Archived: مرح البقاعي:المَلَكيّة هي الحلِ!

مرح البقاعي

على أحد سفوح جبال هندوكوش إلى الجنوب من العاصمة الأفغانية كابل، وعلى أطلال القصر الملكي المنيف “دار الأمان” الذي صمّممه في العشرينات من القرن الفائت مهندسون فرنسيون وألمان للملك “أمان الله خان”، وقد تحوّل إلى قصر مهجور إثر حربين كبيرتين الأولى هي اجتياح السوفييت لأفغانستان والثانية الحرب الأهلية في البلاد، وفي هذا المناخ الأسطوري الدرامي الذي يجسّد آثار حروب امتدت 35 عاماً، عقد الرئيس الأفغاني الحالي، أشرف غني، اجتماعاً رفيعاً لأعضاء حكومنه هو أول اجتماع رسمي على هذا المستوى في ذلك المكان التاريخي منذ ما يقارب القرن من الزمن ليطلق أعمال ترميم القصر الملكي.

أثارت كلفة ترميم هذا القصر الرمز التي تقارب 20 مليون دولار، وستنفق على الأعمال الهندسية والتجميلية للبناء الضخم خلال فترة زمنية تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، أثارت جدلاً واسعاً في جمهورية أفغانستان الإسلامية ذات الموارد المحدودة حيث لا تصدّر الكثير من المنتجات باستثناء بعض المنتجات الزراعية، فيما يستحوذ النزاع مع حركة طالبان على شق كبير من ميزانيتها، كما أن البطالة فيها تطال حسب الاحصاءات الرسمية شخصاً من أصل خمسة أشخاص؛ وفي ظل انهيار الوضع الأمني والاقتصادي في البلاد يعتقد العديد من المتابعين والنشطاء المدنيين أنه كان من الأجدى إنفاق هذه الأموال على خلق وظائف جديد وإيجاد فرص عمل للشباب الذين يهاجرون بسبل شرعية وغير شرعية ويواجهون كل الأخطار خلال هجرتهم منها الموت غرقاً في المتوسط. أما الرئيس الأفغاني الذي بدا متحمّساً لهذا المشروع فقد قال في كلمته التي ألقاها من أطلال القصر:” نعود إلى ماضينا من أجل أن نصنع أسس مستقبلنا”.

فهل تعتبر هذه الخطوة إعادة اعتبار للحياة الملكية في البلاد إثر متوالية الحروب التي حصدت الأخضر واليابس وأنتجت حالة سياسية هشة مازالت غير قادرة على لجم المتطرّفين وأعمال الإرهاب التي يخططون لها لزعزعة الاستقرار في البلاد والعالم؟ وهل الجمهورية التي نتجت عن انقلاب ضد آخر ملوك أفغانستان، الملك محمد ظاهر شاه، حققت حالة سياسية مستقرّة وتنموية للبلاد خيراً مما حققته الملكية الني امتدت منذ تأسيسها على يد الأمير أمان الله عام 1926 حتى تاريخ سقوطها في العام 1973؟ وهل مؤسس الجمهورية الأولى محمد آغا خان لم يكن قادراً على حماية جمهوريته من السقوط في يد الشيوعيين الأفغان الذين أسقطوا حكمه في العالم 1978 وأدخلوا البلاد في دوامات الاحتلالات والحروب البينية في الصراع على السلطة، ثم الصراعات الدينية العقائدية المدمّرة ؟ وهل حركة طالبان التي ظهرت الخلية الأولى لها في العام 1994 إثر اجتماع 53 طالباً من طلاب المدارس الدينية في قندهار، وقدّمت أول سابقة لحكم الإسلام المتطرّف في العصر الحديث، هل كانت لترى النور لولا استولى الشيوعيون على الجمهورية الوليدة التي جاءت هشة بمفاهيمها وإرثها السياسي وثوابتها الوطنية؟ وماذا قدّمت أنظمة الجمهوريات الناشئة على أنقاض ملكيات سقطت بفعل انقلابات بيضاء سلمية حيناً، وحمراء دامية أحياناً، للحالة الوطنية ومواطنيها بما يميّزها عن سابقاتها الملكية في دول مسلمة وعربية في آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

قد يحمل ترميم القصر الملكي في كابل معانٍ وإشارات سياسية أبعد ما يشار إليه إعلامياً على أنه استرجاع لقيمة معمارية نفيسة قد تشكّل مستقبلاً معلماً سياحياً وموقعاً جمالياً بل وقصراً للمؤتمرات الدولية يخلّد لعهد انقضى، لا سيما أن استعادة هذا القصر من الماضي الملكي العتيد جاءت في مرحلة سياسية تلت فشل الجمهورية الأولى الديمقراطية التي قادها الشيوعيون، والجمهورية الثانية الإسلامية بقيادة برهان الدين رباني، فشل في حمل البلاد  نحو الاستقرار الأمني والسياسي المنشود في ظل اشتعال الحروب الأهلية الطاحنة التي نشبت بين فصائل المعارضة الأفغانية في تنازعهم على الحكم، وانتهت بالتفاف شعبي واسع حول طالبان وقائدها الروحي والعسكري “الملا محمد عمر” الذي أطاح برباني، وعزّز نفوذ تنظيم القاعدة، وحكم البلاد ياسم ” أمير المؤمنين” حتى العام 2001 الذي سجّل الغزو الأميركي للبلاد انتقاماً لأحداث الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة.

من نافلة القول أن حركة طالبان المتطرّفة هي في حلف عقائدي وجهادي دائم مع القاعدة، بل وألهمت متطرّفي العالم في التجمّع من بقاع الأرض كافّة وتأسيس دولة الإسلام في العراق الشام (داعش) التي تشكّل اليوم رأس حربة الإرهاب المعولم منطلقة من أرض الميعاد الجهادي سوريا. ولا تختلف الحاضنة الشعبية في أسباب التفافها حول دولة داعش في الموصل والرقة من بلاد الشام عن نظيرتها في قندهار؛ فحرب الكلّ على الأرض السوريّة، واستقواء نظام دمشق بالحليفين الروسي والإيراني لقمع ثورة بائنة على عقود من القهر والاستغلال والإلغاء الممنهج، وفشل المجتمع الدولي في الانتصار للشعب السوري وحقّه الشرعي في الحرية والعدالة الإنسانية ناهيك عن عجزه في إيقاف رحى الموت الجماعي الدائر جوعاً أو تعذيباً أو قتلاً مباشراً، إنما هي أسباب كافية لازدهار أعمال العنف المتبادل في ظل فشل جمهورية الأسدين الأولى والثانية على امتداد 46 عاماً عجافاً من تحقيق أبسط أشكال الوحدة الوطنية ومبادئ المواطنة ومعايير العدالة الاجتماعية والمساواة.

جدير بالذكر أن ما ينادي به السوريون من نواظم سياسية واجتماعية لسوريا الجديدة ما بعد الأسد يكاد يتطابق مع مخرجات أول سلطة تشريعية سورية معاصرة لأول دولة سورية مستقلّة إثر انحسار الدولة العثمانية في العام 1919 وهي “المملكة السورية” برئاسة الأمير فيصل بن الحسين، وقد نصّ دستورها الذي عرف باسم “القانون الأساسي” بأن البلاد: ملكية دستورية مدنية، لا مركزية الإدارة، تكفل الحريات السياسية والاقتصادية وحقوق الطوائف الدينية، وتساوي بين المواطنين. إلا أن فرنسا لم تعترف بهذا الجسم السياسي الوليد وسارعت إلى احتلال دمشق وحلّ المملكة ونفي الأمير فيصل في 28 تموز/ يوليو من العام 1020 إثر سقوط دمشق في يد العسكر الفرنسي. وتوالت بعدها الاحتلالت على سوريا من بعثية وأسدية، ولم يعرف السوريون الاستقرار تحت جناح الدولة الوطنية  إلا لسنوات معدودة مع حكم شكري القوتلي وقد أطاح بها إلى غير عودة انقلاب العقيد حسني الزعيم في 1949.

فهل أصبح من الممكن، على سبيل المجاز، طرح  شعار مثل “الملكية هي الحل”  في ظل ضمور الحاضنة الشعبية وتراجع الحوافز والفرص السياسية لشعار “الإسلام هو الحل” .. أتساءل!

رابط المقال: هنا





Tags: محرر