on
د. رياض العيسمي: ترامب والسياسة الأمريكية المتوقعة في الشرق الأوسط -2-
د. رياض العيسمي: كلنا شركاء
بالرغم من اختلاف الرئيس المنتخب ترامب عن كل رؤساء الأمريكيين الذين سبقوه، جمهوريين كانوا أو ديمقراطيين، إلا أنني اعتقد بأن السياسة التي سينتهجها تجاه الشرق الاوسط لن تختلف كثيراً عن المنحى العام لسياسة الولايات المتحدة التقليدية في الشرق الأوسط بعد ان حاول الرئيس أوباما حرفها عنه.
وكان فشله في تحقيق نتائج مهمة ومباشرة كما كان يطمح في الشرق الأوسط قد أضر به شخصيا وأضر بمصالح وسمعة الولايات المتحدة كقوة عظمى. والتي كان ترامب قد تعهد باستعادتها. وعليه ستكون سياسة ترامب في الشرق الأوسط بمثابة ترميم لسياسة أوباما والتجاوب مع متطلبات المرحلة. وأيضا التناغم مع خصوصية ترامب نفسه. وعليه يمكن تلخيص سياسة ترامب في الشرق الأوسط بما يلي:
أولاً: استمرار الحرب على داعش ومحاولة التطبيع الشامل مع إسرائيل
أعتقد بأن ترامب سيستمر في محاربة داعش عبر إشراك قوات برية من كل دول المنطقة بما فيها مصر. والتي يرغب ترامب بإعادة التركيز على دورها الفاعل في المنطقة وبالتنسيق مع إسرائيل. هذا في الوقت الذي سيحاول فيه إيجاد تسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين وإنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي مثل كل الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه. إلا أنني أعتقد بأنه سيعتمد، وبحكم خبرته وتوجهاته، على مقاربة مختلفة. والتي تركز على الدخول إلى المنطقة من باب الإعمار والتنمية الاقتصادية. وقد تكون الفرصة اليوم مناسبة لإسرائيل أكثر من أي وقت مضى لكي تحقق بالسلام ما لم تستطع تحقيقه بالحرب. وذلك بوصول العرب إلى أضعف مرحلة في تاريخهم الحديث، ومنذ تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948. وأيضا بوجود داعش الذي يمهد الحرب عليها إلى تفتيت المنطقة وإعادة رسمها على أسس طائفية ودينية تُضعفها وتقوي دولة إسرائيل. ولهذا إذا ما كانت متلازمة أوباما في مشروعه للشرق الأوسط بين الديمقراطية وإنهاء الصراع العربي– الإسرائيلي، فمتلازمة ترامب ستكون بين الحرب على داعش والإرهاب وفرض تسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين وإنهاء الصراع العربي– الإسرائيلي.
ثانياً: إقامة علاقة استراتيجية مع تركيا على أساس التعاون وتلاقي المصالح
لا بد وأن يكون هناك حوار استراتيجي بين إدارة ترامب وتركيا في الفترة المقبلة. وهذه مصلحة أمريكية بالدرجة الأولى بحكم العلاقة الطويلة والمتميزة بين البلدين. وأيضا بحكم مصلحة ترامب نفسه. والذي لديه استثمارات وعلاقات تجارية في تركيا. ولا بد من أن ينطوي الحوار على تفهم أمريكي لقلق تركيا بخصوص وضع الأكراد السوريين على حدودها. وأيضا تقدير دورها كشريك استراتيجي في الحرب على داعش. خاصة وأن تركيا تستضيف القواعد الجوية الأمريكية بما فيها قاعدة إنجيرليك الاستراتيجية. وهي عضو في حلف شمال الأطلسي. وكان السفير الأمريكي السابق في تركيا ومدير معهد ماكين للدراسات، كيرت فولكر، قد أنتقد إدارة الرئيس أوباما في عدة مناسبات لعدم تفهمها الموقف التركي. وعدم إجراء حوار استراتيجي معها بخصوص مخاوفها والتنسيق معها في شؤون المنطقة والتي تشكل فيها تركيا دولة إقليمية مهمة. إلا أن أوباما وبدفع من كلينتون عندما كان يتوقع بأنها ستنجح في الانتخابات بدأ بترميم العلاقة مع تركيا بعد الانقلاب الفاشل وبما سمح لها الدخول في سورية، وتشكيل منطقة عازلة على حدودها الجنوبية.
ثالثاً: طمأنة السعودية ودول الخليج على مستقبلهم وتحجيم دور إيران في المنطقة ودون إلغاء الاتفاق النووي
لا بد للسعودية ودول الخليج أن تعود في المرحلة القادمة في ظل إدارة ترامب إلى سابق عهدها. وكما كانت صديقة مهمة للولايات المتحدة، بالرغم من كل التسهيلات التي قدمتها الولايات المتحدة لإيران في عهد باراك أوباما. كما ولا بد للولايات المتحدة من أن تنخرط بشكل أكبر وأكثر فاعلية لحلحلة الأزمة اليمنية. والتي كانت قد أرهقت السعودية طوال العامين الماضيين بسبب إصرار إيران على دعم تمرد الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح. وهو دعم كانت الولايات المتحدة قد غضت الطرف عنه منذ أن بدأت المرحلة الأخيرة من مفاوضات إيران مع الولايات المتحدة والدول الأوربية (5 +1) على الاتفاق النووي. إلا أنني لا أعتقد بأن إدارة ترامب ستمضي في إلغاء الاتفاق النووي مع إيران بالرغم من كل الوعود والتهديدات التي أطلقها ترامب نفسه والأعضاء المرتقبين في حكومته المعاديين لإيران والرافضين للاتفاق النووي معها. مثل جيمس ماديس المرشح لحقيبة الدفاع ومايك بومبيو المرشح كمدير للسي أي أيه. وذلك لأن إلغائها الاتفاقية يزيد من الأمور تعقيدا في الشرق الأوسط. وبما يدفع إيران إلى إعادة التخصيب والدفع بتجاه تعجيل إنتاج القنبلة النووية. وهذا ما لا ترغب به الولايات المتحدة، وترفضه إسرائيل. ومنع إيران من المضي في هذا الاتجاه يحتاج إلى ضربة عسكرية أمريكية مكلفة ونتائجها غير مضمونة. إلا أن إدارة ترامب ستوجه رسالة واضحة لإيران بضرورة التزامها بالاتفاق المُبرم حول برنامجها النووي، وعدم ربطه بتوسيع نفوذها في المنطقة. وإن نفوذها في المنطقة سيكون محدود بحجم دورها الإقليمي المسموح به. وضمن توافقات دولية وإقليمية، وبما يخدم مصلحة إسرائيل تحديداً.
رابعاً: التشدد مع الروس والضغط على بوتين ودون دفعه إلى ارتكاب الحماقة
بالرغم من كل التصريحات الودية من قبل ترامب تجاه بوتين والتي أطلقها إثناء حملته الانتخابية، والمجاملة التي سمعها منه عندما هاتفه مُباركا، إلا أن ترامب لن يستطيع أن يعيد لأمريكا عظمتها كما وعد في حملته الانتخابية، وروسيا باتت اليوم في موقع أقوى منها في أوربا والشرق الأوسط. ولهذا لن يستطع ترامب أن يربح المعركة المؤجلة مع بوتين حول مصير جزيرة القرم وشرق أوكرانيا ورسم خطوط التماس بين أوربا وروسيا، قبل أن يسحب منه عناصر القوة في الشرق الأوسط. وفي سورية تحديدا. هذا وبالرغم من حالة الاستنزاف التي كان أوباما قد وضع بوتين فيها، إلا أن بوتين يُعتبر وحتى اللحظة الرابح الأول في حرب الوكالة في سورية. وفي مقالة لمايكل كفومان، الزميل في مركز ويدرو ويلسون في معهد واشنطن بعنوان
” النجاحات العسكرية في سورية تعطي بوتين اليد العليا في الحرب الأمريكية الروسية بالوكالة“ نُشرت في صحيفة النيويورك تايمز بتاريخ 6 أغسطس- آب 2016، قال فيها: “لقد كسبت روسيا الحرب بالوكالة – في الوقت الراهن على الأقل. ولقد أعطت نجاحات روسيا في ميادين المعارك في سورية لموسكو، المعزولة من جانب الغرب بعد ضمها شبه جزيرة القرم وتوغلاتها الأخرى في داخل أوكرانيا، رافعة جديدة في القرارات المتعلقة بمستقبل الشرق الأوسط.” كما وإن وجود بوتين العسكري في سورية كان قد فرض واقعا جديدا سيصعب على ترامب تغيره بالطرق التقليدية. حيث استغل بوتين قيادة أوباما من الخلف وعدم رغبته في وضع قوات أمريكية على الأرض، لينسج علاقات ودية وتحالفات ومصالح متداخلة مع كل الأطراف الإقليمية الفاعلة في الأزمة السورية. ففي البداية نسق مع الإسرائيليين والإيرانيين. ولاحقا مع الأتراك والسعوديين. وأيضا فتح قنوات عسكرية ودفاعية مع الأردن. وكذلك انفتح على حكومة العراق في بغداد. وبنفس الوقت أبقى كل خطوط الاتصال مفتوحة مع حكومة إقليم كردستان العراق في أربيل. وأيضا نسج علاقات مع أكراد سوريا (جماعة صالح مسلم). وبحيث أصبح بوتين اللاعب الأساسي على الأرض.
والقائد الذي تحتاج كل الأطراف العودة إليه إذا ما أرادت تحقيق مصالحها من خلال أية تسوية يمكن أن تقوم في سورية. ولهذا ستكون مهمة ترامب صعبة ومعقدة في تفكيك كل هذه العلاقات التي نسجها بوتين في فترة أكثر من عام على وجود قواته في سورية، وإعادة تركيبها لمصلحته ومصلحة الولايات المتحدة. خاصة وأن بوتين كان قد تحدى الولايات المتحدة ودول حلف الناتو بتدخله في شؤون أوكرانيا الداخلية واحتلاله وقضمه شبه جزيرة القرم. ويمكن إذا ما شعر بوصوله إلى حافة الهزيمة أن يرتكب الحماقة بدفع العالم إلى حرب عالمية ثالثة ستكون كارثية على الجميع وبما فيهم روسيا نفسها. حيث أن سقوط روسيا ليس من مصلحة أحد بما فيها الولايات المتحدة التي مازالت تعاني من سقوط الاتحاد السوفييتي المفاجئ. ولهذا سيحتاج ترامب إلى استخدام مهاراته في ممارسة دور القائد الذي يستطيع إلحاق الهزيمة بخصمه بإيصاله إلى حافة الهاوية ودون دفعه إليها. ومن ثم يمد له يد الإنقاذ. وفي مقالة بعنوان “الخطوة القادمة لحلف الناتو” للجنرال المتقاعد والقائد السابق لحلف الناتو في مركز أوربا فليب م بريدلوف نُشرت في عدد تموز- آب من عام 2016 في مجلة الفورين أفيرز الأمريكية. جاء فيها “إن الأفعال التي نقوم بها تمثل بداية قوية. لكنها غير كافية. وذلك لأن أسس أية استراتيجية لنا في أوربا لا بد وأن تستند على الإدراك بأن روسيا تمثل تهديد وجودي للولايات المتحدة وأروبا وحلفائهم. وكذلك للنظام العالمي. إن روسيا مصممة أن تبرز نفسها كقوة عالمية عظمى من جديد. وكانت قد عبرت عن هذا الطموح في أكثر من مناسبة. والأمثلة على ذلك كثيرة. ومنها إجرائها محاكاة هجوم استفزازي على قوات أمريكية والتي تمثلت بالتحرش ببارجة “يو أس أس دونالد كوك في بحر البلطيق في آبريل– نيسان الماضي. وكذلك محاولة استعادة أجواء الحرب الباردة بتحليق طائراتها القاذفة بمحاذاة سواحل الولايات المتحدة. وماذا يمكن أن يكون أكثر استعراضا للقوة من تدخل روسيا السافر في سوريا. إن موسكو مصممة على استخدام أية فرصة تلوح لها لتوسع من نفوذها خارج حدودها. وذلك لأن الكرملين ينظر إلى الولايات المتحدة ودول حلف الناتو الأخرى كخصوم أساسيين. كما ويعتبر علاقته بالغرب هي عبارة عن معادلة صفرية. ويؤكد بأنه لا بد للولايات المتحدة أن تفرض على روسيا تغيير حساباتها قبل أن ترتكب حماقة أكبر“.
-يتبع-
اقرأ:
د. رياض العيسمي: الرئيس ترامب والشرق الأوسط
Tags: مميز