on
د. حبيب حداد: كل شيء ممكن ماعدا وقفة مراجعة صادقة مع النفس
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
لم تكد تنقضي سوى بضعة أشهر على انطلاقة انتفاضة الشعب السوري المطالبة بالحرية والكرامة والمساواة حتى تبين للجميع ان الحراك الشعبي السلمي الذي شمل كل المحافظات السورية هو احوج ما يكون الى قيادة موحدة تعبر بكل أمانة وثقة عن تطلعات الشعب السوري ، والى روءية سياسية موحدة ترسم بكل جلاء ووضوح صورة ومقومات المستقبل ألديمقراطي المنشود ،والى برنامج عمل يحدد المهمات الانتقالية ويوءكد انتهاج اُسلوب الحل السياسي الوطني امام شعبنا باعتباره الطريق الوحيدالذي تحتمه ظروف ومعطيات الواقع المحلي والاقليمي والدولي ،للخلاص من واقع القهر والاستلاب والاستبداد والانتقال الى حياة العصر ،
لقد كان من المأمول والمتوقع ان تنهض الأحزاب الوطنية القائمة بهذا الدور ، لكن تقييما موضوعيا لحال تلك الأحزاب عند انطلاق هذه الانتفاضة ، التي كان من الممكن ان تكون مشروع ثورة وطنية تحررية ،لو قيض لها ان تواصل مسارها في الاتجاه الصحيح ، يعطينا الجواب على هذا التساوءل من خلال ما واجهته تلك الأحزاب من صنوف الاضطهاد ، والحرمان من ابسط هوامش الحريات الديمقراطية من قبل النظام السلطاني الحاكم ،عداك عن معاناتها المستمرة في المعتقلات والسجون والتصفيات الجسدية. .
هذه كلمة حق يجب ان تسجل ، ليس فحسب لانصاف الأحزاب والحركات السياسية والنخب الفكرية الوطنية السورية على امتداد الأربعة عقود الماضية من عمر النظام الحالي على كل ما قامت به وما بذلته من تضحيات معتبرة لا يمكن ولا يجوز نكرانها ، ولكن وقبل ذلك لإعادة تقييم مسار الانتفاضة وتحديد العوامل والاسباب التي أدت ببلدنا الى الوضع الماساوي الراهن هذا من جهة ،، وحتى ندرك مدى الضرر والأذى البليغين اللذين ألحقتهما معظم تشكيلات المعارضة الخارجية والجموعات الانتهازية التي ركبت موجة الحراك الشعبي واعطت لنفسها مشروعية تمثيل الشعب السوري والنطق باسمه من جهة اخرى
الْيَوْمَ وقد وصلت اوضاع بلدنا الى الحال التي هي عليها ، يجدر بجميع القوى الوطنية الديمقراطية السورية ان تبادرالى توحيد جهودها على قاعدة روءية مشتركة لإنقاذ وطنها من اخطار التمزق والتشظي والاحتلالات الأجنبية ، ولا شك ان أفضل وسيلة للوصول هذه الغاية ان تلتقي جميع القوى والشخصيات الوطنية الديمقراطية حقا ، والتي يعز عليها مصير وطنها في مؤتمر عام تجري فيه مراجعة مسوءولة للسنوات الست المنصرمة . وتقييما شاملا وموضوعيا لمسار الانتفاضة حتى الان ،وليس ذلك من قبيل ممارسة جلد الذات او التركيز على تضخيم الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها ومازالت ترتكبها معظم معارضاتنا الخارجية ولكن هذه المراجعة التي لا بد منها تعتبر قاعدة الانطلاق نحو مرحلة نوعية في مسار الثورة السورية المجهضة في جوهرها ، والتعبير الصادق عن إرادة شعبها . ان الاستمرار في إرجاع كل ما وصلت اليه سورية الْيَوْمَ وما تواجهه من تحديات وجودية الى سياسات ومواقف المجتمع الدولي وأخلاله بالوعودالتي كان قد قطعها لهذا الطيف من المعارضات الخارجية أو الى الدول الإقليمية الضالعة في الماساة السورية ، او الى سياسات النظام وروسيا وإيران والاطراف الاخرى الحليفة هو منطق مغلوط لايؤدي في حصيلته الا الى استمرار وتفاقم الأوضاع الكارثية الحالية لانه يسلك من حيث الأساس الطريق الخاطىء بل المظلم الذي عمل على تغييب إرادة الشعب السوري وارتهان قرار ه الوطني المستقل وضرب وحدته الوطنية وتمزيق عراها في أتون حرب أهلية عبثية مدمرة لن تبقي ولا تذر اذا لم يوضع حد عاجل لها . لقدتحدثت تلك المعارضات عن ضرورة تقويم المسار وتوجيه البوصلة في المنحى السليم ولكنها على صعيد الواقع لم تفعل شيئا بل واصلت نفس ممارساتها القاصرة والمنحرفة مراهنة على استمرارهذه الحرب الجهنمية ومناشدة الدول التي ارتبطت باجنداتها تزويد المجموعات المسلحة على الارض بالاسلحة النوعية التي تحتاجها ، تلك المجموعات التي لا هدف لها ولا مشروع تسعى لتحقيقه الا استكمال تدمير ماتبقى من مقومات بلدنا الوطنية والحضارية ، بعد أربعة عقود مما قام به نظام الاستبداد،
ولعل اخطر أوجه هذا التخبط و الانحراف في ممارسات تلك المعارضات التي ذكرناها ظاهرتان يجدر بِنَا في هذه العجالة تسليط الضوءعليهما . أولهما ان شخصيات ومكونات تلك المعارضات التي جاءت في أغلبيتها كما هومفترض من تيارات ومدارس وطنية وعلمانية ويسارية وماركسية وليبرالية وقومية وحدوية ، قد اوغلت في انحرافاتها المخجلةً وخطابها الغراىئزي المتخلف وممارساتها المدانة شعبيا بعيدا عن المسار الوطني الديمقراطي وعن الحرص على ًًٍصيانة وحماية الوحدة الوطنية وسمو الهوية الوطنيةالجامعة فأصبح عدد كبير من هوءلاء منظرا ضليعا للمشروعات و والجنان الخالدة التي تعد بها المنظمات والمجموعات الإرهابية كما اصبح بعضهم فقهاء اخر زمان الذين يشار لهم بالبنان والذين لا يشق لهم غبار في علم الأديان والمعتقدات وتصنيف الملل والنحل ، ،وأصبح اخرون الذين فسحت لهم الفضائيات المعروفة كل مجال منافحين اشداء عن مظلومية الطوائف والأديان كما اضحى غيرهم خبراء في علم الأنثروبولجيا وعلوم الانسان والاجتماع فنهضوا من سكينتهم التي دامت عقودا ليطالبوا برفع الحيف عن حقوق الأقليات تارة وعن حقوق الأكثريات تارة اخرى معتمدين ومكرسين هذا المفهوم الذي يتناقض مع هدف ومبادىء بناء دولة المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات والكرامة الانسانية متجاهلين ان الشعب السوري بجميع مكوناته كان ضحية القهر والتهميش والاستلاب ، فعلا لقد جلبت هذه الظاهرة التي ترجع الى قصور وتخلف الوعي العام في مجتمعاتنا والى ضعف الالتزام الوطني ، اكبر تشويه لهوية شعبنا وتاريخه الوطني الحضاري الناصع الذي تجلى في كل المنعطفات الصعبة ، كما أسهمت هذه الظاهرة الى حد كبير في عزلة كفاح شعبنا وحرمانه ، الى حد كبير ، من تعاطف ودعم قوى الحرية والتقدم والعدالة في العالم اجمع
اماالظاهرة الاخرى في رحلة التخبط والمقامرة والانحراف في ممارسات تلك المعارضات تجاه القضية الوطنية فانه يمكن اعتبارها نتيجة منطقية للخط الذي انتهجته في تغييبها لارادة شعبها والتفريط بكل مقومات وعناصر قدراته الذاتية وفِي مقدمتها وحدته الوطنية وانخراطها كأدوات تنفيذية لا حول لها ولا قول في كل ما تتوافق اوتتواطا عليه مصالح الدول النافذة في المنطقة ، . فبعد ان دمر العامل الذاتي لكفاح شعبنا من اجل الحرية والانعتاق ، وبعد ان شعرت تلك المعارضات بافلاسها وخيبة املها في كل ماتبنته وسوقته لم يعد أمامها الا المراهنة على نتائج التغييرات التي قد تأتي بها الانتخابات النيابية او الرئاسية في الدول التي أصبحت تتحكم بمصيرنا كما هي الحال في مواقف تلك المعارضات في استمرار عقدها الامال الكبار على الادارة الامريكية القادمة معتقدة بضيق أفق وبساطة في الإدراك ان سياسات هذه الادارة القادمة ستختلف كليا عن إدارة اوباما الحالية بشأن تعاملها مع الأزمة السورية والوضع في منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة . الا يذكرنا كل هذا ان الوضع هنا لا يختلف عن مواقف الأنظمة العربية المتسمة بالعجز والتقصير الفاضح عن القيام بأبسط التزاماتها تجاه تدعيم أسس التضامن والعمل العربي المشترك ، وتخليها عن واجباتها تجاه القضية الفلسطينية التي اعتبرتها القضية المركزية لشعوب الأمة كلها ، وذلك عندما كانت تلك الأنظمة تنشغل الى حد كبير وتولي كل اهتمامها للانتخابات الإسرائيلية مراهنة ان فوز حزب العمل بدل حزب الليكود يمكن ان يفتح الطريق ويهيئ الأجواء المناسبة لاستئناف ماسميت بمفاوضات التسوية السياسية !!!
تلك كانت مواقف وأفعال وتصرفات طيف واسع من معارضاتنا طوال السنوات الماضية ، والتي كان حصادها المر ما نحن فيه الان ، وما يواجهه وطننا من تحديات خطيرة وخيارات صعبة . هذه المعارضات التي رأت في كل ما ارتكبته من اخطاء وخطايا أمرا مشروعا ومبررا ومباحا لها ، ما عدا ان تقف وقفة صادقة مع نفسها تراجع فيه تجاربها ،وتستعيد وعيها ووطنيتها ، من اجل تصويب مسارها واستعادة ثقة شعبها .
اقرأ:
د. حبيب حداد: كيف تعاملنا نحن السوريين مع هويتنا الوطنية حتى الآن (3-3)
Tags: محرر