واشنطن بوست: نخبة السياسة الخارجية في واشنطن تختلف مع أوباما حول سفك الدماء في سوريا

واشنطن بوست- ترجمة ريما قداد: السوري الجديد

هنالك ركن وحيد في واشنطن تُعامَل فيه حملة دونالد ترامب الرئاسية التي تتبع سياسة الأرض المحروقة، على أنها مجرد تسلية وذلك حيث يسود التعاون بين الحزبين.
وفي العالم المخلخل لمؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن، يتلقى الناس رحيل الرئيس باراك أوباما، مع عودة محتملة لهيلاري كلنتون المرشحة التقليدية والمتشددة على نحو أكبر، براحة تامة.
أما الجمهوريون والديمقراطيون الذين يشكِّلون نخبة السياسة الخارجية إنما يضعون أسساً لسياسة خارجية أمريكية أكثر حزماً. وذلك عن طريق سلسلة من التقارير صاغها مسؤولون من المحتمل أن يشغلوا مناصب عليا في إدارة كلنتون المحتملة للبيت الأبيض.
وليس من الغريب لمؤسسة واشنطن أن تشرع بدراسات كبرى في الأشهر الأخيرة من إدارة ما لتصحيح أخطاء أُدرِكت مؤخراً لأحد الرؤساء أو للتأثير في من سيخلفه. لكن الطبيعة الحزبية للتوصيات الأخيرة، التي جاءت في وقت لم تكن فيه البلاد يوماً أكثر استقطاباً، تعكس إجماعاً ملحوظاً في أوساط نخبة السياسة الخارجية.

وكان الدافع وراء هذا الإجماع هو ردود أفعال واسعة النطاق على تصرفات رئيسٍ قد أكد مراراً وتكراراً مخاطر التجاوز للقوانين والحاجة إلى ضبط النفس، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. ويقول في ذلك “فيليب غوردون”، مستشار رفيع المستوى في السياسة الخارجية للرئيس أوباما حتى عام 2015: “هناك اعتقاد سائد بأنك عندما لا تكون نشطاً بما فيه الكفاية أو عند إدراكك لحدود القوة الأمريكية فذلك يكلف الكثير. لذا فالبديل الطبيعي هو أن تكون مؤيداً للتدخل على نحو أكبر”.
وفي حالات أخرى، يتجسد النشاط في التنبيه حول دعوة ترامب الولايات المتحدة للتراجع عن دورها في أن تكون كفيلاً عالمياً للأمن.
وقال “مارتن إنديك”، المشرف على فريق من كبار المسؤولين السابقين في إدارة كلٍّ من أوباما وجورج بوش وكلنتون، الذين تضمهم مؤسسة بروكينغز: “لقد أصبح النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة والذي كان سائداً منذ الحرب العالمية الثانية، أصبح الآن تحت التهديد. والسؤال يتعلق في كيفية ترميم ذلك النظام وتجديده”. وجاء ذلك في تقرير بروكينغر المقرر في شهر ديسمبر/ كانون الأول.
وتدعو هذه الدراسات والتقارير، إذا ضُمت إلى بعضها، إلى تحرك أمريكي أكثر عدوانية لكبح جماح إيران والسيطرة على الفوضى في منطقة الشرق الأوسط ومراقبة روسيا في أوروبا.
كما تتعارض الدراسات، التي تعبر عن وجهات نظر كلنتون المعلنة، بقوة مع أوباما حول الشأن السوري. وفي الواقع، تدعو هذه الجهود جميعها، بما فيها تقرير صدر يوم الأربعاء عن المركز الليبرالي للتقدم الأمريكي، تدعو إلى تصعيد العمل العسكري بغية ردع نظام بشار الأسد والقوات الروسية في سوريا.
وتشمل التدابير العسكرية المقترحة دعوات لإنشاء مناطق آمنة لحماية قوات المعارضة المعتدلة من القوات السورية والروسية. وتقترح معظم الدراسات تنفيذ ضربات جوية أمريكية محدودة واستخدام صواريخ كروز لمعاقبة الأسد في حال استمر بالاعتداء على المدنيين وقصفهم بالبراميل المتفجرة كما يجري الآن في مدينة حلب المحاصرة. آما أوباما فقد رفض، وبشدة، أي تحرك عسكري ضد نظام الأسد.

وقالت وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، التي تدير فريقاً دولياً مؤلفاً من كلا الحزبين يراقب استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لصالح المجلس الأطلسي: “إن الحاجة الملحة الآن تقتضي القيام بأي شيءٍ لتخفيف الأهوال التي يتعرض لها السكان. كما نعتقد بضرورة وجود المزيد من التحرك عسكري، وليس مجرد إرسال قوات أرضية إنما المزيد من تقديم المساعدة من الناحية العسكرية”.
أما ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي السابق لبوش وشريك أولبرايت في تقرير المجلس الأطلسي، قال إنه إذا استمر الأسد بقصف المدنيين، ينبغي للولايات المتحدة عندئذٍ أن تدرس بجدية “استخدام أسلحة المواجهة، من قبيل صواريخ كروز، لتعطيل قوته الجوية فلا يتمكن من استخدامها من جديد”.
لكن تلك الإجراءات رُفِضت مراراً من قبل أوباما وكبار مستشاريه الذين حذروا من أنهم بذلك سيدفعون بالجيش الامريكي لينغمس أكثر في صراع مضطرب في الشرق الاوسط. إذ رفض أوباما، العام الماضي، الدعوات إلى إقامة منطقة حظر جوي في الشمال الغربي من سوريا_ وهو موقف أيدته كلنتون_ واصفاً ذلك الخيار ب”غير المدروس”.
وفي تصريحات خاصة إلى البنوك الاستثمارية، اعترفت كلنتون بأن إنشاء منطقة آمنة كتلك التي أيدتها لن تكون بالأمر السهل كما ستتطلب تدمير الدفاعات الجوية السورية والتي يتمركز الكثير منها في مناطق مأهولة بالسكان. ووفقاً لنصوص تصريحاتها في العام 2013، التي نشرها موقع ويكيليكس، قالت كلنتون: “سيُقتَل بلك الكثير من السوريين”.

وزيادة على ذلك، فمن شأن غارات صواريخ كروز، المصممة بغية تقييد القوات الجوية السورية أو معاقبة الأسد، أن تعرّضنا لمواجهة مباشرة مع القوات الروسية المنتشرة في جميع القواعد العسكرية السورية  الرئيسة التي سيتم استهدافها.
وقال مسؤول بارز في الإدارة، ضليع في سياسة الشرق الأوسط، وقد طلب عدم الكشف عن هويته لمناقشة مداولات البيت الأبيض الداخلية: “لا يمكنك أن تدّعي أن باستطاعتك أن تشارك في الحرب ضد الأسد دون أن تواجه الروس”.
ويعكس الخلاف حول السياسة المتبعة في الشأن السوري خلافاً أوسع بين البيت الأبيض بإدارة أوباما ومؤسسة السياسة الخارجية، وذلك فيما يتعلق بأفضل السبل لممارسة القوة الامريكية في عالم خطير تعمه الفوضى. وقد تصاعد ذلك التوتر على مر السنين، إلا أنه لم يظهر للعلن إلا العام الماضي.
ولطالما انتقد أوباما “قواعد اللعبة” التي تمارسها واشنطن واشتكى من أنها تُخِلُّ في دور القوات العسكرية الأمريكية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
وقال أوباما في لقاء له مع صحيفة “Atlantic” في وقت سابق من هذا العام: “ستكون قواعد اللعبة تلك ناجحة، في الوقت الذي تتعرض فيه أمريكا للتهديد على نحو مباشر. لكن من الممكن لتلك القواعد أيضاً أن تكون فخاً.. سيُحكَم عليك بقسوة إن لم تتبعها، حتى وإن كانت لديك أسباباً مقنعة توضح عدم تطبيقك لها”.
وداخل البيت الأبيض، رفض مسؤولون رفيعو المستوى باستمرار دعوات مؤسسة السياسة الخارجية لاستخدام القوة العسكرية بوصفها نتاجاً “للكثير من الإجماع.. والقليل من المعرفة” وذلك حسب ما وضعها “ديريك شوليت”، مسؤول سابق رفيع المستوى في إدارة أوباما، في كتابه الجديد بعنوان “اللعبة طويلة الأمد”.
كما أشار مسؤولون آخرون في البيت الأبيض بصورة ساخرة إلى خبراء واشنطن في السياسة الخارجية ب”الفقاعة”.

وما من أحد تقريباً من نخبة السياسة الخارجية يدعو إلى العودة إلى سياسيات إدارة بوش التي أدت إلى الإطاحة بصدام حسين واحتلال العراق الذي كلف الكثير. ولكنهم بدلاً من ذلك يؤيدون حلاً وسطاً بين سياسة التدخل التي اتبعها بوش وسياسة الانكماش التي يتبناها أوباما في الشرق الأوسط.
وعلق هادلي على ذلك بقوله: “لقد يأس الجميع من الشرق الأوسط نوعاً ما. فقد مكثنا فيه قرابة 15 سنة والكثير من الأمريكيين يعتقدون أنه لا أمل منه. لكننا لا نعتقد ذلك”.
وإن شعوراً مماثلاً يتجسد في تقرير مركز التقدم الأمريكي، يساري الانتماء، الذي يدعو إلى المزيد من العمل العسكري لمواجهة العدوان الإيراني. كما يدعو إلى المزيد من الحوار مع حلفاء الولايات المتحدة العرب والمزيد من الدعم للإصلاح من وضع  الحقوق الإنسانية والاقتصادية في المنطقة.
وبينما كانت النخبة من كلا الحزبين تتنازع حول احتلال العراق، قال “برايان كاتوليس”، محلل بارز لشؤون الشرق الأوسط في مركز التقدم الأمريكي: “إن هذه المرونة تختلف كلياً عن تلك التي شهدتها منذ عقود”. وينصب تركيز نخبة السياسة الخارجية اليوم على إعادة بناء “أممية أكثر وسطية” وأكثر قوة.
أما إن كانت تلك السياسة تلقى تأييداً لدى الجمهور الأمريكي, المستاء من الحرب في الشرق الأوسط والمعارض إلى حد كبير للمساعدات الخارجية، أم لا، فهذا الأمر ليس واضحاً بعد.
وأضاف كاتوليس: “هنالك الكثير من الأسس المشتركة بين هذه الدراسات. لكنني أخشى أننا ربما سنتحدث إلى بعضنا البعض ونتفق بعدها، لكن تبقى المناقشات بمعزلٍ عن الجماهير ورأيهم فيها”. 

اقرا:

واشنطن بوست: 4 خرائط تشرح الفوضى في الشرق الأوسط