لبنان برئاسة عون ملحق بـ (سورية المفيدة) والتأثير الإيراني (الناعم) يعجز عن حكمه

سام منسّى: الحياة

إذا صحّت التوقعات ووصل العماد ميشال عون إلى سدة رئاسة الجمهورية في لبنان كما تؤشر المعطيات، تكون ملامح ما بعد الزلازل التي تعصف بالمنطقة بعد الربيع العربي قد بدأت تتظهّر.

لوصول العماد عون إلى رئاسة الجمهورية بعد المخاض الطويل من تعطيل المؤسسات من جهة، ومن إعادة تموضع القوى السياسية والتحالفات من جهة أخرى، دلالات في السياسة تتجاوز شخصية زعيم التيار الوطني الحر الإشكالية، بالنسبة الى كثر، الى ما يمثله كل من ميشال عون الشخص والتيار الذي أسسه والجمهور الذي يؤيده.

وصف العماد عون ورقة التفاهم مع «حزب الله» والتحالف المبني عليها كما عدد من رموز التيار، بأنهما يرقيان إلى حلف استراتيجي. وتبين لاحقاً، أن عدوى تغيير «الجلد» لم تقتصر على عون وتياره وجمهوره «السيادي» أساساً، بل وصلت إلى الدكتور سمير جعجع و»القوات اللبنانية» والرئيس سعد الحريري وكثر من تياره وكتلته النيابية، بحيث أن الرئيس الحريري بدأ بترشيح النائب سليمان فرنجية حليف آل الأسد لرئاسة الجمهورية، ووصل به الأمر لاحقاً إلى تبنّي ترشيح ميشال عون على غرار حليفه السابق سمير جعجع. وفي السياق نفسه، لن نغفل عن التذكير بخروج الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من صفوف حركة 14 آذار بعد عملية 7 أيار (مايو) 2008 في بيروت، التي قام بها «حزب الله» وسُميت آنذاك بعملية القمصان السود.

المقصود من هذه السطور ليس تناول الحدث اللبناني ببعده الداخلي، إنما مقاربته كمؤشر/ نموذج لتفكك كيانات وسقوط حدود رسمتها نتائج اتفاقات سايكس – بيكو الفرنسية – البريطانية سنة 1916.

إذا قُدر للعماد عون الوصول إلى قصر بعبدا في هذا الوقت ووسط التطورات اللافتة في الإقليم، من معركة تحرير الموصل من «داعش» إلى معارك الاستيلاء على حلب وما قد تسفر عنه، فذلك إن دلّ على شيء إنما يدلّ على انصهار لبنان بما يسمى «سورية المفيدة»، والتي تشمل حلب ودمشق ومطارها والساحل السوري، وهي المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد بدعم من موسكو وطهران وخليط الميليشيات الشيعية وعلى رأسها «حزب الله» اللبناني.

هذه المناطق « تزنر» لبنان من الشرق والشمال، وتشكّل طوقاً ومنطقة أمنية تسيطر عليها إيران عبر «حزب الله».

وفي السياق نفسه، ينبغي الأخذ في الاعتبار وجود أكثر من مليون نازح سوري يصعب تصوّر عودتهم إلى سورية في المنظور القريب أو حتى المتوسط، لاعتبارات كثيرة أبرزها: إلى أي سورية سيعودون؟ إضافة أخرى: مستوى العنف غير المسبوق الذي وصل أحياناً الى حدّ التطهير العرقي، والدمار الهائل الذي أصاب المدن والقرى والبنى التحتية. كلها عوائق رئيسة أمام عودة هؤلاء إلى بلادهم.

عندما نتحدث عن الانصهار، لا نعني أن لبنان لن يبقى لبنان وأن سورية لن تبقى سورية، وبالطبع لن يحصل اندماج رسمي. إنما نعني هيمنة راع أو رقيب أو وصي على هذه الساحة، وهو من دون شك إيران المتمددة من طهران إلى شواطئ البحر المتوسط.

لماذا الوصي هو إيران وليس روسيا التي تلعب دوراً رئيساً في الحرب السورية؟

روسيا ليست لديها أوراق على الأرض على غرار الأوراق التي في يد إيران، ليست لديها ميليشيات إيران، كما لا تتمتع بالتأثير الإيراني الذي يغذي البيئة الشيعية أو ما يصح تسميته بشبكة «الشيعية الدوليــة» مـــن استــخـبارات وشركات عقارية ومؤسسات تربوية واجتماعية وثقافية.

هذا الواقع ليس بالجديد على لبنان الذي سقط منذ أكثر من ربع قرن تحت سيطرة «حزب الله»، الذي يملك قدرات عسكرية ومالية واستخبارية مكّنته من نفوذ غير مسبوق لقوة سياسية طائفية منفردة في تاريخ لبنان الحديث. القوة العسكرية والنفوذ السياسي، مكنا الحزب من ممارسة ضغوط على القوى المناهضة بخاصة والحكم والدولة اللبـــنانية بعامة، ما أدى إلى تفكك القوى المناهضة وتفتتها، وجعل من الحزب القوة الوحيدة النافذة والمسيطرة في لبنان.

أما في سورية، الشق الثاني في هذه المعادلة، فحملة الأسد على حلب قد تسمح له بإعلان نوع من الانتصار وتكريس حكمه كأمر واقع على «سورية المفيدة». إنما الحقيقة في مكان آخر، لأن سورية القديمة ستكون قد أصبحت أقلّه «سورية المفيــدة» وسوريـــة الأكراد وسورية الواقعة تحت سيطرة أطراف متعددة ومتناحرة. أما العلاقة بين هذه «السوريات»، من الأرجح أن تتراوح بين النزاعات والتقاتل والتفاوض والتفاهمات.

وستبقى إيران في الخلف كالعادة، خلف كل من حكم «حزب الله» في لبنان وحكم الأسد في سورية، والمرجح أنها ستمارس وصايتها بذكاء وبقفازات ناعمة.

وتعي السياسة الإيرانية تماماً أهمية إعطاء الأقليات نوعاً من الأمن والأمان، ولعلها تدرك معنى أن تترك بيروت مساحة متعددة الثقافات وواجهة مالية تتمتع بالحد الأدنى الممكن من بريقها، هذا إذا تمكنت بيروت وسط هذه الأجواء المتوقعة من الحفاظ على بريق ما ثقافي أو مالي.

هذا لا يعني أن إيران ستتساهل بحماية أمنها وأمن حلفائها ومصالحها وسياساتها.

إلا أنه لا بدّ من الاعتراف بأن بيروت تعرضت ولا تزال لتغييرات ثقافية واجتماعية عميقة نتيجة الدور الإيراني وتأثيره في البيئة الشيعية عبر حزب الله، وما استتبع ذلك من تأثيرات طاولت كل أطياف المجتمع اللبناني. تغيّر لبنان ولم يعد لبنان الذي نعرفه، وتغيّر وجه بيروت ولم تعد بيروت التي نعرفها، وباتت أقرب إلى الريف منها الى ثقافة المدينة على غرار ما حصل ولا يزال في عواصم ومدن عربية أخرى!

إنما هذا السيناريو دونه عقبات كثيرة منها الإقليمي وأكثرها محلي.

أولى هذه العقبات التي تصل حدّ الأخطار، أنه يصعب على «حزب الله» وحلفائه السيطرة في بلد يحتضن أكثر من مليون نازح سوري غالبيتهم من السنّة، إضافة الى السنّة اللبنانيين والفلسطينيين، من دون مشاكل واضطرابات.

يعيش لبنان تجاذباً سنياً – شيعياً على غرار المنطقة برمتها، وسيستعر أكثر إذا تكرّست سلطة «حزب الله» ومن ورائه إيران، ما يعني توقع المزيد من اللااستقرار والاضطراب، لا سيما في المناطق ذات الغالبية السنية كبيروت وطرابلس والشمال وصيدا والبقاع الغربي.

ما قد يحصل في لبنان ينسحب على مناطق سيطرة نظام الأسد في سورية، والتي لا تزال تضمّ غالبية سنية يصعب استيعابها أو تدجينها. ووسط هذا التجاذب السني – الشيعي، سيزول دور الأقليات في المنطقة، لا سيما دور المسيحيين، وسيعود الزمن بمن سيبقى منهم فيها إلى وضعية أهل الذمة، لكن، اليوم، تحت مظلة سلطنة شيعية ووسط وهم أنهم يمتلكون سلطة ما كما الحال في لبنان.

المحـــــصلة، أن مــــســار التطورات لا يبشّر بالخير لأنه يتعذّر في زمن تصاعد الطائفية والمذهبية في الإقليم، أن تحكم أقلية أو مجموعة أقليات غالبية السكان، ما سيؤدي إلى مزيد من الحروب والمآسي، لا سيما أن رياح الديموقراطية والحرية والحوكمة الصالحة غادرت منطقتنا. ما يجري اليوم في المنطقة ولبنان، ليس أكثر من قنابل مولوتوف لن تلبث أن تنفجر في أي لحظة.

اقرا:

حزب الله سينتخب عون آخر الشهر معلنا ان (الباب مفتوح) لاختيار رئيس