on
عبد المجيد عقيل: البسطار العسكري والعمامة
عبد المجيد عقيل: كلنا شركاء
لدي قناعة راسخة بأنَّ العلاقة بين هذه الأجسام الأربعة: الأنظمة الديكتاتورية، والإسلام السياسي السني، والإسلام السياسي الشيعي، والكيان الصهيوني لا يمكن أن تتعدى مرحلة التنافس على الحدود والمكتسبات الجزئية بينها مهما احتدَّ واشتدَّ وتأزَّم، وتتجاوز ذلك إلى مرحلة الصراع الوجودي الفعلي، أي أن يشكل وجود طرف خطورة على وجود طرف آخر، بل وعلى العكس تماماً متى ما تحدثنا عن الصراع الوجودي أصبحت هذه القوى شريكة لبعضها البعض ويستمد كُلٌّ منها وجوده من وجود الآخرين.
ولذلك لا أؤمن بأنه يمكن تغيير معادلة الصراع مع إسرائيل عبر أنظمة يحكمها البسطار العسكري او العمامة، إنما عبر موجة ثورية تحررية من كل ما سبق، وعبر برنامج تنموي شامل فكرياً وعلمياً وتعليمياً وإعلامياً وسياسياً واقتصادياً ودينياً! ويمكن للراغبين أن يطلعوا على مقالين لي يفيدان في هذا الاتجاه يمكن العثور عليهما بسهولة على غوغل: الأول (النظام العالمي الجديد ومصير المقاومة الإسلامية) والثاني (لعبة الموت في الشرق الأوسط، المؤامرة ما بين الحقيقة والوهم) لغاية سنة 2011 كان معظم الشعب السوري -بدليل أنه شعب وطني ومقاوم بالفطرة وبعيد عن الطائفية- يؤيد حزب الله ويهتف ويهلل له، بل ويضفي عليه وعلى أمينه العام حسن نصر الله هالة من الإكبار والإجلال والتعظيم، وكنت أنا أيضاً أتبنى فكرة أن حزب الله هو حزب مقاوم بالحد الأقصى ضمن دائرة الصراع الجزئي (صراع الحدود وليس الوجود) وأصدق من غيره، وأشجع من غيره.
أعتقد أن حتى كوادر الحزب وجمهوره وحاضنته الشعبية في تلك الفترة طغى عليهم بالفعل النَفَس المُقاوم وليس النَفَس الطائفي، لكن الخوف كان دائماً من أن العقيدة المذهبية التي هي حجر الأساس في تركيبة الحزب وهيكليته وخطابه التجييشي وارتباطه الوجودي بنظام الملالي في إيران كلها عوامل قد تحول الحزب عند أول منعطف تاريخي حاسم من حزب مقاوم إلى حزب مذهبي ينحصر دوره في تنفيذ أجندة نظام الإسلام السياسي الشيعي. فتسمية “حزب الله” هي بحد ذاتها تسمية تُكرِّس مبدأ الحاكمية باسم الله والثقافة المذهبية الإقصائية الاحتكارية للحق والدين والإيمان والخلاص بما يجعله لا يختلف في هذا الحقل عن أية جماعة جهادية سلفية سياسية كانت أو ميليشياوية، كما أنَّ الأمين العام للحزب ذكر صراحةً وعلناً في خطاب قديم مسجل له أن مشروع الحزب هو دولة خلافة إسلامية يحكمها الولي الفقيه في طهران، وإن تراجع عن ذلك في تصريحات حديثة في العقد الأخير تراجُعاً لا يغيب عن العارفين بالفكر الديني والدارسين له أنه من باب “التقية” لا أكثر.
عندما بدأ الحراك الشعبي في سوريا كانت أمام حزب الله فرصة تاريخية وذهبية ليزيد رصيده الشعبي الهائل في سوريا عوض خسارته إذ كان هو أفضل من يمكنه أن يتدخل بشكل إيجابي كوسيط بين طرفي الصراع، لكن للأسف فإنَّ مراهنة حزب الله على نظام الاستبداد الذي ربما كان بدافع سياسي بحت، وتوغله في المستنقع السوري، ودخوله إلى الأرض السورية لصالح النظام مع ميليشيات متطرفة أخرى مثل النجباء وأبو الفضل العباس في ظرف تاريخي مشحون بحالة استقطاب مذهبي يصل اليوم إلى حده الأقصى منذ 500 سنة ربما، فإن كل ذلك قد اختزل حزب الله إلى ميليشيا مذهبية شيعية تشارك اليوم في صب الزيت على نار الجحيم الطائفي المسعور الذي قد يحرق المنطقة بأسرها ويضعنا أمام “كلاكيت” مرج دابق التاريخية. اليوم وقع عشرات من مقاتلي حزب الله أسرى بيد الفصائل المقاتلة في حلب، وهو أمر لن يمر مرور الكرام على الأرجح، وأتوقع أن يكون النظام أول المطالبين بهم وأن يبذل الغالي والرخيص لاستعادتهم، وهو الشيء الذي لا يحصل عندما يكون الأسير مقاتلاً أو حتى ضابطاً سورياً، فالسوري حتى لو كان من ألد أنصار النظام حقه “فرنك” في سوق الغلاء، بينما ثمن الروسي أو الإيراني، أي تثمينه من قبل النظام، فهو يدل على الحالة الانتدابية على قرار النظام وارتهانه وتبعيته المطلقة لتلك الدول.
أتمنى أن يُقنِعَ ما حصل النظام وأنصاره بأن الحسم العسكري ليس إلا وهماً كبيراً، وأن الاستمرار في رفض التنازل والامتثال لعملية سياسية تفاوضية حقيقية وجادة لن يعرضه وحلفائه إلا إلى المزيد من الخسائر والحرج وتقديم التنازلات نفسها في آخر الأمر لكن بعد أن تتضاعف فاتورة الدم، كما أتمنى أن يتم استغلال هذا الأمر كورقة تفاوضية للمطالبة بخروج معتقلي الرأي من سجون النظام الفاشي وفي مقدمتهم النساء والأطفال، أي مقابل كل مقاتل من حزب الله عدد كبير من المعتقلين. بينما أخشى ما أخشاه هو إضاعة هذه الفرصة وإهدارها والتفريط بها من حيث عدم التعامل معها بعقلية سياسية يهمها تحقيق المكسب السياسي، إنما وفق عقلية ثأرية انتقامية غايتها التشفي والاستفزاز بإظهار الوحشية في التعامل مع الأسرى، ما سوف يؤجج حفلة الجنون الطائفي أكثر فأكثر دون تحقيق أية مكاسب للثورة والثوار، بل يعود ذلك بالضرر علينا جميعاً آخر الأمر. علماً أن التنكيل بالأسير حرام في الإسلام الذي يحض على الفداء ومبادلة الأسرى في هذه الحالة {فإمَّا مُنَّاً بعدُ وإمَّا فداء حتى تضع الحربُ أوزارها} بعد معاملتهم معاملة إنسانية تليق بأخلاق الإسلام وأدبيات الثورة {يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً (7) ويطعمون الطعام على حُبِّهِ مسكيناً ويتيماً وأسيراً (8) إنَّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً} يجب استغلال ما حصل للمطالبة بالمعتقلين في سجون النظام، فقد كانوا أسبق السباقين إلى تقديم التضحيات التي لولاها لكانت سوريا بأكملها تحت حكم البسطار إلى يومنا هذا.
يمكن اليوم مقابل 160 أسير من مقاتلي حزب الله، تحرير 1600 معتقل سوري على أقل تقدير، وإدخال الفرح إلى 1600 أم سورية تصلي كل يوم من قلب محروق لأجل أن يعود ولدها من معتقلات الإجرام
Tags: مميز