كامل عباس: الدولة الروسية الحالية تنقلنا من الأمل بها الى الألم منها

اللاذقية- كامل عباس: كلنا شركاء

قامت العلاقة بين التجمعات البشرية قديما على القوة حيث تشكلت امبرطوريات تاريخية كانت تتغير حدودها وفقا لمدى قذائف مدافعها, وجاءت الحرب العالمية الأولى وما اُزهِق فيها من ارواح بشرية لتدفع المجتمع الدولي نحو عصبة امم جديدة, للقانون حضور نسبي فيها الى جانب القوة لأول مرة في التاريخ , ومن ثم تلتها الحرب العالمية الثانية ليتقدم القانون درجة جديدة تمثلت بهيئة الأمم المتحدة ودستورها الحالي المعروف .

لا يستطيع عاقل على وجه الأرض نكران دور الحضارة الروسية في هذا التقدم للجنس البشري وبخاصة الثورة الروسية التي أشاعت الأمل في نفوس كل المقهورين في الأرض, والتي ساعدت على تقدم القانون على حساب القوة في التاريخ نهاية الأمر . وجاءت البروسترويكا نهاية القرن الماضي داخل ذلك البلد لتبدو وكأنها تدفع البشرية على هذا الطريق ,   لقد ظن الكثيرون ان البيروسترويكا ستؤهل روسيا للعب دور اكبر في قريتنا الكونية الجديدة التي اصبحت فيها روسيا وكل الدول الأخرى تعتمد النظام الرأسمالي بعد انتهاء نظام توازن الرعب السابق,  وأن روسيا ستدعو الى فلسفة جديدة  مستقاة من تجربتها السابقة تسود فيها لبرالية جديدة ايضا تأخذ من الغرب  موضوع الحريات الفردية وأهمية الديمقراطية بالمعنى السياسي للتقدم الاجتماعي ومن الماركسية موضوع الجانب الاقتصادي , جانب العدالة الاجتماعية ودور الدولة في تحقيقها بناء على تدخلها في توجيه السوق لخدمة تطوير المجتمع وليس لخدمة الأغنياء فقط . توهج الحلم مع  مؤشرات بهذا الخصوص ظهرت بداية القرن الواحد والعشرين, تمثلت بما عرف باسم – لجنة مسؤولية الحماية – التي تشكلت في هيئة الأمم  من اجل حماية المجتمع الدولي للشعوب من بطش حكامها ومنع مجازرهم كما جرى في رواندا اضافة الى محكمة جنائية دولية لمحاكمة من يرتكبون جرائم حرب بحق الانسانية  .

لكن دور روسيا انقلب تماما بعدما استتب الأمر فيها للقيادة الحاية لتعود فتلعب دورا معاكسا لحركة التاريخ يريد ان يشده الى الوراء ليعود بنا لى عهد الأمبراطوريات البائدة . بدأ ذلك السياق منذ أن أصّرت روسيا على مفهوم السيادة الوطنية القديم واستعمال حق الفيتو الممنوح لها لحماية الديكتاتوريين وتتوج أخيرا في خطاب أمام مجلس الدوما يحاول ان يشرعن تلك العودة الى الوراء والدعوة للاستناد الى القوة في داخل البلاد وخارجها بدلا من الاستناد على القانون .

لقد اشتشهد فلاديمير بوتين في خطابه الأخير داخل مجلس الدوما بكلام بيتر ستوليبن الذي قاله في ذلك المجلس عام 1911  حين كان رجل دولة بارز في الإمبراطورية الروسية. حيث قال “يجب على الجميع أن يوحد وينسق الجهود والالتزامات والحقوق من أجل الحفاظ على الحق التاريخي الأسمى لروسيا – وهو أن تكون قوية” قال الرئيس الحالي ايضا في المجلس “إن (القوة) موجودة في شعبنا وثقافتنا وتقاليدنا وفي اقتصادنا فلدينا مساحات شاسعة من الأرض والكثير من الثروات الطبيعية …. قوتنا موجودة في وحدة شعبنا وعلينا أن نتذكر دائما أن أساس السلطة المكونة لروسيا، هو الذي قلته للتو – أهم شرط من أجل الحفاظ على دولتنا واستقلالنا ووجود روسيا باعتبارها الوطن المشترك الأصيل لجميع الشعوب التي تسكنها.

, ليست موفقة هذه لدعوة الى القوة التي جاءت على لسان قيصر روسيا الجديد , وهو بهذا السلوك يلحق الضرر بمصلحة الشعب الروسي بالدرجة الأولى.

ان سلوك روسيا الحالي يشاغب على التطور الاجتماعي للجنس البشري ويزيد من كلفة الوصول الى درجة جديدة من القانون,نشهد فيها مجلس امن جديد لا فيتو فيه لخمسة دول قوية تستعمله خدمة لمصالحها وليس خدمة الحركة الانسانية العامة . 

بالطبع يتفهم المرء دوافع بوتين ومن حوله ورغبتهم في أن تعود روسيا وتتبوأ  مكانة مرموقة في المجتمع الدولي كما كانت ايام الاتحاد السوفياتي السابق , وهم محقون في كثير من الجوانب التي تنتقد سلوك امريكا والغرب تجاهها روسيا وتجاه العالم , ولكن السلوك الأمثل لفرض هيبة روسيا على أمريكا واوروبا والعالم هو في تحولها الى دولة ديمقراطية تجرى فيها انتخابات حرة وشفافة وتداول سلمي للسلطة , يترافق ذلك مع حملها تاريخها السابق بسلبياته وايجابياته ,لا الهجوم على تلك الفترة التي هي من أغنى فترات روسيا ومحاولة شطبها لنعود الى تاريخ روسيا الامبراطوري القديم كما يوحي خطاب بوتين في مجلس الدوما .

ان  الطريق الوحيد الذي يجعل روسيا تنافس الغرب وتتقدم عليه هو الانسجام مع منطق التطور وايلاء القانون أهمية توازي ان لم نقل تتفوق على منطق القوة. اما محاولة فرض نفسها على النظام العالمي الجديد بقوة عضلاتها على حساب عقلها كما يفعل قيصرها الجديد فلن تكون نهاية ذلك السلوك سوى العزلة والاحتقار واتهامها بالهمجية كما هو سائد الان  .

السؤال الذي يطرح نفسه هذه الأيام هل سنحتاج الى حرب عالمية جديدة ؟! ليتقدم القانون درجة اخرى متمثلا بمجلس امن جديد لا فيتو فيه لروسيا ولا لغيرها.أم ان الثقافة والحضارة التي اكتسبناها في مسيرتنا كجنس بشري على هذا الكوكب ستجنبنا ذلك . هذا السؤال سيجيب عليه  القادم من الأيام  .

نحب ان نذكر هنا أن حرب عالمية جديدة. مكلفة جدا  بسبب توفر أسلحة حديثة أكثر تدميرا من أسلحة الحروب السابقة بآلاف المرات  .

اقرأ:

كامل عباس: رسالة حزب الشعب السياسية – ما لها وما عليها –





Tags: محرر