on
د. حبيب حداد: من هي القوى التي ستقرر مصير سورية بعد اليوم
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
أمر طبيعي ان يكرر السوريون على أنفسهم في كل وقت طرح السؤال المتعلق بغدهم وبمصير بلدهم بقولهم : وماذا بعد ؟ الا يكفي كل ما لحق بنية هذا البلد من تخريب ودمار وما قدمه هذا الشعب من سيول دماء وتضحيات جسام ؟ وهل كان قدر سورية ان تكون بؤرة الصراع المركزية لحروب الآخرين فيها وعليها من اجل تصفية حساباتهم وخدمة مصالحهم وتنفيذ استراتيجياتهم القريبة والبعيدة ,وان تكون بالتالي المسرح الدامي والوحيد الذي يراد له ان يكون الحاضنة لولادة النظام الدولي الجديد , وطي صفحة النظام الحالي الى غيررجعة , نظام الهيمنة الأحادي القطب على اوضاع عالمنا ؟ . السوريون , سواء في الشتات اوفي داخل بلدهم و في كل وقت , يتساءلون متى تتوقف فصول المأساة المهددة لوجودهم الإنساني ولما تبقى من مقومات كيانهم الوطني . وبين تناوب مشاعر اليأس والإحباط من جهة ومشاعر الرجاء والتفاؤل من جهة ثانية يقطع الانسان السوري ساعات يومه متعللا بامكانية ان تظهر في افق المبادرات الدولية بادرة امل تضع القضية السورية على سكة الحل السياسي الصحيح الذي يستجيبب مرحليا لتطلعات الشعب السوري , والذي تتمثل اولى خطواته الجادة بايقاف هذه الحرب العبثية المدمرة لقيمنا الحضارية ولحاضر ومستقبل شعبنا , والتي باتت تمثل خطرا أكيدا على سلام وامن المجتمع الدولي كله.
اليوم وبعد ان اصبحت المسألة السورية , كما يتفق الجميع في ذلك , مسألة دولية , وبعد ان فقد الشعب السوري قراره الوطني المستقل بفعل التطورات التي اعقبت حرف انتفاضتهم عن مسارها الشعبي السلمي نتيجة العسكرة والأسلمة والتدويل , نجد السوريين مختلفين حتى الأن فيما ينبغي عليهم القيام به لتحمل مسؤولياتهم الوطنية في معركة المصير والبقاء . فهم وان كان معظمهم يقر ان ما هو مطلوب في الوقت الحاضر اي كمهمة عاجلة وملحة هو انقاذ سورية من مخاطر التجزئة والتشظي والتفتت والحفاظ على وحدتها وصيانة استقلالها , وحمايتها من كل اشكال الاحتلال والهيمنة الخارجية , الا انهم ما يزالون مع الأسف مختلفين الى حد كبير حول طبيعة وفعالية الدور الذي يجب ان يضطلعوا به . البعض منهم , وبضمنه معظم اطراف المعارضات السورية الخارجية التي اعطت لنفسها مشروعية تمثيل الشعب السوري والنطق باسمه , عادت ادراجها من جديد , بعد انهيار اتفاق الهدنة الأخير لوقف الأعمال العدائية في حلب , ين روسيا والولايات المتحدة , عادت لتدق طبول الحرب الأهلية من جديد ولتعلن ان لاسبيل امامها الا الحل العسكري ومواصلة القتال بكل أشكاله , لتلتقي بذلك موضوعيا مع مواقف النظام وحلفائه الذي اعلن بدوره ان لاسبيل امامه الا مواجهة كل هذه المجموعات المسلحة الى ان يتمكن من القضاء عليها , اي ان الموقف الراهن الذي يفرض الأن نفسه فوق الجغرافية السورية هو مواصلة تسعير اوار هذه الحرب الدولية المدمرة لكل مناحي ومصادر حياة المجتمع السوري .
وهناك البعض الآخر من السوريين الذين باتوا يرون انه لم يعد بامكانهم ان يفعلوا شيئا في تقرير مصيربلدهم وبناء مستقبله بعد ان اصبح الحل رهن توافق المجتمع الدولي وخاصة توافق الدولتين الأساسيتين أي الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية وما زالوا برغم التوتر الحاد الذي ساد علاقات البلدين في الأسابيع الأخيرة والذي ينذر بعودة اجواء مرحلة الحرب الباردة , يتوقعون بدافع اليأس والقنوط الذي يعيشونه بالتوصل الى عقد مؤتمر يالطا جديد يضع حلا للمسألة السورية ومشاكل المنطقة الأخرى , متغافلين عما يمكن ان يتمخض عنه مثل هذا المؤتمر في غياب الشعب صاحب القضية , والذي قد يكون نسخة لسايكس بيكو أخرى !!! ولعل اغرب ما سمعته في هذا الصدد مؤخرا من بعض الأخوة المعارضين السوريين انه ,بعد هذه الحال التي وصلت اليها اوضاعنا ,حيث لا مكان ولا امكانية بعد لأي حل سياسي للصراع الدائر في بلدنا منذ اكثر من خمس سنوات فالسبيل الوحيد والخيار الوحيد المتبقي هي ان تستمر هذه الحرب الجنونية بين الجانبين المتقاتلين بكل شراستها حتى يتمكن احد هما من تحقيق الانتصار النهائي والقضاء المبرم على الطرف الأخر , اذن فحسب هذا الرأي ينببغي تشجيع استمرار هذه الحرب الاقليمية والكونية بكل شراستها ووحشيتها حتى الوصول الى نهايتها بتحقيق الغلبة لأحد الطرفين !!! هكذا اذن حسب وجهة النظر, هذا هو الحل الصحيح الذي يقتضي استمرار هذه الحرب بكل عنفوانها ونتائجها وتبعاتها التي قد تاتي على ما تبقى من قدرات ذاتية ومقومات وطنية في مجتمعنا !!!
امام كل هذه السيناريوهات الدرامية والإحتمالات المرعبة التي تواجه مصير بلدنا اذا بقينا على الحال التي هي عليها أوضاعنا اليوم : غائبين ومغيبين عن تحمل مسؤولياتنا الوطنية والاضطلاع بدورنا في تقرير مستقبلنا , الم يحن الوقت بعد كي ننهض بارادة جماعية ورؤية موحدة فنسمع العالم كله صوت شعبنا ونوضح له اهدافه الحقيقية التي ضحى من اجلها بخيرة شبابه ومناضليه , في ان يتحرر من واقع الاستبداد والقهر والفساد وينهي قوى الارهاب والظلام والتخلف , ويواكب مسار العصروالتقدم في ظل دولة مدنية ديمقراطية حديثة ؟ وهل اصبح عصيا على القوى الوطنية الديمقراطية السورية ان تلتقي في مؤتمر وطني عام تجسد فيه وحدة ارادتها وتصوغ فيه برنامج عملها لتكون القوة الأساسية التي تمتلك المشروعية من بين كل القوى الاخرى المهيمنة حاليا على المسألة السورية في تمثيل ارادة شعبها في صنع المستقل الذي يستحقه ؟ فهل لنا بعد كل ما ارتكبناه من اخطاء وخطايا بحق أمتنا ,وبعد كل هذا الدمار والتشويه الذي لحق بتاريخنا وقيمنا ومقدساتنا وبكل مقومات وجودنا الوطني ان نأمل ونتفاءل بولادة سورية الجديدة في مخاض هذه المحنة الدامية ؟ وهل لنا بعد كل ما ابداه شعبنا من صبر وجلد قل نظيره ومن قدرة على التحمل فاقت كل تصور ان ننتظر انبعاث طائر الفينيق من ركام هذه المأساة التي طال ليلها؟
اقرا:
د. حبيب حداد: أين كان الخطأ- أفي توقيت الإنتفاضة أم في خطوات الطريق نحو تحقيق أهدافها ؟
Tags: محرر