس اصطحبه إلى خارج مستشفى (601 ) نفس الحراس الذين جاؤوا به وهم يقولون له: “يا حيوان ٬ يا ابن الكلب… لم تمت بعد”. وضربوه طوال طريق العودة إلى الفرع ثم علقوه من رسغيه لأربع ساعات.
في يونيو 2013 أحيلت قضية (الحمادة) إلى القضاء وتم تحويله لسجن ( عدرا) في دمشق ٬ حيث تقدم بطلب لإثبات التهم المنسوبة إليه (فالسجون السورية تابعة من الناحية الرسمية لإشراف القضاء وليس للأجهزة الأمنية) فجاء الرد المكتوب أنه قد تم إلقاء القبض عليه “بجريمة الإرهاب وقد حرم من حريته منذ 5 يونيو 2013 ” —أي في نفس تاريخ توجيه التهم إليه، وهكذا من الناحية الرسمية فإن الأشهرالخمسة عشر التي قضاها داخل فرع المخابرات الجوية في مطار المزة الحربي لم تحدث قط.
في نهاية أغسطس قامت الحكومة السورية باطلاق قذائف تحمل غاز السارين على أحياء ذات كثافة سكانية عالية في دمشق ٬ فقتلت أكثر من ألف وأربعمائة شخص. وكرد فعل على ذلك أعلن الرئيس أوباما حينها، وكان قد أكد التزامه في وقت سابق بأن استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية هو خط أحمر: “سيتوجب على الولايات المتحدة حينها أن تقوم بعمل عسكري ضد أهداف النظام في سوريا”. وقال إنه سينتظر موافقة الكونجرس ولكنه أضاف: “ما هي الرسالة التي سنرسلها إذا كان ديكتاتور يستطيع أن يقتل مئات الأطفال بالغاز علناً ولا يدفع الثمن؟”.
في أحد الأيام تم نقل (الحمادة) وعدد كبير من المساجين إلى المزة دون أي تفسير، وفي تلك الليلة جرى نقل عدد كبير من المساجين إلى حظيرة للطائرات فارغة في القاعدة الجوية، ويعتقد أنه تم إطلاق صاروخ واحد على الأقل لغاز السارين من المزة ولذلك كانت هدفاً منطقياًّ لغارة جوية أمريكية. وداخل حظيرة الطائرة كان الحراس يسخرون من المعتقلين، قالوا لهم إنه عندما يقصف الأمريكيون سورية فسيقتلون جميًعا.
في بداية سبتمبر تراجعت الولايات المتحدة عن احتمال شن الحملة العسكرية وأعيد (الحمادة )إلى محكمة الإرهاب في دمشق حيث تم أخيًرا النظر في قضيته. لاحظ القاضي أنه قد اعترف بأنه هاجم نقاط تفتيش وقتل جنوًدا. رفع الحمادة بنطاله وأرى القاضي أثر حريق السجائر كما رفع رسغيه كاشفاً عن الندوب البنفسجية العميقة وأظهر الآثار السوداء والبيضاء للضرب على جذعه، كان مثل ذلك المشهد مألوفاً داخل قاعة المحكمة. قال القاضي في ردّه على كل التهم: “غير مذنب”.
قبل إطلاق سراح (الحمادة) تم استجوابه مرة أخرى من عملاء قسم الأمن السياسي وسألوه عن الاحتجاجات التي حضرها من سنتين. اعترف فوًرا. “قلت نعم كنت في الاحتجاجات. ونعم، قلت إن الرئيس وغد!” وأضاف: ” لقد عشت داخل الجحيم بالفعل. وإذا كان الأمر الآن يتطلب الاعتراف فسأعترف بكل شيء”. بعد وقت قصير أعيد (الحمادة) إلى قاعة المحكمة، وبعد ان تعرف عليه القاضي، أسقط القضية فورا.

اقرأ:

يونادم يونادم: ملفات بشار الأسد السرية.. الإعتقال (9/7)





Tags: سلايد