Archived: النظام يؤجّج نار الثأر العشائري في دير الزور

نصر القاسم: كلنا شركاء

يتبع النظام منذ عشرات الأعوام في سوريا بشكل عام وبين العشائر البدوية بشكل خاص سياسة “فرق تسد”، وزرع الفتنة العشائرية والطائفية، بقصد حصد الكثير من الدماء وعدم الاستقرار.

ولما عجز النظام عن القضاء على الثورة في مدينة دير الزور منذ بداية حراكها السلمي، بدأ بالاستعانة بشبيحته من منتسبي حزب البعث، ممن يصفهم الأهالي بأنهم قل ضميرهم من أبناء تلك المدينة، ليضعهم في مقدمة الطلائع التي تلاحق المتظاهرين وتعتدي عليهم تحت غطاء المخابرات العسكرية، في محاولة من النظام ضرب أبناء المدينة فيما بينهم وإنهاكهم بالخلافات ضمن بوتقة البيت الواحد.

ومع بداية الحملة العسكرية للنظام على مدينة دير الزور في 21 حزيران من عام 2012 بدأ النظام بزج جيشه لاقتحام المدينة مدججا بالآليات العسكرية، وعلى الرغم من القصف المكثف على المدينة لم يستطع عسكر النظام التقدم قيد أنملة، لتتدخل قوات الحرس الجمهوري في 15 أيلول من عام 2012 حيث حاول النظام الاعتماد على خبرة هؤلاء المقاتلين وسلاحهم الحديث، ولكن دون جدوى تذكر، ولم تزد محاولات النظام إلا توابيت ونعوش يتم إرسالها إلى الساحل السوري كل يوم، ولم تزد الثوار إلا يقيناً وإصراراً على حماية الأرض والعرض، ليبدأ النظام آنذاك بالسعي وراء حلول جديدة بدأت بتشكيل لجان شعبية سميت آنذاك بلجان المصالحة الوطنية، وشملت عدة شخصيات من أبناء المدينة وضعوا تضحيات الثوار ودماء الشهداء خلف ظهورهم واستبدلوها بوعود قذرة من النظام بإرضائهم بمكاسب وكراسي مميزة في حال استطاعوا الوصول إلى المصالحة الوطنية مع ثوار دير الزور، ولكن بلا فائدة تذكر.

كانت مطالب الثوار انسحاب قوات النظام من المدينة بشكل كامل وتسليم الضباط والعناصر المسؤولين عن دماء الشهداء، مما أثار حفيظة النظام وبدأ بتشكيل اللجان العسكرية وما سمي بمليشيات الجيش الوطني، على أنهم بعض مقاتلي الجيش الحر ممن سلم نفسه لقوات النظام بعد إجرائهم المصالحة الوطنية مع اللجان الشعبية التابعة للنظام، ولكن حقيقة ذلك لم تكن تلك المليشيات إلا مرتزقة وشبيحة سيدفعهم النظام إلى حتفهم الأخير محاولاً خلط دماء أبناء المدينة وإشعال فتنة الانتقام بين العشائر في دير الزور، ليتطور الأمر بعد دفن النظام رأسه كالنعامة في التراب عندما تقدمت أرتال تنظيم “داعش” إلى مدينة الرقة مروراً من قرية شقرا وقرية الحصان وقرية الجنينة وقرية الصالحية والتي لا تبعد كثيراً عن العين المجردة لسلاح النظام الثقيل، مع غفوة طائراته عن أسراب “داعش” وصحوتها لمقاتلي الجيش الحر، مساندة التنظيم في معاركه ضد الجيش الحر، وذلك مع بداية شهر تموز من عام 2014.

وبعد مبايعة عدد من أبناء الريف لتنظيم “داعش” بدأ النظام بالعمل على استقطاب العديد من أبناء الريف الغربي “خط البواسريا”، وضمهم لمليشيات الدفاع الوطني وجيش العشائر/البواسرايا، وفي كل هجوم للتنظيم يشنه من جهة عياش وقرية البغيلية ومشفى القلب معتمداً على أبناء الريف الغربي من مقاتلي التنظيم، كونهم على دراية في المكان وبنيته الجغرافية وقدرتهم على التسلل إلى مواقع النظام في تلك النقاط، يسارع النظام بإرسال عناصر وميليشيات الدفاع الوطني وجيش العشائر/البوسرايا إلى قتال أبناء عمومتهم من عناصر التنظيم، وخلط الدماء.

“صالح أبو جميل” والذي خروج منذ عام من مناطق سيطرة النظام في حي الجورة، واستقر لفترة وجيزة في الريف الغربي “خط البوسرايا”، قال لـ “كلنا شركاء” إن أغلب عناصر التنظيم في الريف الغربي لا يشغلهم إلا الحديث عن الانتقام والأخذ بالثار من بعض أبناء عمومتهم وأبناء أخوالهم، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى وجود عدد من الأخوة في صفوف التنظيم وبعضهم الأخر يقاتل ضمن مليشيات النظام، وهذا أيضا ما كان يردده عناصر مليشيات النظام في الأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام.

وقال الشاب “حسام”، (وهو طالب جامعي من أبناء قرى الشعيطات خرج مؤخراً من مناطق النظام بعد أن دفع مبلغاً مالياً كبيراً لقوات النظام)، في حديث لـ “كلنا شركاء” إنه طلب من بعض أبناء عمومته ممن يقاتل في صفوف جيش العشائر/الشعيطات مساعدته في الخروج من مناطق سيطرة النظام كونه لم يبقَ لديه سوى أشهر قليلة على انتهاء مصدقته الدراسية، ولم يستطع الحصول على تأجيل أخر، وسيكون ضمن دائرة خطر أجهزة النظام الأمنية.

وأردف بأن أحد مقاتلي جيش العشائر/الشعيطات وعده بمساعدته، ولكن بعد أن علم أنه سيتجه إلى منزله في قرية الكشكية بالشعيطات، ثار غضبه كون “حسام” سيتجه إلى منطقة للمقاتل فيها العديد من الثارات مع أبناء عمومته الذين قتلوا أشقائه وهجروا ذويه، ورفض مساعدته واكتفى بالتسويف والمماطلة، وقبل خروجه بيوم واحد جاء المقاتل إلى “حسام” وأبلغه رسالة شفهية إلى من يحمل السلاح من أبناء عمومته وأخواله في قرى الشعيطات، أن جيش العشائر/الشعيطات لن ينسوا ثاراتهم، وسينتقمون لدماء أقربائهم ولتهجير عوائلهم، “ولكن لن أستطيع إيصال تلك الرسالة خوفاً على سلامتي، وبقيت حبيسة صدري وتفكيري وخوفي مما هو أعظم بعد الخلاص من قوات النظام”.

وتكرر هذا المشهد أيضاً في مدينة البوكمال بريف دير الزور الشرقي في معركة “يوم الأرض”، فبعد انتهائها بدأ أمنيو التنظيم باعتقال العديد من الشباب ممن ينتمون بنسب وقربة إلى الفصائل المعارضة من جيش سوريا الجديد الذين هاجموا مواقع التنظيم فجر29 حزيران الماضي، وقتلوا عدداً من عناصره، وسبق ذلك استيلاء التنظيم على منازل مقاتلي الجيش الحر ممن خرجوا للقتال في ريف إدلب وريف حلب، بعد رفضهم مبايعة التنظيم.

ولم يكن الوضع أفضل حالاً في بلدة موحسن بريف دير الزور الشرقي، فبعض أبنائها يقاتل مع قوات النظام أو مع مليشيات الدفاع الوطني، وبعضهم الأخر في صفوف الجيش الحر، والبعض بايع التنظيم وبدأ بالانتقام الشخصي من بعض أهالي فصائل المعارضة أو ممن يقاتل أبناؤهم في صفوف قوات النظام أو ميليشياته، ليصادروا منازلهم ويهجروا أقرباءهم.

وبدأ هذا الحال بالانتشار السريع كمرض “الغرغرينا” في سائر أنحاء محافظة دير الزور، سببه طائفية النظام وعنصريته وتخطيطه المستقبلي في حال تم القضاء على النظام في مدينة دير الزور سيخلف لهم المزيد من الاقتتال الداخلي ضمن البيت الواحد، وتبقى مدينة دير الزور تقبع على نهر من الدماء لا نهر من الماء، ويتحول لون الفرات إلى اللون الأحمر، وما حصل ويحصل في محافظة دير الزور مشهد من عدة مشاهد رسمها وخطط لها النظام ونفذها في أغلب المدن السورية، تارة يعنونها بحماية الأقليات كما يحدث في السويداء وبعض مناطق مدينة حماة، وتارة يعنونها بالحماية الذاتية كما يحدث في منطقة الجزيرة السورية، وأخرى يصفها بالمصالحات كما يحدث في درعا، وفي بعض الأحيان يضعها تحت عنوان العشائر.

ولكن سيبقى لأبناء ومثقفي وناشطي دير الزور كلمة أخرى يسمع صوتها وتحقن الدماء وتحاسب الطغاة وتحمي الأبرياء، كما سيكون للمدن السورية صوت سيجلجل عروش الطغاة من كانوا، ويوحد الصفوف كما وحدتها معركة فك الحصار عن حلب، فهذا الشعب العظيم لن يقهر بخبث النظام.

اقرأ:

دير الزور (أم الجسور) تنعى تراثها وجسورها





Tags: مميز