الإنترسيبت: كيف انتفض ثوار سورية المنسيون لقتل هذا الخوف..؟!

الإنترسيبت- ترجمة محمود محمد العبي: السوري الجديد

عندما خرج ناجي الجرف من مبنى للمكاتب في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، صعد رجل باتجاهه وأطلق رصاصتين من مسدس كاتم صوت في رأس وصدره؛ فقتله على الفور.

كان الجرف (38 عاما) مخرج الأفلام والصحافي السوري الذي أصبح أحد النشطاء المعروفين خلال الثورة. من أشد المنتقدين لكل من نظام الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية. تلقى الجرف العديد من التهديدات بالقتل في الأشهر التي سبقت مقتله. و بعد وقت قصير من مقتله، أصدر تنظيم الدولة الإسلامية بياناً أعلن فيه مسؤوليته عن العملية، واعتقلت السلطات التركية ثلاثة رجال على صلة بإطلاق النار.

ليس الجرف سوى واحد من النشطاء الثوريين السوريين الكثر ممن فقدوا حياتهم خلال السنوات الخمس الماضية.

ساعد ناجي في تدريب جيل من الشباب السوري على مواصلة النضال في سبيل الديمقراطية في بلدهم. لكن قصته وقصص أمثاله من الذين لا يزالون يكملون روح انتفاضة عام 2011، نادراً ما تسجل في قصص وحكايات الصراع. من أجل كل ما ضحوا، ظل كفاحهم منسياً ومتجاهلاً إلى حد كبير في جسد الصراع، وهو ما كان ملائماً لحكومة الأسد.

قالت لي ليلى الشامي، التي شاركت في تأليف كتاب “حرق البلد: السوريون في الثورة والحرب”: “لقد بذلت الحكومة السورية جهوداً جبارةً لتأطير الصراع في جعله فقط صراعاً بينه وبين الجماعات المتطرفة. لا يدرك الناس أن هناك خياراً ثالثاً في سورية، وهو أن هناك العديد من السوريين من خلفيات عريضة ما زالوا يناضلون في سبيل الأهداف الأصلية للثورة”. وأضافت الشامي: “لدى سوريا الكثير من الأبطال، ولكن لا يعرف الناس في كثير من الأحيان من هم”.

كان خليفة الخضر -وهو واحد من أولئك الذين لامست حياته حياة ناجي الجرف-  طالباً في جامعة حلب عندما بدأت الحرب، ينتمي الخضر الآن إلى جيل جديد من الكتاب والصحفيين الملتزمين بحمل أهداف الثورة.

في الأسبوع الماضي في غازي عنتاب على الحدود التركية السورية، جلس الخضر يشرب الشاي في مطعم صاخب في الهواء الطلق، يقف بين الفينة والأخرى لتحية شباب سوريين آخرين الذين يعتبرون الآن هذه المدينة التركية وطنهم.

أخبرني الخضر: “عندما بدأ كل هذا، كنا أصغر من أن يكون لدينا أية أيديولوجية. وكان السبب في انتفاضنا فقط لقتل الخوف. لقتل هذا الخوف الذي كنا جميع نعيشه كمجتمع”.

بدا الخضر أصغر من سنه الـ 23 سنة. ارتدى نظارات، وسترة برتقالية، ووشاحاً بيج اللون ملفوفاً حول عنقه. وكانت الثورة قد بدأت عندما كان في سن الـ 17، وقد استنفذت حياته ونظرته للعالم.

على الرغم من هيئته الشابة، تحدث بكثافة جدية لشخص بلغ سن الرشد أثناء الحرب. على هاتفه المحمول، كانت خلفية الشاشة لصورة لفتاة سورية شابة قُتِلت في القصف الحكومي على مدينة إدلب.

يقول الخضر مستذكراً: “عندما بدأت المظاهرات في جامعة حلب منذ عدة سنوات، تظاهرنا فقط لمدة 15 أو 20 دقيقة  لإظهار تضامننا مع المدن الأخرى التي تعرضت للهجوم، ومن ثم تفرقنا قبل وصول قوات الأمن. نحن لم ندعُ لسقوط الأسد في البداية، دعونا فقط لإزالة قوانين الطوارئ والسماح بحيز من الديمقراطية في البلاد”.

عندما قابلت الحكومة تلك المظاهرات بالعنف الوحشي، رأى الخضر ازدياد مشاعر الاستياء بين زملائه الطلاب، والآن أدركوا أن الحكومة ستختار القوة نيابة عن الإصلاح التدريجي، ولذلك بدؤوا بالدعوة إلى إسقاط النظام. كما تحدث البعض عن حمل السلاح دفاعاً عن النفس.

في صيف عام 2012، اجتاح حلب مقاتلون من ثوار القرى المحيطة بها، واستعادوا العديد من المناطق الرئيسية من سيطرة الحكومة. بالنتيجة تنوعت ردود فعل الناس في حلب بشأن وصول الثوار. حيث شعر بعض السكان الأثرياء بعدم الارتياح من تدفق المقاتلين الريفيين الفقراء، حتى بين أولئك الذين دعموا الانتفاضة، هناك انقسامات ومخاوف. أما الخضر فلم يشاركهم الرأي. حيث قال: “كنت متحمساً، وشعرت أننا كنا على وشك أن نكون جزءاً من شيء سيساهم بتحرير البلاد”.

ولكن عندما وصلت الحرب إلى طريق مسدود، ترك كثير من الناس حلب، ثم غادروا سوريا نفسها. ولكن كان الخضر من بين النشطاء الذين بقوا، حيث كان يستمر بالثورة بوسائل أخرى؛ بناء أرشيف صور ومقاطع فيديو لتوثيق التطورات في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، والكتابة عن تجاربه وملاحظاته الخاصة عن الانتفاضة.

في أحد المقاطع من ذكريات الماضي، كتب عن صديق طفولة الذين شارك في الثورة، وفي وقت لاحق انضم إلى جماعة تنظيم الدولة الإسلامية:

“تأتي حالة اختناق بين الذاكرة والواقع المرير. يقتلني الاختناق ويمنعني من الحزن عليه. لو كنت مقاتلاً مسلحاً، لوددت قتله في اللحظة التي رأيته فيها في ساحة المعركة؛ والسبب هو لإنقاذ روحه. لمنعه من نقل العدوى للآخرين، لمنع روحه من الغرق في دم الآخرين…لن أرثي أعمالك، حتى لو كان الشخص الذي قتله كان والدي. بينما لديك ولاءاتك الخاصة بك، لدي ولائي لثورتنا، والتي تكون أقدس من ولاءاتك”

كانت ثقافة الثورة قد تركت لنفسها بصمة في شخصية الخضر، كما تركت أثرها على العديد من الشباب السوريين الآخرين. كان تأسيس “سوريا حرة” – خالية من الظلم وداعمة للحقوق الأساسية مثل حرية التعبير والمساواة في المعاملة في ظل القانون قد أضحى غاية موجِهة لحياته. مثل كثيرين آخرين، شعر الخضر بأنه مجبر على الكتابة وللبحث عن الشباب السوريين الواعين.

التقى الخضر بالجرف للمرة الأولى عبر وسائل الاعلام الاجتماعية قبل ثلاث سنوات. كان الخضر منشغلاً في حوار مع نشطاء من الشباب السوريين في الفيسبوك عندما أُعجبَ الجرف- المعروف للعديد منهم كمحرر في وسيلة إعلامية ثورية سورية “حنطة”- بحالته، وهي جزء من اقتباس في الفيسبوك: “لا يعيش الناس على الخبز وحده”. وبدأ الاثنان بالتراسل، ودعى الجرف الخضر للمشاركة في ورشة عمل في وسائل الإعلام كان قد نظمها للشباب الناشطين في جنوب تركيا، حيث كان الجرف يقيم ذلك الحين.

أصبح الجرف معلماً ومرشداً للخضر، مشجعاً إياه على تطوير كتاباته وعلى نشر مقالاته بشكل دوري في “حنطة”. وبينما عاش الخضر في منازل الأقارب والأصدقاء في مناطق مختلفة تسيطر عليها المعارضة في سوريا، اجتاز الحدود إلى غازي عنتاب بين الفينة والأخرى بغية لقاء الجرف وناشطين آخرين.

في الهدوء النسبي في تركيا، قضى الاثنان أياماً في الكلام والتفكير عن مستقبل بلادهم؛ المناقشات التي ساعدت في تشكيل وجهات نظر الخضر وغيره من الناشطين الشباب جديدة عن العالم.

وقال خضر لي: “اختبر السوريون العلمانية والقومية والإسلامية، وفشلت جميعها بطرق مختلفة، والحقيقة هي أنه لا يهم توجه الحكومة في حد ذاته، ما يهم هو أن يحترم النظام الحاكم حقوق المواطنين ويحميهم من الظلم”.

في ظل نظام الأسد، أضحت سوريا دولة بوليسية التي كانت سجونها سيئة السمعة بسبب التعذيب والقتل والاعتقال لأجل غير مسمى. حيث فقد العديد من الناشطين- بما في ذلك غياث مطر المعروف باسم “غاندي سوريا”، والفيلسوف السوري الفوضوي عمر عزيز- حياتهم في سجون الاعتقال في سوريا نتيجة التعذيب.

قال الخضر: “حتى قبل الثورة، نشأنا جميعاً ونحن نسمع قصص عن أناس اختفوا، وعرفنا الخوف الذي نتج عن ذلك”. وأضاف: “الآن أحلم ببلد بـلا سجون؛ بلد حيث يتم فيه نهائياً إزالة الخوف الكلي الذي ميز حكم البعث”

يقلل أو يقصي السرد الخارجي للصراع السوري- الذي يركز بشكل حصري على أعمال الجماعات المسلحة والدول- بعداً كبيراً. عزز الثورة مجتمع مدني سوري يواصل الكفاح من أجل مستقبل البلاد. ففي جميع أنحاء المدن والبلدات الصغيرة في سوريا، في المناطق التي خرجت عن قبضة الحكومة المركزية وخالية من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، تعمل المجالس المحلية على توفير نوع من الحكم الديمقراطي في بلد لم يعرف في تاريخه الحديث سوى الدكتاتورية. وقد ظهرت مجموعة كبيرة من الصحف الجديدة المستقلة، والمحطات الإذاعية، وشركات إنتاج الفيديو لإيصال صوت الشعب الذي كان لفترة طويلة إما مكتوم أو مجبر على اتباع الدعاية البعثية ذات النمط السوفيتي.

انقلبت حياة الخضر- مثل حياة الكثير من السوريين الآخرين من جيله- بلا رجعة بسبب أحداث الثورة. على الرغم من أنه لا يزال شاباً، ينشر ويفرز ثقة عاصفة واتزاناً : “كل أصدقائي القدامى عندما كنت مجرد طالب، فقدتا الاتصال معهم ولا نتحدث الآن أبداً” قال مشيراً وهو يُقَّلب حبات مسبحة الخرز حول أصابعه. “كل من هو صديق لي اليوم، هو ممن  شاركتهم التجارب أثناء الثورة”.

عاد الخضر إلى سوريا في كانون الأول/ ديسمبر الماضي عندما تلقى رسالة تبلغه أن ناجي الجرف قد قُتِلَ. في منشور على الفيسبوك ذلك اليوم، عبر الصحفي السوري رامي جراح عن أسفه أن أشخاصاً مثل الجرف- الثوريين المدنيين السوريين الذين ضحوا بأرواحهم من أجل حرية البلاد – تم إخراجهم من التاريخ.

وكتب جراح: “السوريون الذين كرسوا الكثير من أجل مبدأ، ووقفوا ضد الطغيان والتطرف، لم يتلقوا أي اعتراف حقيقي. وتقّر فوضى التضليل هذه أن هناك طرفان يتقاتلان (الأسد وداعش) مع ذكر القليل عن أولئك الذين يعارضون كلا الطرفين. هؤلاء الذين مثل ناجي”.

في المجتمعات الإسلامية، عادة ما تعقد الجنازات في غضون أيام قليلة من الوفاة. وعلى الرغم من رغبة الخضر العارمة، إلا أنه لم يتمكن من عبور الحدود إلى تركيا في الوقت المناسب بغية حضور وداع صديقه،  وقال لي والحزن يزحف إلى صوته: “لدى الموت معنى مختلف في الثقافات المختلفة. في البداية تنفجع وتحزن، ولكن بعد ذلك، عندما يشرع الكثير بالموت، عليك أن تجد وسيلة لوقف الحداد والحزن عليهم”.

“عندما أفكر بناجي الآن، أتذكر الأشياء التي علمني إياها وأقول: ذاكرتك سبيلي”.

اقرا:

الإنترسيبت: نيويورك تايمز تمتدح الحملة ضد داعش وتتجاهل تماما مئات القتلى المدنيين