on
معقل زهور عدي: ترامب وصعود الترامبية
معقل زهور عدي: كلنا شركاء
مثلما لم يأت صعود أوباما لرئاسة الولايات المتحدة من الفراغ أو الصدفة بل من حاجة ملحة لتعديل السياسات الخارجية الأمريكية بعد حرب العراق في ضوء النتائج الكارثية لتلك الحرب التي أرهقت الاقتصاد الأمريكي ولم تعد بالفوائد المرجوة منها , كذلك لم يأت صعود ترامب من الفراغ , ولا من الصدفة , ومثلما يقول هيغل ” كل ما هو كائن عقلاني ” فصعود ترامب رغم ما أثاره من جدل واعتراض من قبل شرائح واسعة من المجتمع الأمريكي , يمثل رغبة في استعادة مكانة الولايات المتحدةة العالمية , وانهاء مرحلة الانكفاء , وعودة لسياسة اليمين التي تمت ازاحتها من على المسرح في السنوات الثمان الماضية .
لقد بات ملحا على الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية الاستجابة لتحدي الاندفاعة الروسية خصوصا بعد القفزة الروسية نحو المياه الدافئة السورية والتي وضعت مصالح الغرب الكبرى في المنطقة العربية في مرمى التهديد .
ليست سياسة الانكفاء التي انتهجها أوباما وحدها المسؤولة عن تشجيع روسيا للخروج من وضع الدفاع الى وضع الهجوم ولكن أيضا الصدع الذي أصاب الاتحاد الأوربي بخروج بريطانيا , وانغماس أوربة بمشاكلها الاقتصادية وتدفق اللاجئين غير المسبوق , ورد الفعل الغربي الذي اتسم بالضعف والتخاذل تجاه تدخل روسيا باوكرانيا واحتلال جزيرة القرم . كل ذلك شجع روسيا للدخول في الصراع في سورية دون أن تخشى من العواقب .
لقد أظهرت الولايات المتحدة الكثير من التفهم للتدخل الروسي في سورية باعتباره موجها ضد تنظيم الدولة مثلما أعلنت روسيا في وقتها , لكن سنة كاملة مرت على ذلك التدخل أوضحت بجلاء أن الهدف الروسي المعلن لم يكن سوى الذريعة الكاذبة مثلما كانت أسلحة التدمير الشامل التي لم تكن موجودة في العراق ذريعة لغزوه واحتلاله .
واليوم تتعالى الأصوات في الولايات المتحدة التي ترى أن التدخل الروسي في سورية لم يعد في خدمة الاستراتيجية الأمريكية في الحرب على الارهاب بقدر ما هو في خدمة الاستراتيجية الروسية في الضغط على الغرب وابتزازه لدفعه نحو التراجع أمام روسيا ووضعه في موضع الدفاع .
وبالفعل فقد حقق التدخل الروسي في سورية لروسيا استعادة الكثير من هيبتها ومكانتها في السياسة العالمية , مما أعطاها مركزا متفوقا للتفاوض حول مصالحها في الأماكن الأخرى من العالم .
وبعد تآكل قوة تنظيم الدولة في العراق وسورية بحيث أصبحت هزيمته العسكرية قاب قوسين أو أدنى , لم يعد للوجود العسكري الروسي في سورية من فائدة سوى بمنع سقوط النظام وصعود الاسلاميين للسلطة .
لكن السؤال الذي لابد أنه يطرح نفسه على كل المشتغلين في السياسة الخارجية الأمريكية هو : ماهو الثمن الذي يتوجب دفعه لقاء القبول بالدور الروسي والاستسلام له من أجل منع انهيار سريع للنظام في سورية ؟
كل الدلائل تشير الى أن الروس ليسوا بصدد الخروج غدا من سورية حتى لو تبخرتنظيم الدولة وتم القضاء على آخر المسلحين الذين يطيلون لحاهم ويرفعون أصواتهم بالتكبير .فبناء القواعد العسكرية يجري على قدم وساق , والاتفاقات التي تعطي امتيازات غير مسبوقة لروسيا في سورية لايمكن أن تبرم من أجل سنة أو سنتين والوجود العسكري البري الروسي يزداد مع الزمن .
هل يمكن أن يسلم الغرب لروسيا بالسيطرة على سورية وبناء قواعد ثابتة لها فيها ؟
أعتقد أن غربا مهزوما فقط يمكن أن يفعل ذلك .
فسورية هي بوابة العبور للمنطقة العربية برمتها , هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية القصوى لكافة القوى العالمية شرقا وغربا على حد سواء .
فاذا كان مجرد التدخل الروسي المحدود قد أحدث كل هذا التأثير في مكانة روسيا الدولية فكيف سيكون عليه الأمر اذا ما اتخذ التدخل طابع الهيمنة على الدولة السورية والوجود العسكري الواسع والدائم فيها ؟
لست أرغب في اعطاء المسألة السورية حجما مبالغا فيه في السياسة الخارجية الأمريكية , فالجميع يعلم المصاعب التي تواجهها السياسة الخارجية الأمريكية تجاه بلدان مثل كوريا الشمالية , وايران وغيرها , لكن ثماني سنوات من الانكفاء , وغض النظر عن مطامع وطموحات كل من روسيا وايران وصولا للاتفاق النووي مع ايران والذي كان من نتائجه اعطاؤها الضوء الأخضر لزيادة تدخلها في سورية والعراق واليمن ولبنان , والاتفاق مع روسيا والذي كان من نتائجه استفرادها بالساحة السورية واعطاؤها الضوء الأخضر لحملات الابادة والتهجير التي لايمكن أن تقبلها الانسانية في القرن الواحد والعشرين . مثل تلك السياسات الكارثية لاوباما أصبحت بحاجة ماسة للمراجعة ليس من وجهة نظر الأخلاق أو نشر الديمقراطية ولكن من وجهة نظر التحدي الذي يواجهه الغرب في قبول الهزيمة أمام دول مثل روسيا وايران تعتبر كل واحدة نفسها وريثا له كرجل مريض في منطقة ذات أهمية استثنائية .
في أمريكا يتم تداول الرئاسة بين الحزبين الجمهور والديمقراطي كل فترة , فحين يتطلب الأمر تراجع اليمين وانكفاء الولايات المتحدة والانفتاح على المطالب الاجتماعية للطبقات الوسطى والطبقة العمالية نرى صعود الحزب الديمقراطي , وهكذا كان الأمر منذ ثماني سنوات , فأمريكا كانت بحاجة ماسة للانسحاب من العراق , واستعادة صورتها كحاملة لقيم الديمقراطية والسلام بعد الفضائح التي نشرت فيما يتعلق بكذب مبررات الغزو , وأساليب التعذيب في السجون الأمريكية , ونهب أموال العراق وأرصدته , وفشل الادارات التي جاءت بها الولايات المتحدة مع غزو العراق , كما كانت بحاجة لترميم اقتصادها الذي أرهقته الحرب ووضعته الأزمة المالية في وضع لايحسد عليه .
بغض النظر عن تقييمنا لنتائج سياسة أوباما تجاه سورية وايران فقد استطاع بالفعل انعاش الاقتصاد الأمريكي , وتحقيق هدف انسحاب أمريكا من العراق , وساهمت اصوله الأفريقية وبلاغته الخطابية وشخصيته الهادئة المسالمة في القاء الستار على فضائح السياسة الأمريكية وفظاعاتها المرتكبة في العراق .
لكن ذلك الدور المطلوب من الديمقراطيين قد انتهى اليوم , ويتم تهيئة المسرح لاستعادة صورة أمريكا التي يخافها الأعداء ويطلب ودها وحماها الأصدقاء , فالاقتصاد الأمريكي لم يعد في أزمة , وبدلا من سياسة الانكفاء غير المجدية لابد أن تكشر الولايات المتحدة عن أنيابها ثانية , وعلينا أن نتذكر أنه قبل انتخاب ترامب أدلى رئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال مارك ميلي بتصريح مزلزل هدد فيه بطريقة غير مسبوقة كلا من روسيا وايران والصين وكوريا الشمالية مما لايتفق من قريب أو من بعيد مع السياسة الخارجية لأوباما ووزيره كيري , وكأنه يبشر بانتهاء عهد الديمقراطيين وعودة الجمهوريين بلباسهم الميداني .
أخلص للقول : لم تكن صدفة أن يتم انتخاب ترامب الجمهوري العنيف بطبعه وتصريحاته فهو العنوان المناسب لاستعادة اليمين الأمريكي زمام المبادرة واصلاح ما أفسدته سياسة الديمقراطيين من الهبوط بالولايات المتحدة من مركز الدولة الأعظم في العالم الى كونها مجرد دولة كبرى مشلولة الارادة بحيث تستطيع دولة كبرى أخرى كروسيا أن تجعلها تسير خلفها أمام العالم .
Tags: محرر