on
يوميات مصورة في سوريا:عين الدوشكا
يوميات مصورة في سوريا-
الشهر الثاني من العام 2012، تحول حي “القصور” في مدينة حمص إلى ساحة للمعارك بين قوات النظام السوري ومقاتلي المعارضة. كان حمزة قبل هذا التاريخ أحد قادة المظاهرات السلمية في الحي، لكن كل شيء كان على وشك أن يتغير لابن التاسعة عشرة في ذلك الحين.
حمزة، كان قد نال الشهادة الثانوية في العام الفائت، إلا أن انخراطه في الثورة حال دون إكمال دراسته، ستقوده المعارك إلى حمل السلاح، المعارك التي دفعت أحد أصدقائه للرحيل عن حمص، مخلفاً وراءه كاميرا سيحملها الشاب اليافع إلى جانب بندقيته.
“لا أعتبر نفسي مصوراً محترفاً، أنا هاوٍ، الحدث الذي يحصل أمامي أصوره ولا ألاحق الحدث كي أصوره”، يقول حمزة شارحاً علاقته بالكاميرا. تعززت هوايته عبر صديق أكثر خبرة في عالم التصوير، تعلم منه بعضاً من الأساسيات واستهل مشواره في هذا الميدان، أولى صوره كانت لسلحفاة وسط الدمار خجلت من العدسة واختبأت في صدفتها.
بعد أسابيع قليلة، فرضت قوات النظام حصاراً على عدد من الأحياء في مدينة حمص. “داخل الحصار أحياناً تحصل على فائض من الحرية”. يستشهد الشاب الحمصي بصورة لحبل غسيل يتوسط شارعاً تعرض لدمار هائل، غياب الحياة عن الشارع وهجرة ساكنيه واستحالة مرور السيارات به، دفعت المقاتلين إلى وضع الحبل كيفما اتفق.
طال أمد الحصار، وطالت معه معاناة المحاصرين، أولى مراحل الحصار اقتصرت على انقطاع اللحوم والخضار، والثانية اعتمد فيها المحاصرون بشكل رئيسي على البرغل والرز بعد نفاد الطحين والمعلبات الغذائية، أما المرحلة الثالثة فكانت الأصعب بعد نفاد أية مواد غذائية أولية. يشرح حمزة جزءاً مما مروا به “كانت هذه أصعب مرحلة، كنا نأكل أوراق الشجر والجراد أو نصيد العصافير.. لجأنا إلى الأعشاب والحشائش كذلك وميزّنا بين الأنواع الصالحة للأكل وغير الصالحة عبر التجربة العملية، كما اعتمدنا على أوراق التين، كنا نسلقها ومن ثم نضيف لها البهارات والزيت إن وجد”.
التقط الشاب الحمصي معظم صوره خلال الحصار، والتقط معها تفاصيل قد لا يدرك كنهها إلا من خاض التجربة. خلال رحلة لجلب الطحين من حي الخالدية، أربع شبان يركضون بأقصى ما يستطيعون من سرعة في منطقة مكشوفة على رصاص القناصة وهم يحملون على أكتافهم أكياساً من الطحين، رافقهم حمزة في رحلتهم وحمل معهم الطحين، عَبَرَ المنطقة الخطرة قبلهم وجهز عدسته وقبض بها على مشهد عبورهم. كانت الصورة أحياناً وسيلة لتحقيق مكاسب كذلك، خلال المرحلة الأشد من الحصار، صدف حمزة عدداً من المقاتلين جالسين على العشب يتناولون الإفطار، “مر عليّ وقت طويل دون أن أحظى بشرب الشاي، التقاط صورة لهم كانت فرصة حتى أجلس معهم وأظفر بكأس من الشاي”.
التحدي الدائم لحمزة هو التقاط صور من مناطق مواجهة لمتاريس قوات النظام ورصاص قناصته، في إحداها تمكن من التقاط صورة لبرج الغاردينيا، البرج ذاته الذي أطلق عليه مدنيو حمص لقب “برج الموت” لكثرة ما سقط من ضحايا نتيجة استهدافهم برصاص القناصة أو سلاح مضاد الطيران- دوشكا المتحصنين في البناء، يعلق حمزة: “هذه الصورة كانت بمثابة تحد بالنسبة لي، صديق لي التقط صورة لبرج الغاردينيا من أحد الأحياء الآمنة وغير المستهدفة وأرسلها لي، فالتقطت صورة للبرج من فتحة في جدار ناتجة عن طلقة دوشكا آتية من الغاردينيا”.
الصور القريبة من مناطق الاشتباك هي الأقرب إلى قلبه، “الصور التي تحديت بها النظام والشبيحة”. لم تكن خطوط التماس مجرد دليل على خطر الحصار، كانت البيوت السليمة والأحياء التي تظهر خلف هذه الخطوط في مقابل الدمار الذي يظهر قبلها دليلاً على حجم الهوة التي تفصل بين عالمين رغم ضيق المسافة، “بعد ثلاثمائة متر هناك حياة طبيعية بينما نحن في حصار غذائي وتحت قصف لا يتوقف”.
أجلّ الصور مكانةً لدى حمزة هي لعائلته رغم أن أياً من أفرادها لا يظهر في الصورة، “المسافة بين المنطقة المحاصرة وحي الوعر لا تتجاوز الكيلومتر الواحد، منزل عائلتي في بناء سكني على يمين برج البريد مباشرة، صعدت إلى سطح مرتفع قليلاً محاولاً التقاط تغطية لهاتفي المحمول، كنت أكلم عائلتي من هنا وأنا عاجز عن رؤيتهم رغم أن المسافة هي لبضعة مئات من الأمتار فقط”.
لطالما أثر حمزة المقاتل على حمزة الفوتوغرافي، في معركة حصلت بحي “جب الجندلي” قبل أسابيع فقط من الانسحاب من حمص، نجح مقاتلو المعارضة من تسجيل تقدم طفيف، وخرج منها حمزة بصورة واحدة فقط لمجموعة من المقاتلين وقد بدا الفرح على وجوههم بينما انهمك أحدهم في هدم الجدار لفتح كوة ستتحول إلى طريق بعيد عن خطوط الاشتباك، “بعد دقائق أصيب أحد أصدقائي أمام عيني، أبو النصر، ذو الثمانية عشر عاماً، فنسيت التصوير تماماً وانشغلنا بسحب الجريح”.
قبيل مغادرة حمص، التقط حمزة بورتريهات الوداع. البورتريه الأول: مقاتل يمشي ضاحكاً في منطقة كانت تدعى سابقاً “شارع الموت” آثر أن تكون الحقيبة التي سمح له بإخراجها من المدينة بحسب اتفاق الهدنة، قفصاً يضم طيراً رعاه منذ صغره، رافضاً أي مساومة للتخلي عنه، مثلما سبق ورفض عروضاً عديدة لبيعه لشارين راغبين في التهامه خلال الحصار. البورتريه الثاني لمقاتل مبتسم ومتعب، “كان يكلم زوجته وطفله وهو سعيد لأن لقاءهم اقترب، كانت هذه مناسبة جميلة أنه سيرى عائلته بعد فترة من الغياب، كانت فرحته عارمة، لا أعرف كيف كان شعوره تحديداً فأنا لم أتزوج بعد”. البورتريه الأخير، كان لمسجد خالد بن الوليد ذو الرمزية الكبيرة في صفوف المقاتلين، من داخل الحافلة المغادرة خارج المدينة.
يحظى حمزة حالياً باستراحة محارب في تركيا بينما يخطط للعودة إلى سوريا، “قد أعود إلى حلب أو إدلب، لا يهم المكان، المهم أن أكون داخل سوريا والكاميرا ستصاحبني لدى عودتي”.
—
جميع الحقوق محفوظة للمصور، يمكنكم مراسلة المصور حمزة الجوجة عبر حسابه في شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك هنا.
http://photodiaryofsyriaarabic.com/