on
Archived: عماد الدين المصبح: تركيا الإسلامية وورثة الإمبراطورية البيزنطية
عماد الدين المصبح: كلنا شركاء
بقراءة تاريخية لما يحدث اليوم في المنطقة ولاسيما في الساحات العراقية والسورية والتركية، سوف يلمح بأن الصراع مازال دينياً، وأن من تبسيط المشهد موسمه بأنه اقتصادي أو جيواستراتيجي محض. ومن الواضح بأن أوروبا ما زالت تتعامل معنا على أننا ورثة الحضارة الإسلامية-العربية والإسلامية-العثمانية. وهي بالتالي ليس بواردها فسح المجال لأي من اقانيم تلك الحضارتين المتكاملتين في التراتب التاريخي بأن يستوي على عرش الإقليم ممثلاً لأغبيتها وروحها، سواء كانت تركيا ام العربية السعودية.
تركيا الآن تختلف عن الدولة العثمانية بشيء جوهري، هي لا تريد أن تتوسع امبراطورياً (لم يعد شعار باقية وتتمدد مطروحا من قبل أي دولة) ولكن اقتصادها المعتمد بشكل كبير على الصناعة التحويلية وإلى حد ما الصناعة الثقيلة جعل منها الدولة التركية-الاسلامية يتوسع بكل الاتجاهات. فقد حققت تركيا إنجازات مبهرة في هذا الصعيد يمكن تلخيصه بأن حزب العدالة والتنمية إسلامي العقيدة وعلماني السياسة قد نجح بنقل تركيا من بلد بمؤشرات عالمثالثية إلى بلد في قائمة العشرين الكبار ونقلها من دولة مدينة إلى دولة دائنة. فيما الدولة العثمانية (آخر حصون دولة الخلافة الاسلامية) كانت تتوسع جغرافياً في حين كانت دولة تنشر الجهل في أركان دولتها وكان الموت فيها معمماً بأشكال مختلفة.
تركيا الآن فيها عشرات الجامعات ومراكز البحث العلمي وبدأ نشاط علمي لا يستهان به، وإذا ما سارت الأمور على ما هو عليه فإنه سوف يحسب (اوروبياً) على أنه إنجاز إسلامي يعود بالذاكرة إلى ما شهدته بغداد وقرطبة لغاية القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي.
ومن الجانب الآخر، فإن أوروبا لن تنسى عنصريتها وحقدها على الدولة العثمانية عندما قامت الأخيرة باحتلال أهم معاقل الكنيسة المسيحية وعاصمة العديد من الامبراطوريات الأوربية وآخرها الإمبراطورية البيزنطية (395 -1453م ) . وعلى الرغم من أن الدولة الإسلامية، عبر تفرعاتها المختلفة (العباسية والأموية الأندلسية) كانت العامل الأساسي لحفظ التراث العلمي الهائل لأوروبا قبل دخولها في عصر الظلام وأنها كانت الأب الروحي لمارد العلم الحديث، ما كان يستلزم منها أخلاقياً (!) أن ترد بعضاً من هذا الجميل. إلا أنها وضعت مراراً وتكراراً العصي في عجلات نمو دولة إسلامية علمانية. فهي ما تزال تراوغ بشأن انضمامها الى أوربا بحجة عدم وفائها بالشروط اللازمة على الرغم من دخول دول لا تتوفر فيها أدنى الشروط (دول أوروبا الشرقية) وهي كانت تقف وراء كل الانقلابات التي حدثت في تركيا من قبل الجيش الذي يدعي حمايته علمانية الدولة التركية والمحافظة على مبادئ أتاتورك مؤسس الدولة.
لقد تبدى جلياً خلال الأيام الماضية وبشكل أقل جلاء خلال ازمة إسقاط الطائرة الروسية، بأن أوروبا المسيحية وفرعها الغربي الولايات المتحدة الأمريكية ورثة الحضارة الرومانية وتفرعاتها لا ترغب مطلقاً ببروز كيان إسلامي علماني قوي اقتصادياً وعلمياً. ولن تقبل تركيا الإسلامية في نادي الأمم الكبار
فجل ما تتمناه او تأمله أوروبا وأمريكا أن يكون على تخومها (وليس جزءاً منها) دولة ذات اقتصاد قوي إلى العتبة التي تمثل فيها سوقاً مهمة لسلعها ومنتجاتها وسداً أمام آلة الحرب الروسية البرية، دون إمكانية الاضطرار للدفاع عنها في حال الخطر.
وقد تسمح أوروبا وأمريكا (قطبا الحضارة الرومانية الأوربية المسيحية) لتركيا بأن تكبر وأن تكون مركزية ولكن إلى الحد الذي يمكن لهذا النادي المسيحي بأن يدير اللعبة بأحجام مختلفة لعناصرها.
وعلى تركيا أن تعي ذلك عملياً وأن تحترس من هذا الثعبان وأن تتمثل قول الشاعر:
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها، عند التقلب في أنيابها العطب
عماد الدين المصبح
أكاديمي سوري مهاجر