on
واشنطن بوست: في حلب؛ تقاعس الولايات المتحدة عن التحرك يعطي الضوء الأخضر لجرائم الحرب
واشنطن بوست: ترجمة مركز الشرق العربي
حلب مدينة مرنة، ذات تاريخ غني، أقدم من نيويورك وباريس ولندن. إنها ليست مدينة الإرهابيين. إنها مدينة مليئة بالناس العاديين الذين يعيشون حياتهم اليومية، أناس يريدون وضع الطعام على المائدة، وإرسال أبنائهم للمدارس وأن يجعلوا حياة أسرهم آمنة، تماما كما يريد أي شخص آخر في العالم ذلك لأسرته. ولكن شوارعها تتدفق بالدم حرفيا.
رأيت هذه المجزرة بنفسي عندما تطوعت في مستشفى ميداني في حلب في شهر يوليو. كنت آخر أمريكي يغادر قبل أن تحاصر قوات الحكومة السورية المدنية وتطوقها.
في أول يوم لي، رأيت أما شابة أصيبت حديثا بالشلل عندما سقط برميل متفجر في بيتها. سحبتها أسرتها من تحت الركام وأحضرتها إلى المشفى. لقد كانوا مغطون تماما بالدم والغبار. كمحاولة أخيرة، حاول جراح الأعصاب الوحيد في حلب فتح القناة الشوكية لتخفيف الألم عن حبلها الشوكي، ولكنه لم ينجح. ولهذا فهي لن تتمكن من المشي مجددا.
بجانبها كان هناك أم شابة أخرى نحاول إنقاذ حياتها. ضرب برميل متفجر بيتها هي الأخرى، وقتل ابنها وابنتها. لقد كانت حامل، وادى الانفجار إلى قتل جنينها أيضا. كان زوجها يعمل في محله التجاري في الشارع المقابل. وعندما ركض إلى المنزل بعد أول انفجار، ألقت المروحية برميلا آخر متفجر أدى إلى دخول شظية في رأسه. نجا كل من الأب والأم، ولكنهما خسرا أطفالهما.
الأسبوعين التاليين كانا أكثر قتامة وأكثر وحشية. رأيت جثثا بشرية مقطعة الأوصال، ومحروقة ومسحوقة وجثثا مفتوحة ومقطوعة من منتصفها.
قبل آخر يوم تركت فيه المدينة كنت أجري عملية جراحية كل ساعة. ومن ثم خاطر سائق بحياته لنقل عدد قليل منا عبر طريق الكاستيلو، آخر طريق إمداد نحو مدينة حلب. بعدها قامت قوات النظام السوري بقطع الطريق وحصار شرق حلب.
منذ ذلك الوقت، أصبحت الأمور أكثر سوء بطريقة لا تصدق.
حلب تئن تحت وطأة البراميل المتفجرة، وقنابل الكلور السام، والقنابل العنقودية، والصواريخ المخترقة للتحصينات وحتى قنابل النابالم الحارقة. المشفى الذي كنت أعمل فيه تضرر بصورة كبيرة بسبب القصف الذي تعرض له الأسبوع الماضي إلى درجة أنه خرج عن الخدمة.
قال محمد أبو رجب وهو ممرض يعمل مع الجمعية الطبية السورية الأمريكية في سبتمبر:” في يوم واحد، استقبلنا 180 مصابا من بينهم 72 طفلا و36 امرأة. العديد منهم كانت إصاباتهم حرجة. لدينا أناس يموتون في غرف الطوارئ. بعضهم ماتوا لأنه لم يكن في وسعنا الوصول إليهم في الوقت المناسب لإنقاذ حياتهم. الأرضية كانت مملوءة بالمصابين والدم”.
سلاح الجو الأمريكي والبريطاني موجودان في سماء سوريا. لماذا لا يقومون بأي شيء لوقف هجمات الحكومة على المنازل والمدارس والمشافي؟ بسبب تقاعسهم عن التحرك، أعطوا الضوء الأخضر لجرائم الحرب التي ترتكبها الحكومة السورية وحلفاؤها.
مع كل جريمة حرب ترتكب، تندفع حكومة الأسد لارتكاب ما هو أسوأ. أعمال الحكومتين السورية والروسية تشكل تهديدا للسلم والأمن العالمي كما هو حال أفعال الدولة الإسلامية. القنابل التي يلقونها تقتل المدنيين الأبرياء وتزيد التطرف في قوات المتمردين.
يتحدث الرئيس أوباما ووزير خارجيته جون كيري عن المناشدات والدبلوماسية. لماذا كان صعبا عليهم رؤية أنهم يتفاوضون مع بلطجية يسخرون من عجزهم وضعفهم؟ منذ متى تتضرع الولايات المتحدة إلى مجرمي الحرب؟
كيف يمكن لأوباما وقادة القوى العالمية أن يشرحوا لأنفسهم ما حدث بعد 10 سنوات من الآن، عندما ينظروا إلى الماضي ويقولوا أنهم لم يحركوا ساكنا؟
الخبراء الذين لم تطأ أقدامهم أرض سوريا يقولون إنه لا يمكن فعل شيء. أرحب بهم لقضاء يوم واحد تطوعي في أي مشفى ميداني في سوريا يقوم ببتر أطراف الأطفال السوريين. إنني أشجعهم لأن ياتوا ويمضوا يوما واحدا مع عمال إنقاذ الخوذ البيضاء وهم يحفرون بأيديهم العارية وسط الأنقاض للبحث عن ناجين بينما المروحيات تلقي قنابلها عليهم. من ثم لنر إذا كانوا لا زالوا يقولون أنه لا يمكن فعل شيء.
هذا ليس دعوة لتدخل أمريكي في سوريا. إنه دعوة لحماية المدنيين والأطباء الذين يحاولون حمايتهم من سلاح الجو التابع لبشار الأسد. مع او دون روسيا، فإن على الولايات المتحدة وحلفاءها أن يجبروا مجلس الأمن على اتخاذ قرار – وذلك عبر تدمير سلاح الجو السوري وتدمير المدارج والمطارات إذا لزم الأمر، والمطالبة بوضع حد لحالات الحصار واستثارة استجابة عالمية إذا رفضت الحكومة السورية الانصياع. لا يمكن أن يكون هناك وقف لإطلاق النار أو حل سياسي طالما الطائرات والمروحيات السورية تصب حمم الجحيم من السماء.
الهولوكوست وكمبوديا والبوسنة وراوندا وسوريا. الإبادة الجماعية في عصرنا لا زالت تجري وتشق طريقها خارج النظر والعقل، ولكن كفى.
لا زال أمام الرئيس أوباما الفرصة للوقوف إلى جانب الشعب السوري.
اقرا:
واشنطن بوست: روسيا تحاول حرق أهل حلب أحياء