يونادم يونادم: بوتين والمرحلة البوتينة في روسيا

يونادم يونادم: كلنا شركاء

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فقدت روسيا السيطرة المباشرة على حدود أراضيها. وتقهقرت البلاد نحو الفوضى، والمحاولات المتقطعة للانتقال الى (اقتصاد السوق) عن طريق تطبيق ما سمي حينئذ (العلاج بالصدمة) أدى الى خصخصة راديكالية للاقتصاد وكان من المشرفين عليه الاقتصادي الأمريكي (جيفري ساكس) ونتج عن تلك العملية حفنة من الاوليغارشيين الطغاة الأثرياء، والتي بدورها جعلت الناتج الوطني يتدهور بمعدل 40 ٪ وجرّت البلاد نحو ازمة عميقة عام 1998 ، ولم يكن الوضع السياسي في حال افضل، فتكونت الحكومة بتآلف اعداد من الأحزاب السياسية يطرح كل واحد منها برنامج مختلف ولكنها جميعاً تريد الاتفاق على نظام سياسي.

بالإضافة الى ذلك ازداد تدهور الأجهزة الأمنية والعسكرية بفضل الرئيس (بوريس يلتسين) وبدأ الشعب الروسي كفاحه من اجل ان يتعرف على هوية سياسية له توحده كما كان الحال أيام الاتحاد السوفييتي. وتداعت دمدمات الانفصال القادمة من مناطق عديدة من روسيا، حيث نشبت الحرب الوحشية بين موسكو وجمهوريات القوقاز الشمالية ولا سيما جمهورية (الشيشان).

جاء البيروقراطي (بوتين) من (سان بطرسبرغ) عام 1998 بعد ان عينه (يلتسن) رئيساً لمكتب الأمن الفيدرالي (كي جي بي) وهو الجهاز الذي تم تكليفه باحتواء الفوضى المتفشية. لقد افترض (يلتسن) ان (بوتين)، القادم من خارج إدارة المركز السياسي الذي تمثله (موسكو)، لن يكون في وضع يسمح ل (بوتين) بتحدي (يلتسين) ، غير ان (بوتين) وزمرة من الموالين له القادمين من (سان بطرسبرغ)، حيث كان العديد منهم عملاء سابقون في (كي جي بي)، اتخذوا خطوات حازمة لمواجهة المصاعب التي كانت تواجهها (روسيا)، وفي العام التالي أصبح (بوتين) رئيساً للوزراء، وحالما استقر في مكتبه الجديد اخذ يتابع عملية اعادة بناء وتقوية الجيش وجهاز الأمن ، فأصدر إنذارات نهائية الى كل المناطق الروسية لدعم الحكومة مالياً وسياسياً وإيقاف الحديث عن الانفصال.

وبدأت كفاءات بوتين تقنع العديد من افراد النخبة الجالسة في موسكو بمد يد المساعدة له وكان من نتائج ذلك الدعم انه حلّ محل (يلتسين) كرئيس للبلاد. وحينها كان ينظر اليه على انه إصلاحي عظيم يسعى لتعزيز وحدة البلاد اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً فاصطدم بالأقلية الثرية (الأوليغارشية) حيث قام بحجز ممتلكاتهم الاستراتيجية ونقلها لصالح الدولة، كقطاع الطاقة الذي ينظر اليه دوماً بتقدير عال، ثم قام بإجراءات تهدف الى تنظم العملية السياسية كان من نتائجها ارساء وتقوية حزب واحد تحت سيطرته بينما الأحزاب المعارضة الأخرى الحقت بنظام يمكن التلاعب به.

لقد فرض بوتين هيمنته على المنطقة المتمردة الواقعة شمال القوقاز بعد ان قام بتقسيم الجماعات المتشددة وتأسيس قوة شيشانية موالية له ستساهم في انهاء الحرب الشيشانية الثانية. ولكن الأهم من كل ذلك انه تمكن من التوصل الى عقد اجتماعي مع الشعب الروسي للسير بالبلاد في طريق التقدم والاستقرار. ويمكن القول ان الحظ لعب دوره في هذا السبيل، اذ ارتفعت أسعار الطاقة العالمية ارتفاعاً حاداً عام 2004، كما اشتد الطلب الأوروبي على الغاز في نفس الوقت الذي استعادت فيه روسيا على طاقتها الانتاجية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ومع تدفق الأموال وارتفاع الناتج الوطني الى عشرة أضعافه عما كان عليه بين عامي 2000 و2009، وبالإضافة الى ذلك فقد ارتفع مستوى المعيشة الى أربعة أضعاف، وازداد الدخل الحقيقي 160 ٪، وانخفضت البطالة ومعدل الفقر الى النصف. غير ان ازدياد الدخل رافقه ارتفاع كبير في الانفاق العسكري، اذ تحت سلطة (بوتين) ازداد الانفاق العسكري الى خمسة اضعاف وبقي الاقتصاد والمركز المالي لروسيا في حالة من الاستقرار النسبي ساعدها على التركيز نحو ما يحيط بحدودها وان تصدّ كل ما يمكن اعتباره على انه تدخلات خارجية إثر انهيار الاتحاد السوفييتي. توسع حلف (الناتو) والاتحاد الأوروبي باتجاه دول حلف (وارسو) وبعض دول الاتحاد السوفييتي السابق عارضين عليهم اما العضوية او الشراكة، غير ان انشغال الولايات المتحدة باعتداءات الحادي عشر من أيلول وما نجم عنها، ثم الحرب في أفغانستان والعراق، جعل روسيا تضمن لنفسها موطئ قدم ضد ما كانت تعتقد انه توسع للنفوذ الأجنبي على حدودها، وهكذا أوجدت لنفسها تحالفات امنية في مواجهة حلف الناتو مثل (منظمة معاهدة الأمن الجماعي) التي تأسست عام 2002 ، واستخدمت موسكو ايضاً مصادر الطاقة لديها للمناورة بتحالفاتها مع الدول المجاورة…اذ قامت عدة مرات بقطع تلك الامدادات عن أوروبا لتضمن ان كل من (أوكرانيا) و (جورجيا) لن يتم قبولهما كعضوين في حلف الناتو، وحينها قامت روسيا بغزو (جورجيا) في عام 2008 ، ولم يتدخل حلف الناتو في الأمر.

وفي عام 2010 لجأت روسيا الى ممارسة الضغط على (أوكرانيا) لكي تقوم هذه بانتخاب قائد أكثر ولاء لروسيا، ومنذ ذلك الوقت وحتى عام 2015 وسعت روسيا من اجراءات الوحدة الاقتصادية التي تجمعها بكل من (كازاخستان) و (بيلاروسيا) لتشمل ايضاً (أرمينيا) و (قرغيزيا). لقد صور الغرب الرئيس (بوتين) بكونه أحد قطاع الطرق، غير ان الشعب الروسي كان ينظر اليه على انه الرجل الذي أعاد بلادهم لتصبح قوة إقليمية بل قوة عالمية. هكذا انجز بوتين عقده الاجتماعي مع الشعب الروسي الذي وهبه بدوره محبته له. بوادر تنذر بالضعف في المرحلة القادمة بالرغم من شعبية بوتين، بدأت تظهر على حكمه معالم الضعف الذي بات يهدد استقرار روسيا في الوقت الذي يشتد فيه النفوذ الخارجي.

وفي عام 2014 تعرضت روسيا الى سلسلة من الضربات اضعفت قدراتها كثيراً، وكان أولها الانتفاضة التي أسقطت الحكومة الأوكرانية الموالية لموسكو ومجيء حكومة موالية للغرب في كييف، وقد حاولت موسكو اثارة البلاد ضد تلك الحكومة فصورت ما جرى على انه انقلاب جاءت به الدول الغربية، ولكن محاولاتها تلك كشفت عن محدودية القوة الروسية، فصار نفوذها يقتصر على شريحة من الأرض في شرق أوكرانيا حيث كان يسيطر متمردين موالين لروسيا. الانتهاكات الروسية في شرق أوكرانيا دفعت الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الى اتخاذ سلسلة من العقوبات الاقتصادية تطال الدولة الروسية وعدد من مواطنيها في الوقت الذي انهارت فيه أسعار النفط من أكثر من مئة دولار للبرميل الواحد الى حوالي 40 دولار، ولقد أثّر هذا العامل بالإضافة الى النزاع مع الغرب الى انخفاض الاستثمارات الأجنبية في روسيا بمعدل 50 ٪ في عام 2014 ووصل الى ما يقرب صفر بالمئة عام 2015، كما انخفضت قيمة الروبل بحوالي 40 ٪ عام 2014 رافقه هروب رؤوس الأموال من البلاد حيث وصلت الى 160 بليون دولار في عام 2014، ثم 85 بليون دولار عام 2015 .

ويستمر الشعب الروسي في تحمل الأعباء المؤلمة الناجمة عن ذلك. ان انخفاض أسعار العملة وانخفاض رواتب حوالي 25 ٪ من العاملين الروس بالإضافة الى ان 15 منهم فقدوا أعمالهم ووظائفهم، كما هبط معدل الرواتب الى حوالي 450 $ في الشهر، وهو أقل من معدل الرواتب في الصين ورومانيا والصرب، وينفق الروس حواي نصف مدخولهم السنوي على شراء الطعام خلال العام، ويعتقد أكثر من نصف السكان ان وضعهم الاقتصادي سيستمر في التدهور خلال الأعوام المقبلة. ان الركود الاقتصادي الحالي في روسيا يختلف عن سابقه مع الأزمة الاقتصادية عامي 2009-2008 والتي كانت جزءاً من الأزمة المالية العالمية، فالركود الاقتصادي الحالي ترافق مع وجود عيوب ومواقع ضعف في السياسة الخارجية نحو (أوكرانيا) لوقوفها الى جانب الغرب، ونجم عن ذلك روسيا معزولة على الساحة الدولية. لقد لجأ الكرملين في محاولات متقطعة الى حشد الدعم الوطني خلال العامين الماضيين لضم شبه جزيرة (القرم) وبادرت روسيا الى التدخل في سوريا ضد رغبات الغرب. وقد تكون مثل هذه الأعمال قد ساهمت في رفع مستوى الحماس الوطني مؤقتا، غير انها أطلقت ازمة اقتصادية وأزمة أخرى مرتبطة بها تتعلق بالسياسة الخارجية أصبحت عبئاً كبيراً على حكومة (بوتين) وزادت من توجهه كقائد استبدادي.

ولا ننسى انه في التاريخ الروسي حتى (ايفان الرهيب) كان شعبياً في بداية سلطته عندما اراد الاستمرار بمبادرة جدّه لتحويل روسيا من دولة إقليمية تعيش حياة القرون الوسطى الى امبراطورية مترامية الأطراف، ولكن المجاعات والحروب الفاشلة بدأت تهدد روسيا فتحول (ايفان الرابع عشر) الى قائد قاس متوحش كما يتذكره العالم اليوم، وقد يلاقي (بوتين) المصير نفسه فهو يواجه نفس المعضلات والمآزق المتشابهة وسيضطر قريباً الى اتخاذ قرارات حول كيف يمكنه الاحتفاظ بالسلطة والاستقرار وحماية حدود روسيا. مع انخفاض وتلاشي تدفق الأموال بدأت النخبة الحاكمة والمكونة من الساسة وقادة الأمن ورجال الأعمال بإشباع نهمها للاستلاء على المزيد من الممتلكات وتقوية نفوذها وسلطاتها. في السابق كان (بوتين) قادراً على تدبير مثل هذه المحاولات، ولكن خلال العامين الماضيين كانت هذه النخبة تقوم بصد ومقاومة تلك المحاولات مما أدى الى تساقط بعض من أقوى تلك الشخصيات في البلاد، ومما كان يزيد من قلق (بوتين) هو ان تقوم تلك الشخصيات المتهاوية بالتحالف والتجمع ضده، وهذا ما يفسر سلوكه بجمع كل الموالين له للالتفاف من حوله بالإضافة الى اولئك الذين لا يملكون مراكز قوة خاصة بهم. ومع تزايد شكوكه حول ولاء الجيش وأجهزة الأمن لجأ بوتين الى تكوين جيشه الخاص به وهو: (الحرس الوطني) الذي يتألف من قوات يبلغ تعدادها 400,000 وهي قوة مسؤولة امامه مباشرة.

لقد استطاع بوتين ان يحكم روسيا بقبضة حديدية لمدة 16 عاماً بسبب شعبية حكومته، ولكن حتى هذه الشعبية بدأت بالتدهور، اذ هبطت نسبة الموافقين على أداء الحكومة من 66 الى 26 ٪، كما هبطت نسبة التأييد لأداء بوتين من 88 الى 74 ٪خلال العامين الماضيين. وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في أيلول وصل معدل المشاركة بالانتخابات الى حده الأدنى في حقبة ما بعد الاتحاد السوفييتي كدليل على عدم ثقة الشعب في الحكومة والعملية السياسية في البلاد. ولقد تمكن بوتين في تلك الانتخابات من التلاعب بالنتائج ليحوز حزبه (روسيا المتحدة) على الغالبية العظمى من المقاعد ولتسمح له بالاستمرار في الإمساك بالسلطة. وتحت ظلّ قيادته الاستبدادية أطلقت الحكومة سلسلة من القوانين القاسية ستفسح المجال لقمع الشعب الروسي في حال أدت نشاطات المعارضة الى نوع من عدم الاستقرار. تأتي هذه التحديات الداخلية في ظرف تتفاقم فيه الضغوط على حدود البلاد الخارجية، فالتدخل الروسي في (أوكرانيا) نجم عنه نزاع تشتد ازمة عواقبه، فالغرب سيحافظ على عقوباته الاقتصادية ضد روسيا، بل سيوسع نطاق هذه العقوبات بسبب تدخل موسكو في سوريا، وسيواصل حلف الناتو بناء ودعم مواقعه حول المحيط الجغرافي الروسي، اما محاولات روسيا للتأثير على الغرب في محادثاتها خلال الأشهر الأخيرة فلم تؤدي الى شيء جديد. ان روسيا قادرة على تكثيف النشاطات العدائية التي تقوم بها على المسرح الدولي، ولكنها ستخاطر بتشديد عزلتها الدولية في الوقت الذي ستفرض فيه عليها تلك النشاطات المزيد من المتطلبات والاعباء، وستشبه هذه الحالة عندئذ بالوضع الذي حصل في الفترة بين (ليونيد بريجينيف) و (ميخائيل غورباتشوف). هذا لا يعني باي حال ان روسيا على حافة الانهيار، بل انها ستدخل في مرحلة تاريخية تكون فيها البلاد عرضة للمزيد من الضعف وبالتالي أشد عدوانية، حينها سيصبح نشاط بوتين منطلقاً من موقع الاستمرار في البقاء، من منطق الحفاظ على الحياة أكثر من موقع القوة، وحينها ستبدأ مرحلة التغيير.

بعض المعلومات الواردة في المقال مأخوذة من موقع (ستراتفور)





Tags: محرر