on
فواز تللو:(جبهة فتح الشام) – ثورة أم إرهاب وخوارج
فواز تللو: كلنا شركاء
بعيدا عن الأساطير التي يتقنها أنصار القاعدة، تقول الوقائع أنه وحتى بدايات عام 2013 حرر الثوار ثلاث أرباع سوريا وحوصر النظام في مناطق عديدة كالجرذ وكاد يسقط، وتم كل التحرير على يد فصائل الجيش الحر التي رددت “الله وأكبر ولا إله إلا الله” وحملت علم الثورة مستكمل الثورة السلمية التي كانت الأساس ومنها انبثق الجيش الحر، وحتى التنظيمات الإسلامية يومها كانت مجرد بعض من الجيش الحر الذي كان يشوهه بعض الفاسدين الذين حاولت بروبوغاندا القاعدة وبعض التنظيمات الإسلامية اختصار الجيش الحر بها لتشويه، أما تنظيمات القاعدة في عصر التحرير ذاك وعلى رأسها النصرة قبل انقسامها فكانت بالكاد يمكن ملاحظتها تعيش وتنمو في المناطق المحررة دون أن تشارك عملياً في تحرير المزيد.
بعدها انقسمت تنظيمات القاعدة داعش ونصرة، ولولا أحرار الشام لتم سحق النصرة يومها، لكنها وداعش فرخت جند الأقصى وآخرين واستولت على المحرر الذي تركها تلد وتنمو فيه بأمان وغفلة لتبدأ بإقامة مناطق نفوذها بالعدوان على الآخرين دون تحرير شيء يُذكر، مركزةً على بضعة معارك لها مع النظام لتختصر الثورة بها، لا بتحرير مناطق جديدة، مضعفة ما استطاعت الفصائل الوطنية في الجيش الحر، وفي أثناء ذلك تقدم النظام الأسدي واستعاد مناطق عديدة وحوصرت الغوطة وحمص وريفها وجنوب دمشق بشدة وبدأت تسقط لاحقاً ولم يصمد في كل المناطق المحاصرة إلا فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية التي بدأت بالعودة تدريجيا إلى أهداف الثورة.
جند الأقصى بغت واغتالت وكانت ذراع داعش، حتى معاركها شمال شرق حماه كانت تهدف لفتح طريق لداعش المأزومة لتدخل المناطق المحررة من جديد، بينما رأينا جند الأقصى ترفض المشاركة في معارك حلب بكل مراحلها، وما جرى من حماية فتح الشام لجند الأقصى من أحرار الشام (التي دعم موقفها طيف واسع من قوى الثورة المسلحة الإسلامية والوطنية) يعني بوضوح أن مرحلة جديدة بدأت بإعادة الاندماج ولملمة عناصر القاعدة في جبهة فتح الشام خاصة أن داعش تعيش أشهرها الأخيرة، وهذا ليس تهمة بقدر ما هو واقع يقرأه كل لبيب وعلى جبهة فتح الشام تفسيره والعمل بما ينفيه، أي عكس ما فعلوا مع جند الأقصى.
لا أحد يرغب في التخلص من كل عناصر الجند فمنهم كثير من المخلصين، لكن كل قادة الجند وشرعييهم وبعض عناصرهم متورطون حتى النخاع مع داعش والجبهة تدرك ذلك، ودمج كل هؤلاء المجرمين الخوارج في جسم الجبهة يعني استمرار جرائمهم والإفلات من العقاب، كما سيجعل الجبهة أكثر قابلية للدعشنة ولو اختلف الاسم، وهو أمر أسوء بكثير من الارتباط بالقاعدة والظواهري الذي أعلنوا فك ارتباطهم بهم.
وكلمة لا بد منها: لا ثقة في محاكم النصرة التي تعمل بالتقية وتفتي حسب مصلحة التنظيم كما تعود كل فكر قاعدي، وتاريخ الثورة مليء بحوادث الإفلات من العقاب لكل ما حصل منها تجاه الآخرين أشخاصاً وتنظيمات بما فيها التنظيمات الإسلامية، والوقائع كثيرة ولا مجال هنا للتوسع فيها.
الكلام بأن الثورة والانتصارات صنعتها فصائل القاعدة كذب وقح، فهذه كانت وبالا سياسياً على الثورة بأجندتها العدمية التي أعطت المبررات للعالم للتآمر على الثورة وكل قاعدي يدرك ذلك، وكانت وبالاً عسكرياً على الثورة خاصة لتورطها في الاستيلاء على المحرر والاغتيالات وإضعاف الجيش الحر وها هي الان تلتفت للفصائل الإسلامية لتبتلعها كما فعلت مع فصائل مع الجيش الحر لتوصل البلاد إلى الكارثة التي أوصلت لها سنة العراق العرب وهم على وشك الخروج من التاريخ والجغرافيا بعد أن ركبت القاعدة بكل تسمياتها على مقاومتهم.
لا يقولن أحد أن جند الأقصى فعلوا وفعلوا، ومثلهم لا تقولن جبهة فتح الشام (التي أنقذها الأحرار يوماً) أنها من صنع الثورة وأنهم حرروا ولولاهم لانتهت الثورة، فثوارنا هم من حرر وحقق الانتصارات أما هم فقد خسروا للنظام بعضا مما استولوا عليه من ثوارنا، ولا يزال بالبال الغدر الذي قام به معظمهم الداعشي (قبل انقسامهم) في الساحل ودير الزور والرقة والحسكة وشمال سوريا وأين أوصلنا هذا اليوم، ويكفي أن نعلم أن مناطق الصمود الأسطوري كلها لم يكن فيها أي من تنظيمات القاعدة أو داعش، من داريا إلى جنوب دمشق قبل استيلاء القاعدة عليه إلى حمص إلى حلب اليوم الذي يشكل ثوارها الذين تكفرهم القاعدة أكثر من 90% من المقاتلين فيها، إلى دير الزور والحسكة قبل استيلاء داعش عليها.
كفى كذباً، نحن من حررنا وهم استولوا عليه، نحن صنعنا الثورة وهم يدمرونها بقصد من البعض أو بغير قصد من بعضهم الآخر، فمن صنع الثورة ليس بضعة آلاف من القاعدة وأخواتها عاشوا ونموا في المناطق المحررة أصلاً وفي غفلة منا كما أظهرت الأيام، ولا حتى ثلاثون ألفاً هو مجموع كل الفصائل الإسلامية بمن فيهم أحرار الشام وجيش الإسلام، وليس لأي من هؤلاء منةً على الثورة التي صنعها اثني عشر مليوناً من المهجرين ضحوا بكل ما يملكون وربع مليون معتقل ومليون شهيد ومليون معتقل مروا على السجون ونصف مليون معاق وعشرات آلاف العفيفات المغتصبات، وصنعها عشرات آلاف مقاتلي الجيش الحر وبعض الفصائل الإسلامية لاحقاً، ليس من أي من هؤلاء السوريين ضحى من أجل عيون القاعدة ومشروعها العدمي تحت أي مسمى أتى، لا داعش ولا فتح الشام ولا جند الأقصى ولا التركستان ولا غيرها، ولم يضحوا من أجل إقامة إمارات وأمراء أتوا من أصقاع الأرض حاملين مشاريعهم التي فرضوها دون طلب من هؤلاء السوريين أصحاب الثورة، ولم يقدم السوريون هذه التضحيات حتى يأتي من يدعي تعليمهم دينهم وإسلامهم ويختبر إيمانهم.
أيضاً سوريا ليست دار هجرة بل دار ثورة، وهم ليسوا مهاجرين بل هم في أفضل الأحوال أشخاص جاؤوا لمساعدة السوريين في ثورتهم لا الاستيلاء عليها ولا التحكم وحكم السوريين الثائرين، والسوريون ليسوا أنصاراً ولا يرغبون بتقاسم بلادهم مع أحد، ومن رغب منهم في جهاد وإقامة خلافة وغيرها من مشاريع عدمية فعليهم بالبلاد التي أتوا منها ليفعلوا بها ما شاءوا، فأرضنا السورية ليست دار هجرتهم.
فرض الأمر الواقع بقوة السلاح كما يحصل من قبل هذه الفصائل القاعدية (ومن قبل بعض الفصائل الإسلامية التي بدأت بمعظمها والحمد لله تعود لرشد بوصلة الثورة) يشبه تماماً منطق النظام، والشعب الذي اقتلع النظام سيقتلعهم، ويكفي متابعة ردود الفعل على اندماج جند الأقصى بجبهة فتح الشام لنعلم كيف يفكر أنصار القاعدة الذين استنفروا فجأة ونسوا كل خلافاتهم من أقصاهم في داعش إلى آخرهم في الجبهة (النصرة) وأخذوا يرددون بتشفٍ: “أرونا ما أنتم فاعلون بعد أن افلتت الجند وباتت جزء من الجبهة التي ستسحق أحرار الشام”، وهم على حق فأحرار الشام إن كانوا يعقلون هدف رئيسي قادم لهؤلاء وللجبهة ببنيتها المتغيرة “اللبيسة” لتقمصها من قبل الخوارج الدواعش وأضرابهم، هذا إن لم تثبت كما نرجو غير ذلك من نوايا وسياسات لم تعد خافية بعد التمثيلية الفاضحة بمبايعة جند الأقصى لهم، فهذا الحل الترقيعي يعني بوضوح أن الغدر قادم، ولنتذكر دائماً أن داعش على أبواب الهزيمة النهائية في العراق وسوريا وتبحث عن تقمص جديد، وخطوة فتح الشام تعني أنها مستعدة لأن تكون هذا التقمص، وهنا تبرز كارثة جديدة بحق الثورة، وأيضاً هذا ليس تهمة بل واقعاً أرجو أن ترده جبهة فتح الشام بأفعال عكس ما فعلت.
لا تعنينا التصنيفات الدولية “السياسية” للإرهاب فلنا تصنيفاتنا كما لهم تصنيفاتهم، هم يعتبرون من “قد” يستهدفهم يوما ولو بقتل بضع عشرات كل عشر سنوات إرهابيين، وبنفس المقياس نعتبر أن من يقتلنا إرهابي، لذلك فقط نصنف وبمعيارنا الإرهابيين، لا بمعيار أمريكا الذي لا يعنينا كثيراً بل بمعيار دمائنا وحقوقنا المستباحة أولاً ثم بما يمارسه أي تنظيم من استباحة لدماء الأبرياء في العالم ثانيا وهو ما لم تفعله جبهة فتح الشام التي اقتصر عملها على قتال أعداء الثورة السورية على الأرض سورية حصراً كما صرحت وفعلت حتى الان، ولذلك نرى أن روسيا بوتين وإيران الملالي والنظام الأسدي وحكومة العراق الوضيعة العميلة وحزب الأزعر حسن والحوثيين إرهابيين، مثلما نرى داعش وجند الاقصى وبعض فصائل القاعدة في الجنوب إرهابيين، ولذلك وقفت كل قوى الثورة رافضة قتال جبهة فتح الشام (النصرة) واستهدافها دولياً لا حباً بطروحاتها القاعدية التي أساءت للثورة دولياً بل لأنها تقاتل إلى جانبنا لا بوجهنا، ولذلك إن غدرت فتح الشام أو حمت بعضاً من هؤلاء الإرهابيين الخوارج فسنصنفها إرهابية بمعايرنا ونقاتلها ونستأصلها، وأعيد التذكير: السوريون يقاتلون العالم المتآمر وحدهم بسواعدهم وبعون الله لهم، لا بقوة تنظيمات القاعدة التي لا فضل لها يُذكر، وكل إنجازات فتح الشام تمت بعناصرها من السوريين الذين لا يقيمون لمشاريع قادتهم وشرعييهم وزناً بقدر قتال النظام كما بدأوا ثورتهم.
الأمر بيد فتح الشام لتتصرف بما يرضي الله وهي ترى كل التكالب علينا، فخطوة فك الارتباط الخجولة والمتأخرة وغير المقنعة شكلاً قبل المضمون لا تكفي، وضم جند الأقصى لهم أضعفها ووضعهم تحت شبهات الثورة (وهي المهم) قبل المجتمع الدولي، وكان ولا زال من الأولى تسليم قادة وشرعيي الجند وكل من تورط بالدماء للأحرار الذين من حقهم السيطرة على مناطق ومقرات الجند وسلاحهم ثم لينضم بعد ذلك من شاء من باقي عناصر الجند إلى من شاء كفرد وليس كتنظيم، فليس من أغبياء لا يدركون أبعاد واهداف “التشاطر” بضم جند الأقصى لجبهة فتح الشام بهذه الطريقة.
ليس هذا هو المطلوب من فتح الشام فقط، بل المطلوب أن يقوموا هم بذلك، أي يحلوا أنفسهم ويختفي قادتهم وشرعييهم من الواجهة وينضم أفرادهم “غير القاعديين” لمن شاء من تشكيلات الثورة، قد يؤدي ذلك إلى تمرد البعض كما حصل في الغوطة عندما أعلن اثنان منهم (من مثيري فتنة الغوطة) تمردهم على قرار فك الارتباط مع القاعدة، لكن ذلك جيد، فكل تمرد يسهل عملية فرز الدواعش وأضرابهم عن جبهة فتح الشام.
أخيراً للسادة غير السوريين: أتيتم لنصرة ثورتنا لا لقتالنا، فإن كنتم مؤمنين صادقين لا مشروع خوارج فعليكم بجبهات القتال مع النظام فقط إن كنتم صادقين، فلا مكان لكم داخل المناطق المحررة في قيادة او إدارة مدنية أو عسكرية أو شرعية، ولا مكان لكم في أي تنازع داخل جسم الثورة، ولا علاقة لكم بما نقوم به كسوريين من أجل ثروتنا سياسياً، ولا نقبل الإهانة والاتهامات والتي تصل دائماً لحد التكفير بحق ثوارنا حتى باتت أحرار الشام وجيش الإسلام وغيرهم خونة ورأس الكفر عندهم، وتصوروا أن 90% ممن يحمون حلب المحاصرة اليوم باتوا كفرة خونة، فأي ضلال واحراف وعمى بصيرة بعد ذلك!
الأمر اليوم بيد جبهة فتح الشام قبل فوات الأوان، لتحل نفسها إن كانوا مؤمنين عاقلين مفترضاً فيهم الصدق بإذن الله، فالأمر سياسة ومكر وهو من أمر دنيانا منذ قالها رسولنا صلى الله عليه وسلم لأهل بدر وأحد: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، وبمثل هذا المنطق عقد الأحلاف مع غير المسلمين وعقد صلح الحديبية مع قريش وعاهد يهود يثرب قبل أن يغدروا وغير ذلك كثير، واليوم نحن أعلم بأمر دنيانا وقد أشرنا عليهم بما يساعد ثورتنا إن كانوا مؤمنين يعقلون، والوقت ثمين وجبهة فتح الشام اليوم على مفترق طرق: إما إرهاب خوارج بنظرنا ونظر العالم يطعنون الثورة عسكرياً في الداخل، ويطعنونها سياسياً دولياً في الخارج، أو أن تكون ما نرجوه من الله عوناً للثورة السورية بكل قيمها وأهدافها.
فواز تللو – سياسي وباحث سوري
برلين – ألمانيا 11/10/2016
Tags: مميز