on
أيام منسيّة مع العصابة الأسديّة
مدونة محمد السمان-
إهداء
نُهدي هذا الكتاب والمجهود المتواضع لأرواح جميع الشهداء في سورية الذين قدموا دماءهم رخيصة من أجل الحرية والكرامة
نُقدم تحية إجلال وإكبار لإخواننا وأخواتنا السوريين المعتقلين الأبرياء في سجون الظلم والقمع الأسدي مع خالص التقدير لتضحياتهم العظيمة من أجل سورية الحرة
نقف جميعاً بكل احترام أمام الملايين من الأحرار الشرفاء الذين يناضلون كل يوم في سبيل نيل الحرية واستعادة الكرامة السليبة تحت نير الاحتلال الأسدي الغاشم
مقدمة إندساسية
فكرت كثيراً قبل المشاركة في كتابة ونشر هذه الرواية الغير مسبوقة في تاريخ سورية المعاصر، وقد كانت مشاغلي الكثيرة لدعم ومساندة الثورة في سورية هي العائق الرئيسي لتأخير إصدار هذا الكتاب الهام، ولكن بعد أن تحدثت شخصياً مع أحد الإخوة الأعزاء، وهو معتقل سابق في سجون الإحتلال الأسدي وقام قبل عدة أشهر بنشر قصته في كتاب هام بعنوان (من تدمر إلى هارفارد)، فقد قررت مؤخراً تركيز معظم جهودي على إنجاز هذا العمل الهام لأنني شعرت بأنني أمام مسؤولية وطنية كبرى تتطلب مني العمل بجهد متواصل وسريع من أجل معرفة وتوثيق الحقيقة بأبشع تفاصيلها ونشرها للعالم.
لقد سمعنا الكثير عن الممارسات القمعية الوحشية للأجهزة الأمنية في سورية، وقد كَتب الكثير من المُعتقلين السياسيين السابقين عن ظروف معاناتهم في سجون المخابرات الأسدية في سورية، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يقوم بها عنصر سابق في تلك المخابرات الأسدية بكتابة مذكراته الشخصية عن فترة خدمته العسكرية في أحد الفروع الأمنية الأكثر رعباً وإرهاباً للمواطنين السوريين وهو فرع المخابرات العسكرية في مدينة حمص.
صاحب هذا الرواية الحقيقي هو أحد أصدقائي الذين فرقتنا ظروف الحياة عن بعضنا ولكنَّ القدر يعود من جديد كي نلتقي بعد سنوات الغربة الطويلة لكي نعمل سوياً على هذا الكتاب الهام والخطير الذي سوف يتسبب بالتأكيد بحصول ضجة إعلامية كبرى ومن العيار الثقيل.
وفي الواقع فقد كان صاحب هذه القصة الحزينة يفكر دائماً بكتابة روايته عن أحداث أليمة عايشها بنفسه ولكنه كان يؤجل الموضوع بسبب رغبته في نسيان ذلك الماضي الحزين، وقد أقنعته بعد زيارتي له قبل ثلاثة أشهر بأن تفاصيل قصته سيكون لها أهمية إستثنائية لمعرفة حقائق غامضة مخيفة لايعرفها إلا القليل، وأخبرته بأن قصته يجب أن تنشر بأسرع وقت ممكن وخاصة في هذه الأيام التي يكافح فيها الأحرار الشرفاء من الشعب السوري ويناضلون من أجل الحرية والكرامة.
عملت شخصياً على هذا الكتاب لمدة ثلاثة أشهر وتطلب ذلك مني العديد من الزيارات لهذا الصديق العزيز لسماع قصته وتدوينها في كتيب ملاحظات يتحول الآن إلى كتاب هام سوف تكون له تداعيات خطيرة على العصابة الأسدية بعون الله.
سوف نحاول في هذه المذكرات الخاصة أن نُخفي كافة المعلومات السرية والحساسة التي قد تتسبب بالضرر لأشخاص آخرين، وبالطبع سوف نقوم بتمويه تواريخ وأحداث وأماكن محددة وذلك لإبقاء هوية صاحب هذه القصة طيّ الكتمان وأيضاً لحماية من شارك بكتابتها ونشرها لأننا جميعاً هذه الأيام نعتبر مندسين في العديد من الشبكات التآمرية على العصابة الأسدية، ولكن بالطبع كله تحت سقف الوطن، وربي يسر!!
ونحن نعتذر من القراء الكرام عن ذكر بعض الألفاظ البذيئة التي سوف نذكرها كما سمعها صاحب هذه القصة بنفسه من أوغاد عديمي الأخلاق الذين قابلهم خلال تلك الفترة العصيبة من حياته ولكننا قررنا ذكرها هنا فقط للتأكيد على قذارة هؤلاء الأسديين السفلة.
سوف أقوم في نهاية هذه القصة بذكر بعض الملاحظات والإستنتاجات التي كنت قد نشرتها في مدونتي الشخصية قبل عدة أشهر وذلك للتأكيد على العديد من الحقائق والمعلومات التي سوف تقرأونها وتعرفون تفاصيلها بعد قليل.
أخيراً، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لجميع الإخوة والأصدقاء المندسين الذي ساعدونا في سبيل إنجاز هذا العمل الهام وخاصة الأخ العزيز “أبو عبيدة الحموي” الذي قام مشكوراً بتدقيق الكتاب لغوياً وتصحيح كلماته وتنسيقه بالشكل الذي ترونه الآن.
مع خالص محبتي للمندسين الأحرار الشرفاء في سورية والمهجر!
2011-11-11
***
أيام منسيّة مع العصابة الأسديّة
ذكريات مؤلمة من القدر المرير والمصير الخطير
هذه قصةٌ حقيقيةٌ من صفحات الذكريات المؤلمة التي عايشتُها لمدة ثلاثين شهراً من حياتي والتي لا يعرف تفاصيلها إلا عائلتي وقلة من أصدقائي المقربين مني، وهي في الواقع تجربة شخصية مريرة لم أتكلم عنها حوالي ثلاثين سنة.
سوف تذهبون معي في رحلة استكشافية سريعة ولكنها ستكون مذهلة للتعرف على عالم سرّي غامض ومتوحش عشتُ فيه لمدة تسعمِئة يوم، وسوف أحاول إدخالكم معي في تلك الأماكن التي رأيتها وعملت فيها قبل سنوات طويلة والآن أعود إليها بذاكرتي المشوشة وفيها الكثير من الومضات الخاطفة عن الماضي المؤلم الذي أصبح جزءًا من حياتي رغماً عني وأنا مسلوب الإرادة والقرار، هذا الماضي الذي حاولت كثيراً أن أنساه وأمحوه من تاريخي.
السبب الأساسي الذي يجعلني أخرج عن صمتي بعد كل هذه السنوات الطويلة وأتكلم عن هذه الذكريات الشخصية المريرة هو أنني أشعر أن الأحداث التي عاصرتُها قبل هجرتي الدائمة والنهائية من سورية قد تكون لها أهمية استثنائية لشباب الثورة، يحفظهم الله، وذلك بسبب طبيعة المواضيع والحقائق الخطيرة التي سوف أتكلم عنها الآن وقد تكون مفاجئة للجميع.
أنا عربي سوري مُسلم، حمصي الأصل والهوية والإنتماء وعائلتي معروفة في مدينة حمص، شرفني الله بأنني ولدتُ في مدينة حمص العَدِّية وفيها مقام سيدنا خالد بن الوليد سيف الله المسلول، مدينة حمص التي كانت وما تزال عنوان للحرية والبطولة والكرامة ومعقل الأحرار الشرفاء وهي الآن قلعة الصمود والتحدي والقلب النابض للثورة السورية.
كان حُلم حياتي منذ الطفولة أن أدرس هندسة الطيران لأنني كنت أشاهد الطائرات التجارية العابرة على ارتفاع شاهق في سماء حمص وكنت أفكر كثيراً كيف تطير تلك الطائرات وإلى أين تذهب؟ وبعد أن وصلت لمرحلة تعليمية درست فيها الجغرافيا والتاريخ وفهمت أن سوريا تتوسط طريق الحرير وأنها كانت معبراً رئيسياً للقوافل التجارية منذ آلاف السنين وتعبرها يومياً قوافل ترانزيت تجارية ضخمة من الشاحنات والباصات والسيارات السياحية شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وكانت كلها يجب أن تمر في مدينة حمص الجميلة التاريخية العريقة.
كان والدي مهندساً محترماً وكان مشهوداً له بالكفاءة العملية وهو من المؤسسين لإحدى منشآت القطاع العام الكبرى والهامة في حمص، وكان يحدثني عن عمله مع المهندسين الأجانب الذين بنوا تلك المنشأة الصناعية الضخمة وكان دائماً فخوراً بأنه اكتسب خبرة تقنية كبيرة من خبير أجنبي محترم كان يعمل معه وكان يحدّثني عن أسلوبه المهني الراقي وطريقته الفعالة بالعمل وكيف أنه كان يدرّب والدي على كل المعدّات الصناعية ولكن تمّ الإستغناء عنه لتوفير راتبه الضخم الذي كان يقدّر بحوالي عشرة آلاف ليرة شهرياً (وذلك كان مبلغاً خرافياً في تلك الأيام) بعد أن قام والدي بمعرفة كل شيء منه رغم أن والدي كان يعمل بوظيفة مهندس وراتبه لا يتجاوز خمسمائة ليرة سورية، أما مدير عام تلك المنشأة الصناعية فهو شخص فاسد جاء من القرداحة وتسلم تلك الوظيفة الكبيرة لأنه أحد أقارب الرئيس الديكتاتور حافظ أسد، وكان يسرق كلّ شيء لحسابه وكأنه في مزرعة خاصة!!
حافظ أسد
كان الوالد يؤمن بالقومية العربية وكان مثل الكثيرين من الوحدويين العروبيين في تلك الأيام منبهراً بجمال عبد الناصر، ولكنه كان يحتقر حزب البعث ويعرف الكثير عن انحطاط البعثيين وفسادهم!! ولذلك فهو لم يستمر طويلاً في عمله واستقال “لأسباب طبية” وسافر إلى إحدى الدول الخليجية حيث إستقر به المقام هناك مع والدتي وإخوتي وكان ذلك قبل عدة أشهر فقط من انتهاء فصول قصتي التعيسة التي سوف تعرفون تفاصيلها المحزنة بعد قليل!
كنت الولد الأوسط بين إخوتي، مرحلة الطفولة في حمص كانت رائعة وممتعة لي من كافة النواحي، وبما أنني مواطن حمصي فقد كانت تنطبق علي صفات التواضع والبساطة وحب التنكيت والفكاهة وكنت عريفاً لجميع صفوف المرحلة الابتدائية في مدرستي وكنت شقياً جداً ومعروفاً بمشاغباتي التي لا تنتهي لدرجة أن أي مشكلة أو حريقة تحصل في حارتنا كنت أنا أول متهم!!
كان منزلنا قريباً من الفندق السياحي الذي يسمى حالياً فندق السفير وهو يقع في قلب أحد أحياء حمص الجميلة، وأذكر أن جميع مناطق الإنشاءات والمحطة وشارع طرابلس والملعب البلدي والحمرا والغوطة كانت ساحات لعب لي ولأصدقائي الكثيرين وكان أقربهم إلى قلبي هو “العكيد” المعروف حالياً بإسمه الإندساسي “شام الكرامة”، وكنا مثل جميع الأولاد في تلك الأيام لا نرجع للبيت أيام العطلة الصيفية قبل منتصف الليل، وأذكر أن صديقي الحبيب ”العكيد شام الكرامة” كان فعلاً زعيم شباب الحارة بدون منافس وكان يهتم بمشاكلنا اليومية وحل المنازعات بيننا أثناء اللعب وكانت له شعبية كبيرة جداً!
أمضيت المرحلة الابتدائية في مدرسة قريبة من بيتنا ودرست الإعدادية في مدرسة هاشم الأتاسي والمرحلة الثانوية في عبدالحميد الزهراوي التي كانت تسمى ثانوية التجهيز وكانت تلك المدراس تعتبر هي الأفضل في حمص، وكان الوالد حريصاً على أن نكتسب العلم من مناهج تعليمية صحيحة وكنت أسجل في دورات تدريبية خاصة خلال إجازات الصيف ومنها اللغة الانجليزية التي كنت أجيد التحدث بها بطلاقة، وكنت بفضل الله من المتفوقين رغم كل ساعات اللهو والصياعة بالحارات وسنوات المراهقة المبكرة، وكان حلم حياتي أن أسافر إلى أوروبا أو كندا أو أمريكا للدراسة مثل العديد من أقاربي وأصدقائي، وحصلت بالفعل على قبول جامعي لدراسة هندسة الطيران في دولة أوروبية ولكن قدّر الله سبحانه وتعالى أنني لم أتمكن من الذهاب إليها وسلكت رغماً عني طريقاً آخر كان مليئاً بالذكريات المؤلمة المريرة!!!
مازلت أذكر حرب تشرين من عام 1973 حيث كنت في سنوات عمري الأولى طفلاً يافعاً في المرحلة الإبتدائية، ورأيتُ بعينيّ الطائرات الإسرائيلية وهي تطير بسرعة خارقة على ارتفاع منخفض فوق منزلنا في حمص متجهة إلى مصفاة البترول وقد قصفتها بالفعل، وأذكر أنه كان يوماً رهيباً حافلاً بالأحداث والتفجيرات والحرائق الكبيرة وكنا نرى العشرات من سيارات الإطفاء والإسعاف وهي تتجه إلى المصفاة لمدة أسبوع كامل، وكنت أرى والدي وهو يقوم بطلاء جميع لمبات الإضاءة في البيت باللون الأزرق وكذلك أنوار سيارتنا البيضاء التي كانت تقف أمام منزلنا وقال لنا أنها إجراءات احترازية لمنع طائرات العدو الإسرائيلي من رؤية الأنوار في الليل وقصف المدن، وأتذكر هجمات الطائرات الإسرائيلية التي قامت بالعديد من الغارات على حمص وقصفت أيضاً معمل الكهرباء في بحيرة قطينة، وكنا نختبئ في بيت جيراننا بالطابق الأرضي. وأذكر أن الطائرات الإسرائيلية كانت ترمي مناشير وألعاب أطفال مفخخة وسكاكر وحلويات مسمومة وكنا نجمعها ونعطيها للوالد الذي كان يوصلها لمخفر الشرطة.
كان حالي مثل حال الآلاف من الشباب السوريين وهو أنني كنت مطلوباً للخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الأسدي وكانت محاولاتي يائسة للتملص والهرب من هذا المصير البائس وبدون جدوى، لأنني بسبب هوسي وشغفي بالسفر للدراسة بالخارج لم أسجّل في جامعات سورية الفاشلة رغم أن مجموعي بالثانوية العامة آنذاك كان يؤهلني للتسجيل في أي كلية هندسة في سورية، ومن سوء حظي العاثر فقد ضاعت أوراق القبول الجامعي من الكلية الأوروبية في البريد وتأخر وصول نسخة بديلة ولم أتمكن من الحصول على جواز سفر لاستخراج تأشيرة طالب لأنني أصبحت فعلياً متخلفاً عن السحب للخدمة العسكرية الإجبارية وقد أحاكم أمام المحكمة العسكرية بتهمة الفرار من تلك الخدمة “الوطنية” الإلزامية إذا لم أقم بالإلتحاق بالجيش خلال أسبوع واحد فقط من تاريخ آخر تأجيل دراسي، ورغم كل محاولاتي المستميتة والوساطات والرشاوي التي دفعتها في شعبة التجنيد بحمص للحصول على تأجيل استثنائي إلا أن إرادة الله كانت أقوى من كل شيء، وتذكرت المقولة الخالدة: أنت تريد وأنا أريد والله سبحانه وتعالى يفعل ما يريد، واستسلمت لقدري المحتوم وأنا في طريقي لأن أكون عسكرياً آخر تعيساً في جيش أبو شحاطة الأسدي الفاسد من أعلى رتبة إلى أدنى رتبة فيه (إلا من رحم ربي وهم قلة بالطبع)، وشاهدتُ فيما بعد أن هذا الجيش الأسدي الفاشل هو فعلياً عصابات من المرتزقة ويسيطر عليه بالكامل ضباط من نفس الطائفة القرداحية، ولهذا أصبح هذا الجيش نصفه فاسدون مرتشون والنصف الآخر شحاذون بؤساء.
كانت الساعات الأخيرة في منزل أهلي قبل سفري للالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الأسدي أصعب الأوقات في حياتي وأنا مكتئب مهموم وحزين لضياع فرصة العمر وتلاشي طموحي بالسفر والدراسة وبكاء أمي وأخواتي ونظرات أبي الحزينة التي كان يحاول إخفائها وهي واضحة، ولم أنم تلك الليلة وذهبت إلى منزل أحد أقاربي وهو إبن خالتي لتوديعه وكانت تلك الزيارة سبباً آخر في أخطر تحول حصل في حياتي، فقد كان زوج خالتي من كبار تجار حمص ويعرف الكثير من المسؤولين فيها ورآني في ذلك الوقت وأشفق على حالتي التعيسة وقال لي: “لا تزعل سوف أتوسط لك حتى تكون خدمتك في حمص بين أهلك وأصدقائك وكلها سنتين ونصف وتخلص من الخدمة الإلزامية بسرعة وتسافر بعدها إلى أي مكان تريده”. تلك الكلمات أعطتني شعوراً غامضاً بالطمأنينة المؤقتة من المصير المجهول ولم أعرف أن تلك الواسطة سوف تقلب حياتي رأساً على عقب.
سافرتُ بعيداً عن أهلي وأصدقائي في حمص للالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الأسدي أحمل معي مشاعر القهر واليأس التي لا يمكن وصفها بالكلمات، وسلّمتُ نفسي للسحب في مركز التجنيد هناك مع العديد من الشباب السوريين الذين كنت أرى في وجوههم نظرات الضياع والاستسلام لقدرنا المجهول الذي لا مفرّ منه بعد الآن، ومن ذلك المركز شحطونا جماعياً مثل الخراف بسيارة نقل روسية متهالكة تسمى “زِيل” إلى إحدى المناطق العسكرية البعيدة المخصصة للتدريب العسكري، وهناك دخلنا إلى حياتنا العسكرية الكئيبة كانت كل ساعة فيها تعتبر مأساة من العمر لا يمكن نسيانها، وخاصة لشخص متفوق وطموح مثلي لم يعرف والحمد لله حياة الذل والمهانة وكان يفترض به أن يكون في ذلك الوقت في طريقه لأوروبا لدراسة تخصص علمي هو حلم حياته وأمل مستقبله.
قمنا باستلام بعض الأغراض من المستودع العسكري وكانت عبارة عن بدلة عسكرية مشقوقة ومهلهلة وبوط عسكري مهترئ وفرشة وبطانيات قذرة وخوذة حديدية للرأس صدئة ومثقوبة وهي على الأغلب كان يلبسها عسكري تعيس ربما حارب بها في الحرب العالمية الأولى. وقمنا بحمل تلك الأمتعة العسكرية “الثمينة” والذهاب إلى أماكن النوم والإقامة التي كانت عبارة عن خيام عسكرية كبيرة منصوبة في المنطقة العسكرية التي كانت في منطقة بعيدة جداً عن المدن والقرى وتتسع كل واحدة منها لحوالي خمسين مجنداً، وغني عن القول أن تلك الخيام كانت تشبه معسكرات الاعتقال التي نراها في الأفلام الوثائقية.
وأرسلونا إلى الحلاق لحلاقة الشعر بالكامل على الصفر وكنت أنظر إلى وجهي بالمرآة وأرى شخصاً محطماً نفسياً وإنساناً يائساً بائساً رمتْ به الأقدار على مقعد حلاق عسكري تعيس وأنا الذي كنت لا أحلق شعري إلا عند أشهر صالونات الحلاقة في شارع الدبلان الراقي بحمص وبتسريحات شعر شبابية خاصة!!
الأيام الأولى من الالتحاق بالخدمة العسكرية في الجيش الأسدي تسمى “دورة أغرار” وهي دورة تدريب خاصة لمدة خمسة وأربعين يوماً يمكن وصفها بأنها نموذج حياة بائسة من الشقاء اليومي في الجحيم المتواصل الذي لا يتوقف، كل ساعة في تلك الدورة هي عبارة عن ممارسات من التعذيب السادي والإذلال الغير مبرر لا ينام خلالها المجندون ليلاً ولا نهاراً، ويتم خلالها استخدام كل الشتائم الفاحشة والضرب والإهانات ويجب على المجندين الاستسلام لتصرفات المدربين السادية الحقيرة وعدم الشكوى وإلا يكون التعذيب مضاعفاً وأمام الجميع.
حان وقت الغداء لأول مرة لي في تلك المنطقة العسكرية الكئيبة وكانت قاعة الطعام وسخة وقذرة للغاية والطاولات والمقاعد الخشبية متكسرة، وكان الطعام سيئاً لدرجة القرف وهو عبارة عن وعاء حديدي يشبه الطنجرة لونه أسود من الإحتراق ويسمى لديهم “قصعة” وفيه برغل وبجانبه وعاء آخر فيه بعض حبوب الفاصولياء في مرقة لونها أحمر شعرت بالغثيان من منظرها قبل الأكل منها، وكانت هناك عدة أرغفة من الخبز القاسي مثل الحجارة لونه بني غامق أؤكد أنه لايصلح للإستهلاك الآدمي ولا حتى الحيواني، وكان علينا أن نأكل كل ما في تلك القصعة خلال دقائق معدودة وإلا يقومون بسكبها على رؤوسنا!!!
في تلك المنطقة العسكرية التعيسة أمضيت عدة أيام ولكنها كانت عصيبة جداً وأنا أشاهد ممارسات التمييز العنصري البغيض والاحتقار لكل شيء إنساني جميل، ورأيت بنفسي كيف أن أبناء العوائل الراقية المحترمة من المدن يتم استهدافهم بالتحديد وإزعاجهم وابتزازهم مادياً وإهانتهم وإذلالهم فقط لأنهم ليسوا من القرى التي ينتمي إليها معظم الضباط الأنذال وغالبيتهم شخصيات ضيعجية قذرة وتافهة ينتمون إلى نفس الطائفة القرداحية الإجرامية التي تقتل شعبنا هذه الأيام!!
بعد بضعة أيام سمعت اسمي ينادون عليه بالإذاعة الداخلية ومطلوب فوراً لمكتب مدير تلك المنطقة العسكرية شخصياً!! ذُهلت من هذا النداء وانتباني شعورٌ بالخوف من هكذا طلب غير طبيعي، لماذا ينادون على اسمي بمكبرات الصوت؟ وماهي الجريمة التي ارتكبتها أو بالأحرى قد تكون لُفّـقت لي حتى أكون مطلوب وبسرعة لمكتب المدير العام، يا لطيف إلطف بي!!
دخلتُ ذلك المبنى الذي يوجد فيه مكتب المدير وفوجئتُ بالجميع يقفون لي ويسلمون علي بترحاب غريب ولم أفهم شيئاً مما يجري حولي ولكنني شعرت بالراحة النفسية على الأقل لأنه لو كنت مذنباً بأي شيء فهم لن يعاملوني بهذه الطريقة اللطيفة العجيبة أليس كذلك؟ وبسرعة أدخلوني على سيادة الضابط الكبير الذي وقف من وراء مكتبه ورحّب بي وطلب مني الجلوس وطلب لي كأساً من الشاي وقد كانت دقات قلبي ربما تتجاوز مئتين من الذهول ولا أعرف ما يجري، خاصة وأن هذا المدير العام بدأ يسألني عن وضعي الشخصي في منطقته العسكرية التي هو مديرها وهل تم إزعاجي من أي أحد؟ وهل كانت إقامتي لتلك الأيام المعدودة بينهم جيدة؟ وهل وهل وهل، العديد من الأسئلة التي لم أفهم سببها وكان جوابي الوحيد هو: شكراً سيدي كل شيء تمام وأنا بخير، وبعدها قال لي الخبر الصاعق المذهل الذي هزّ كياني وزلزل وجداني: يا ابني إنته جاء طلب نقلك لمدرسة المخابرات العسكرية في دمشق!!!!!!!!!!!!! فقلت له عفواً سيدي ماذا تقصد؟ فقال لي: الظاهر أنه إنته واسطتك كبيرة كتير وطلبوا نقلك للخدمة العسكرية في المخابرات، نظرت إليه باندهاش غير طبيعي وقلت له: مثل ما تأمر سيدي، فبدأ يحاول معرفة مين من أقاربي ضابط مخابرات تقيل كتير لحتى يأتي طلب نقلي بهذه الطريقة الاستثنائية السريعة وأوضحت له بأنني من عائلة متوسطة وأننا لا نعرف أحداً في الأمن ولا المخابرات، ولكنه نظر إلي بطريقة تشكيك واضحة تدل على أنه لم يصدق كلامي، وبعدها اتصل بمدير مكتبه وطلب منه أن يرسل معي أحد الحراس لمساعدتي بتوضيب أغراضي وتسليم عهدتي للمخزن العسكري وبعدها أمر بتوصيلي إلى الكراجات للسفر بباصات “الهوب هوب” العريقة!!!
ذهبت برفقة الحارس الذي كنت رأيته سابقاً وأعرف أخلاقه الفظة مع المجندين وكان يمشي معي وكأنني صديقه الحميم وهو يقول لي: تكرم عيونك رفيق أنا سوف أساعدك بتوضيب أغراضك وتسلم عهدتك بسرعة، ولم أكن أعرف أن تسليم العهدة في جيش أبو شحاطة الأسدي كانت مناسبة ذهبية للضابط أمين المخازن العسكرية وعناصره الفاسدين لابتزاز العسكريين البؤساء وسرقتهم بسبب أكاذيب يقومون بفبركتها زوراً وبهتاناً حتى يطلبوا مبالغ مالية لكي يتم الاستلام والتسليم للعهدة العسكرية “حسب النظام” وبالفعل عندما ذهبنا للمخزن لتسليم أغراضي التي لم يمضِ على استلامي لها سوى بضعة أيام قام حرامي المخزن الفاسد بالنظر إلي بكل لؤم وحقارة وهو يقول: هذه الأغراض غير مقبولة وهي مختلفة عن ما قمنا بتسليمه لك وبدأ يلمح لي بأنه ممكن يساعدني إذا دفعت له رشوة!!! نظرت إليه باستغراب ولم أفهم ماذا يقول، وهنا تدخل الحارس الذي كان معي وقال له: الرفيق تم نقله اليوم إلى المخابرات العسكرية، وفجأة انتفض ذلك الفاسد الحقير وكأنه أصيب بصاعقة خوف لم يكن يتوقعها في أسوأ كوابيسه ونظر إلي باستعطاف وكاد ينهار من الرعب واعتذر مني بكلمات أشبه بالهذيان وهو يسجل بيده المرتعشة أغراضي حتى يستلمها مني رسمياً وقفز مثل القرد المسعور بين مكاتب المخزن لختم براءة الذمة لي من زملائه الآخرين وتوقيعها من الضابط المسؤول عنه ورجع إليّ خلال دقائق معدودة وهو يقول: تفضل رفيق إنته خالص من عندنا!!!
جاءت سيارة عسكرية مهرتكة موديلها على الأغلب من حقبة الخمسينات تسمى “جيب واظ” لتوصيلي إلى كراجات السفر، وفهمت من السائق أن هذه الخدمة المتميزة لا يحصل عليها إلا الضباط وفي حالتي فهو قد جاءه أمر عسكري لتوصيلي بناءً على تصريح خاص لا يحصل عليه إلا أصحاب الواسطات القوية جداً مثلي! وخرجتُ من تلك المنطقة العسكرية وأنا أشعر بأنني ولدتُ من جديد ولكنني أفكر بالمجهول الغامض المخيف الذي ينتظرني، مخابرات عسكرية؟؟؟ أعوذ بالله!!
رجعتُ إلى حمص وفوجئ أهلي برؤية منظري وأنا واقف أمامهم حليق الرأس أنظر إليهم وهم مندهشون للغاية من هذه الزيارة غير المتوقعة على الإطلاق وظنوا أنني هربت من الجيش، لأنه من المعروف أن المجندين حديثاً لا يحصلون على إجازة قبل مضي شهرين على الأقل من بداية السحب إلى الخدمة العسكرية، وأخبرتهم بقرار انتقالي إلى المخابرات العسكرية فأصابهم الذهول وعقدت الصدمة ألسنتهم ولم يعرفوا ماذا يقولون لي!
ذهبت فوراً إلى منزل إبن خالتي وسألته بغضب شديد هل هذه هي الواسطة؟؟؟ واتصل بمكتب والده الذي أخبرني بكل تفاخر: نعم أنا توسطت لك عند أبو يَعرُب (العقيد غازي كنعان) مدير فرع المخابرات العسكرية بحمص وهو طلب نقلك لعنده ولكن يجب أن تذهب لدورة خاصة في مدرسة المخابرات العسكرية في دمشق. نظرت إلى إبن خالتي وصرخت فيه: الله لايعطيكم العافية فوق تعبكم معي، مخابرات عسكرية!! الله لايوفقكم على هيك واسطة. نظر إبن خالتي إلي باستغراب شديد وقال لي: ليش زعلان؟ إنته راح تخدم عسكريتك متل الملك، لن تزعجك الشرطة العسكرية التي تلاحق عادة العساكر المساكين وتعتقلهم وتضربهم لأي سبب، وأهم شيء سوف تكون قريباً من بيتكم، يعني الخدمة متل دوام الموظف وترجع تنام بالبيت كل ليلة، نظرت إليه وأنا أصرخ بوجهه: مخابرات عسكرية عند غازي كنعان!!!!! الله لايوفقك قول آمين، لكنه كان يضحك ويهدئ من روعي ويؤكد لي أنها ثلاثون شهراً فقط وتمضي وبعدها تصبح حراً طليقاً وتسافر للدراسة في الخارج.
كان استيائي الشديد وخوفي من هذا الانتقال المفاجئ غير المتوقع إلى المخابرات العسكرية سببه الأساسي أن البلد كانت تمرّ بمرحلة عصيبة جداً وذلك خلال فترة نهاية الصراع الدموي المسلح بين عصابات سرايا القتل الأسدية وجماعة الإخوان المسلمين، وكان المواطنون بشكل عام ينظرون لأي عنصر أمن أو مخابرات في تلك الفترة باحتقار شديد وازدراء واضح ولا يكلمونهم، ويتجنبون التعامل معهم لأنهم عصابات أمنية مسعورة من المجرمين ولهم سوابق كثيرة بإرهاب الناس واعتقال الأبرياء وضربهم وتعذيبهم، ولذلك بدأت أفكر جدياً في مستقبلي كشخص سوف يكون محسوباً على هؤلاء المنبوذين عناصر الأمن الأنذال والمخابرات الأوغاد وكيف أن أصدقائي وأقربائي سوف يتجنبون الحديث معي، وبالفعل هذا ما حصل فيما بعد وتطلب مني الكثير من الجهد والمعاملة الحسنة حتى يعرفون فعلاً أنني لم أصبح واحداً من هؤلاء المجرمين.
كان مدير فرع المخابرات العسكرية بحمص في تلك الفترة هو المجرم الدموي الرهيب العقيد غازي كنعان، وكان مشهوراً بممارساته الوحشية التي يعرفها جميع أهالي مدينة حمص، وهو من قرية بحمرا القريبة من القرداحة بمحافظة اللاذقية وهو مقرب من الرئيس الدكتاتوري حافظ أسد وكان يحظى بثقته المطلقة، وكان يسيطر على كل شيء أمني أو تجاري في حمص، وكانت قصص فساده المالي والأخلاقي وجرائمه لا تُعدّ ولا تُحصى، وللأسف فهو الآن أصبح واسطتي الكبرى بدون أن أدري ولا يمكنني مجرد تخيّل شعور أهلي وأصدقائي بهكذا واسطة فظيعة من شخصية إجرامية إرهابية!!
وقد كان المجرم الإرهابي العقيد غازي كنعان أثناء رئاسته لفرع المخابرات العسكرية بحمص مشهوراً بمقولة إنتشرت عنه وهي تهديد رهيب بأنه: سوف يقطف ألف زهرة من حمص ويزرعها في تدمر!! وهو يقصد أنه سوف يعتقل ألف شاب من حمص ويرسلهم إلى سجن تدمر الصحراوي الرهيب حيث التعذيب والمحاكمات الميدانية وأحكام الإعدام العرفية.
ولكن سبحان الله الذي يُمهل ولا يُهمل، فقد انتحر هذا المجرم بعدها بخمس وعشرين سنة عندما كان وزيراً للداخلية سنة 2005 وقيل أنه اغتيل بواسطة العصابة الأسدية للتغطية على دوره في اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري وقيل أنه كان يحضر للانقلاب على بشار أسد بالتعاون مع عبد الحليم خدام وغيره، والله أعلم.
غازي كنعان
رجعت إلى منزلي وقررت أن أعطي لنفسي إجازة خاصة لمدة أسبوع كامل بما أنه واسطتي قوية لهذه الدرجة!! وبعدها بدأت بتوضيب أغراضي للسفر إلى دمشق للالتحاق بمدرسة المخابرات العسكرية.
قضيت معظم تلك الإجازة القصيرة برفقة صديق عمري “العكيد شام الكرامة” وهو كان يُحضّر أوراقه للسفر إلى أمريكا للدراسة، وأذكر أنه عندما أخبرني بحصوله على جواز السفر وتأشيرة طالب جامعي من السفارة الأمريكية وقد حصل على موافقة السفر كنا نبكي كثيراً وكان يتألم لحالي ويواسيني على مصابي التعيس وقدري المشؤوم، وأعطاني وعداً بأنه سوف يبقى إلى جانبي بقية العمر مهما كانت الظروف والأحوال، سافر صديقي الغالي بعدها بعدة أيام إلى تلك البلاد البعيدة وذهبت أنا في طريق آخر عجيب غريب ورهيب.
وصلت إلى الفرع الإداري بدمشق ومنه أخذوني بسيارة مدنية تابعة للمخابرات العسكرية، وفي الطريق كنت أفكر في هذا الفرق الكبير بين طريقة شحطنا مثل الحيوانات في مركز السحب السابق والآن أنا جالس داخل سيارة نظيفة وحديثة وشكلي محترم وتذكرت قول إبن خالتي لي: “إنته راح تخدم عسكريتك متل الملك” وقلت في نفسي: ابسط يا معلم، عسكريتك سوف تكون خمس نجوم!!! واكتشفت فيما بعد أنني كنت مخطئاً بالتأكيد في هذه التوقعات السخيفة الساذجة.
مدرسة المخابرات العسكرية في منطقة ميسلون بريف دمشق
وصلتُ إلى مدرسة المخابرات العسكرية بالقرب من طريق دمشق بيروت في منطقة ميسلون وفيها ضريح الشهيد البطل يوسف العظمة وهي قريبة جداً من الحدود مع لبنان حيث توجد قرية دير العشاير اللبنانية وتبعد حوالي خمسة كيلومتر باتجاه الجنوب الغربي في قطاع راشيّا، ودخلنا إلى تلك المنطقة العسكرية السرية المحظورة التي يحوطها سور إسمنتي وأسلاك شائكة يُقال إنها مكهربة وعليها حراسة أمنية مشددة وأبراج مراقبة عديدة.
مدرسة المخابرات العسكرية في منطقة ميسلون بريف دمشق
بعد أن نزلت من السيارة وكان الثلج يتساقط فوجئت بشخص ضخم البنية رأسه أصلع يلبس بدلة رياضية لونها أزرق يقف أمامي وينظر إلي شذراً ويقول لي بدون أي مقدمات وبلهجة قرداحية لئيمة: إنت مين واسطتك ولاك؟ فاجأني ذلك السؤال وأجبته أنه مدير فرع مخابرات حمص، فقال لي: إنت من أي ضيعة؟ ففوجئت أكثر وقلت له أنا من حمص، نظر إلى ورقة أمر انتقالي إلى مدرسة المخابرات العسكرية وقال لي: ولك عرص وين كاين هالأسبوع غايب؟ ليش ما إجيت لهون فوراً؟ أجبته وأنا حتى تلك اللحظة لا أعرفه، كنت مريضاً!!! فهز برأسه الأقرع الضخم وهو ينظر إليّ بتجهم وأحسست أنني في ورطة استقبال غير لائق من شخص مظهره عدواني لا أعرف من هو وتوقعت أن يضربني كفاً مؤلماً على وجهي، ولكن الحمد لله جائني الفرج فجأة عندما حضر أحد الأشخاص وضرب له تحية عسكرية وأخبره أنه لديه إتصال هام وعاجل في مكتبه، فتركني وطلب من أحد الأشخاص عند البوابة أن يهتم بأمر تسجيلي ودخولي لتلك المدرسة وذهب بسرعة وعرفت فيما بعد أنه ضابط مخابرات برتبة عالية وأنه رئيس المدربين في تلك المدرسة.
كانت مدرسة المخابرات العسكرية مقسمة إلى جزءيْن رئيسيّين أحدهما للمجندين مثل حالتي أي هؤلاء الذين يخدمون العسكرية الإلزامية لمدة مؤقتة وهي سنتين ونصف وتكون دورة التدريب لهم ستة أشهر فقط وعددنا كان حوالي سبعمائة، والقسم الآخر للمتطوعين وهم العناصر الذين تقدموا بطلب تطوع للخدمة الدائمة بالمخابرات العسكرية (على الأغلب من الطائفة العلوية) ومدة تدريبهم سنة كاملة وعددهم ألف تقريباً.
مدرسة المخابرات العسكرية في منطقة ميسلون بريف دمشق
كانت تلك الأيام في فصل الشتاء وكان البرد قارصاً، ذهبتُ الى المخزن العسكري لاستلام لوازمي الشخصية من المخزن وفوجئتُ أن كل شيء جديد ونظيف، الملابس والفرشة والبطانيات والحذاء العسكري ولاحظتُ أنه حتى أمين المخزن كان يعاملني بإحترام، وفكرت في نفسي أنه أكيد هو حرامي مثل غيره ولكنه يعرف أنني مجند وأن واسطتي كبيرة ولذلك هو يخاف أن يسرقني!
ذهبتُ بأغراضي إلى أحد المهاجع المخصصة لإقامة المجندين وكان مبنىً كبيراً وطويلاً يتسع لحوالي مائة سرير بطابقين، ووجدتُ سريراً فارغاً وضعتُ عليه أغراضي وانتظرت حتى جاءني شخص وأخبرني أنني يجب أن أقابل الضابط المسؤول عن المجموعة التدريبية التي تم تسجيل اسمي فيها، ذهبت إليه في مكتبه وكان جالساً بقرب المدفآة وهو يشرب المتة ويتسلى بنتف شعيرات من ذقنه بملقط أمام مرآة صغيرة وسألني بلهجة قرداحية لئيمة بدون أن ينظر إليّ وكانت نفس الأسئلة: مين واسطتك؟ من أي ضيعة إنت؟ ولا أعرف لماذا هم دائماً يسألون هذه الأسئلة الغبية؟ ربما هم يريدون معرفة مستوى واسطتك وبالتالي أهميتك بينهم، لا أعرف بصراحة حتى الآن.
حان وقت الغداء في تلك المدرسة ولفت نظري أن قاعة المطعم كانت نظيفة للغاية مقارنة بما سبق ورأيته وكانت الطاولات فيها مصنوعة من الستانلس ستيل البراق وكان الطعام متميزاً ومطبوخاً مع اللحم والدجاج وكأنه صُنع في أحد المطاعم، الخبز كان دافئاً ولذيذاً وكان هناك فواكة طازجة برتقال وتفاح وموز من نوعية جيدة جداً وسمعتُ فيما بعد أنها مصادرة من مزارع وبساتين بالقرب من تلك المنطقة!!
كان التدريب شاقاً مع أننا من المفترض أن نكون “مدلعين”، وكان التدريب الصباحي في تمام الساعة السادسة عبارة عن الركض والتمارين الرياضية في الساحة الرئيسية الكبيرة لمدة ساعة كاملة بدون توقف وكنا نردد خلالها شعارات تمجد القائد الخالد حافظ الأسد ومنجزاته العظيمة!! وبعدها نكون منهكين ونذهب للإفطار بشهية كبيرة لأنه كان فطوراً يتكون من البيض المسلوق أو المقلي والجبنة واللبنة والزيتون والمربيات والحلاوة والخبز وأهم شيء الشاي الساخن وكانت مدة الإفطار نصف ساعة تقريباً وفي جو هادئ بدون منغّصات!
كانت التدريبات الميدانية أحياناً باللباس العسكري الكامل والسلاح خارج سور المدرسة، وكنا نركض كثيراً باتجاه الحدود اللبنانية ونخترقها حتى نصل إلى مقربة من قرية دير العشاير اللبنانية بدون أي مسائلة قانونية من أحد!
كان أسلوب الضرب والإهانات وسماع الشتائم الفاحشة وكلمات الإلحاد والكفر المقذعة من الضباط المدربين أمراً اعتيادياً في مدرسة المخابرات العسكرية وكانت الكلمة التي كثيراً ما نسمعها من الضباط المدربين لنا هي “يا أوباش” وأنا حتى الآن لا أعرف المعنى الحقيقي لهذا الوصف الغريب!!! وقد رأيت في إحدى المرات أحد الضباط يقوم بضرب أحد المتطوعين لسبب لانعرفه وهو يشتمه بلهجة قرداحية حقيرة ويقول له: سوف أفعل بأمك وأختك كذا وكذا وكذا (أعتذر عن ذكر تلك الشتائم لأنها فاحشة وقذرة للغاية).
في إحدى المرات كنا واقفين في الساحة الرئيسية أثناء التجمع الصباحي ولسبب ما تحركتُ بدون أن أقصد فجاء أحد الضباط وشتمني بلهجة قرداحية لئيمة وضربني بعنف عدة بوكسات بقبضة يده على وجهي كُسر بسببها ضرسين من أسناني وبصقتهما مع الدم على الأرض أمام ذلك الضابط الوغد الذي رأى ذلك المنظر وأدار ظهره بلا مبالاة وابتعد عني وكأن شيئاً لم يكن.
ومع ذلك كنا نعتبر حالنا مدللين كثيراً لأننا مجندين وطبيعة تدريبنا كانت محتملة ومقبولة بالمقارنة مع المتطوعين الذين كانوا يعذبونهم ليلاً ونهاراً ويضربونهم بسادية ووحشية بدون أي سبب معروف ويذلونهم بأقذر الشتائم والكلمات البذيئة التي تمس العرض والشرف والكرامة، وقد شاهدت في إحدى المرات أحد المتطوعين يضربونه فلقة مؤلمة جداً في الساحة الرئيسية وكان كلما يصيح يضربونه أكثر حتى سال الدم من قدميه وكان ذنبه الوحيد أنه تأخر ساعتين عن موعد عودته من الإجازة الشهرية.
كان الضباط المدربون يوقظوننا بعد منتصف الليل ونخرج في البرد القارس لابسين شورتاً فقط وكانوا يطلبون منا الانبطاح على الأرض الطينية المتجمدة والزحف على الأحجار التي تغطيها الثلوج أحياناً وكان ذلك يعرضنا للكثير من الأذى والجروح، كانت أيام صعبة جداً وكنت أسمع زملائي يقولون أننا مجندين محظوظين لأن هذه التدريبات مؤقتة لنا ولكن المتطوعين كانت تلك هي تدريباتهم دائماً في الصيف والشتاء لمدة سنة كاملة.
وأذكر أنه في إحدى المرات طُلب منا الخروج للسباحة فجراً في أحد أيام الشتاء القارس وكانت بركة السباحة هي مستنقع موحل ومتجمد بالكامل ومشينا فوق الجليد الذي كان سمكه حوالي نصف متر وفجأة انكسر من تحت أقدامنا العارية وشعرت عندما وقعت في تلك المياه المتجمدة بأن ملايين الإبر تخترق جسدي النحيل وكاد قلبي يتوقف وأنا أرتجف بحالة من الهلوسة والهذيان التي لا يمكن وصفها وأكاد أعوي من الألم مثل ذئب مسعور في مهب عاصفة ثلجية لا ترحم، وعندما ذهبنا للاستحمام كان الدم ينزف من أجسادنا بسبب الجليد المتكسر الذي كان يجرحنا مثل البلور المكسور ولا نشعر به من شدة البرد والصقيع المتجمد.
وفي مرة أخرى طلبوا منا الصعود إلى جبل إرتفاعه حوالي خمسمائة متر لمشاهدة غروب الشمس وكنا نصعد الجبل ونحن مسرورين لهذا المشوار اللطيف بعد يوم حافل من التدريبات الشاقة المرهقة ولكن كان الضباط المدربين يتضاحكون فيما بينهم لسبب مريب لا نعرفه!! وعندما وصلنا إلى قمة الجبل قام الضباط بضربنا فجأة بطريقة هستيرية وكأننا كلاب مسعورة وأطلقوا الرصاص من حولنا وأجبرونا على الهرب منهم بطريقة جنونية تحت وابل من الرصاص الذي كان يمر فوق رؤوسنا وقد غابت الشمس وحل الظلام ونحن نجري مثل المجانين نزولاً بين الصخور والأحجار ولم نرى طريقنا وفقدنا جميعاً التوازن ووقعنا في منتصف المسافة وتدحرجنا بسرعة مخيفة وكأنه أصابنا انهيار ثلجي ولم يصل أحد منا إلى الأسفل إلا وقد أصيب برضوض شديدة وكدمات مؤلمة وجروح نازفة، وقد كُسرت رجل أحد المجندين وأصيب آخر بجرح في رأسه وكان ينزف بغزارة وذهب إلى المستوصف وهو مربوط الرأس لأن الجرح تطلب خمسة غرز وبقيت تلك الربطة على رأسه لمدة أسبوعين وكان مميزاً بها بين الجميع ورأيت أحدهم مصاباً في ظهره لم يتحرك بسببها وربما أصابه الشلل الدائم ونقلوه للمستشفى ولم نره بعد ذلك.
وعند اقتراب نهاية الدورة التدريبية وكان بداية الصيف قاموا بإشعال حقل من الأشواك وطلبوا منا الزحف ونحن نطلق الرصاص على أهداف متحركة فيه وكانت تجربة مخيفة ورهيبة لا يمكن نسيانها بسبب الأشواك والنار والدخان والرصاص المتطاير من حولنا في كل مكان.
كانت التدريبات العملية خطيرة جداً وشاهدت بعض المجندين والمتطوعين مصابين بإصابات خطيرة أثناء التدريب تطلبت إسعافهم للمستشفى ومعظمهم لم نرهم فيما بعد وربما يكونون ماتوا بسبب الإصابة، وأذكر أنه في إحدى المرات قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف أهداف عسكرية بالقرب منا وزعقت صافرات الإنذار وهربنا جميعاً إلى الملاجئ وعرفت فيما بعد أنه كان هناك ضحايا في تلك القطعات العسكرية القريبة من موقعنا وهي مواقع تابعة لسرايا الدفاع أعتقد أنها كانت الوحدة 569.
وقد صعقني ما سمعت من أحد الضباط المدربين بعد أحد التدريبات العنيفة الخطيرة أنه مسموح لهم في مدرسة المخابرات العسكرية بقتل عشرين بالمئة من العناصر أثناء فترة التدريب!!!
كان التدريب عموماً على استعمال مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة مثل المسدسات والرشاشات الكلاشينكوف والبي كي سي واستعمال قاذف آر بي جي الصاروخي المحمول على الكتف وهناك تدريبات على رمي القنابل وطريقة التعامل مع المتفجرات بأنواعها. وكانت هناك دروس كثيرة في حرب العصابات والقتال داخل المدن والشوارع والأبنية السكنية، كانوا يدربوننا على إطلاق الرصاص من سيارات مسرعة والقفز منها مع السلاح بطريقة خاصة لم يتقنها العديد من المجندين وأصيبوا برؤوسهم بسبب وقوعهم على الأرض بإصابات بالغة، وكان هناك دروس نظرية للمراقبة والمتابعة للمطلوبين أمنياً والتجسس على ”المشبوهين” ونسيت معظم تلك التدريبات لأنني لم أمارسها عملياً أثناء خدمتي فيما بعد في فرع مخابرات حمص.
أجمل شيء في مدرسة المخابرات العسكرية هو أنهم كانوا يسمحون لنا بالمغادرة لزيارة الأهل كل أسبوعين لمدة يومين وكانوا يحضرون لنا الباصات الحديثة للسفر وكانت ساعة الانصراف قمة السعادة لنا ولكن ساعة العودة كانت بالطبع كئيبة ومحزنة. والغريب أنهم كانوا لا يسمحون للمتطوعين بالإجازة إلا يومين فقط في الشهر وفي بعض الأحيان يحرمونهم من الإجازة الشهرية لأي سبب سخيف.
لم يكن مسموحاً للمجندين بالاختلاط مع المتطوعين مطلقاً وكانت حياة أولئك المتطوعين التعساء مأساوية لأنهم ينامون في خيام بعيدة عن أماكن تواجدنا ويتدربون في أوقات مختلفة عن أوقات تدريبنا وكانت دورتهم التدريبية بالفعل جحيماً لا يُطاق وأشبه بمعسكرات الاعتقال النازية وكأنهم محكوم عليهم بالسجن والأعمال الشاقة.
وقد لفت نظري الفرق الكبير بالمعاملة بين المجندين والمتطوعين، حيث أن المجندين كانوا يعاملونهم بطريقة خاصة وأقل شراسة وعنفاً بكثير من المتطوعين، ربما لأنهم على الأغلب جاؤوا بواسطات كبيرة ويتجنبون إذلالهم وإهانتهم بالطريقة العنيفة المعتمدة لديهم، أما المتطوعون فكان وضعهم أشبه بالجحيم وعذابهم متواصل تحت سيطرة الضباط المدربين وممارساتهم التي لا تتوقف من الذل والإهانات لأولئك المتطوعين، وقد سمعت فيما بعد أن أحد المتطوعين قد انتحر داخل خيمته في المدرسة ولم نعرف السبب، وقد سمعت عن ثلاثة من العناصر المتطوعين هربوا من المدرسة باتجاه الحدود اللبنانية ولكن تم إلقاء القبض عليهم ولم أعرف أي شيء عن مصيرهم. وهذا قد يفسر السبب الحقيقي لتلك الأخلاق الشرسة والتصرفات العدوانية القذرة لعناصر المخابرات المتطوعين لأنهم عموماً أشخاص حقودين وعنيفين بصورة رهيبة ولايوجد لديهم الحد الأدنى من المشاعر الإنسانية.
لقد كنت أفكر كثيراً أثناء الدورة التدريبية ومشاهدتي لطبيعة التعامل القذر والشرس مع العناصر المتطوعين أنه إذا كانت هذه هي طريقة التعامل فيما بينهم فما هي إذاً الطريقة التي يعاملون بها المواطنين؟
كانت علاقاتي الشخصية مع المجندين الآخرين عادية جداً ولم تكن لي صداقات مع أي أحد منهم ولم ألتقِ بهم بعد انتهاء الدورة ولا أعرف لماذا كان معظمهم سافلين ومنحطين أخلاقياً! وربماً ذلك بسبب أنهم جاؤوا بالواسطة وهذا يفسر سبب تصرفاتهم المتعجرفة والأنانية بشكل عام. وقد عرفت فيما بعد أنه كان بيننا مخبرين ينقلون كل شيء لضابط الأمن الذي يكتب تقارير شهرية عن جميع المجندين، وقد لاحظت اختفاء بعض زملائي في تلك المدرسة فجأة بعد العودة من الإجازات وعرفت أنهم غير مرغوب فيهم لأنهم إكتشفوا أن أحد أقاربهم ربما يكون شخصية معارضة أو مشبوهة حسب تقييمهم أو أنهم قالوا شيئاً لم يعجب الضابط الأمني المسؤول عن هذه التقارير السرية وفي تلك الحالة ينقلونهم إلى قطعات الجيش النظامي، أي عكس حالتي أنا لحسن حظهم وسوء حظي التعيس أنني انتقلت رغماً عني للخدمة بالمخابرات العسكرية!!
وبالمناسبة لم نكن نعرف من هو قائد مدرسة المخابرات العسكرية، وقد سمعت بأنه ضابط مخابرات برتبة عميد على الأغلب ولم نره إلا في مناسبات قليلة ومن بعيد ولا نعرف اسمه، وكان جميع الضباط في تلك المدرسة معروفين فقط برتبتهم العسكرية والاسم الأول فقط أو اللقب أبو فلان أو أبو علان.
لقد مضت أشهر التدريب الستة العصيبة في تلك المدرسة وأخيراً جاء يوم التخرج العظيم وكان المطلوب منا أن نعمل مسيرة عسكرية نرفع فيها الأعلام وصور السيد الرئيس القائد (الهالك البائد)، وفيما بعد قاموا بتوزيع أوامر الفرز لنا وكان نصيبي كما هو متوقعاً وأعرف مسبقاً هو الخدمة الإجبارية لمدة سنتين في فرع المخابرات العسكرية الرهيب بحمص لأن مديره المجرم المخيف كان واسطتي وبدون أن أسعى إلى ذلك.
فرع المخابرات العسكرية في حي المحطة بمدينة حمص
رجعتُ إلى حمص وأنا أشعر داخلياً بأنني عنصر أمن منبوذ من المجتمع لأنني سوف أعمل في فرع المخابرات العسكرية الذي كان موقعه في حي المحطة بالقرب من ساحة الحج عاطف بجانب محطة القطارات في مدينة حمص، وكان ذلك الفرع الأمني مشهوراً بالرعب والخوف لجميع المواطنين الذين يتجنبون حتى المرور بالقرب منه.
ركبتُ سيارة تاكسي لتوصيلي في أول يوم لمقر فرع المخابرات العسكرية فنظر إليّ السائق بخوف وقال لي أنه لا يمكنه الوقوف بالقرب من البوابة الرئيسية هناك لأنهم قد يعتقلونه وأنه سوف يقوم بإيصالي فقط إلى الساحة الرئيسية ومنها أمشي إلى بوابة الدخول.
فرع المخابرات العسكرية في حي المحطة بمدينة حمص
دخلتُ الفرع وقام رئيس نوبة الحراسة بتسجيل اسمي وطلبوا مني التوجه إلى مكتب ضابط أمن الفرع وأعطيته ورقة مهمة الفرز إلى الفرع لديهم فنظر إليّ وسألني بلهجة قرداحية: إنته مين واسطتك؟ من أي ضيعة إنت؟ وأنا في الحقيقة حتى الآن لا أعرف لماذا هم دائماً يسألون نفس هذه الأسئلة؟
أعطوني بطاقة تعريف شخصية (هوية عسكرية) بأنني عنصر مجند برتبة رقيب في فرع المخابرات العسكرية وكانت تلك البطاقة عليها خط أحمر وتثير الخوف لدى كل من يشاهدها وخاصة عندما أسافر بين المدن لأنها تخص أحد أكثر الفروع الأمنية خوفاً ورعباً للمواطنين في سورية، وبعدها ذهبتُ إلى قسم الأسلحة والذخيرة بالفرع حيث سلموني مسدساً عيار 9 ملم وعلبتين طلقات فيهما 50 طلقة بقيت معي والحمد لله لم أستعملها حتى سلمتها للمستودع كما هي عندما انتهت خدمتي بعد سنتين، وكنت أستلم أثناء الدوريات والمهمات الأمنية درعاً واقياً من الرصاص ورشاش كلاشينكوف وصدرية فيها أربعة مخازن للطلقات وجهاز لاسلكي للاتصال مع الفرع.
مسدس براوننغ بلجيكي عيار9 ملم
من الجدير بالذكر أن جميع العناصر المجندين غير المتطوعين في مثل حالتي يُعتبرون غير مؤهلين للثقة الكاملة مهما كانت واسطتهم وخاصة إذا كانوا من غير الطائفة العلوية، ولذلك فإن ضباط فرع المخابرات لا يسمحون لهم بالعمل في أقسام هامة تعتبر بنظرهم حساسة ومنها التحقيق والتعذيب والسجن والحراسة ومخزن السلاح ومحطة اللاسلكي والسنترال والبريد والمراسلات والطباعة بالآلة الكاتبة والأرشيف والسجلات والمراقبة والتجسس وغالباً يتم فرزهم للعمل في أقسام الدوريات الخارجية أو الخدمات أو المواصلات الخارجية.
ومع ذلك فقد كنت في الدوريات أسمع على جهاز اللاسلكي معظم المكالمات بين عناصر الدوريات الأخرى والضباط في الفرع وأعرف الكثير من الوقائع والأحداث، وكنت أسمع صراخ وشتائم العناصر والضباط فيما بينهم. وعندما نسافر في مهام أمنية خارج مدينة حمص لتوصيل أو استلام معتقلين في محافظات أخرى كنت أتنصت على إتصالات تلك الفروع وأعرف الكثير عن عملياتهم المخابراتية السرية!!
وقد حصلت معي مصادفة غير متوقعة فيما بعد حين طُلب مني في إحدى حالات الاستنفار القصوى أن أنام في ذلك الفرع البغيض وكانت ليلة فظيعة لم أتمكن فيها من النوم لأنني كنت أسمع صراخ المعتقلين يهز الجدران، وطلبوا مني أن أنام في أحد الطوابق حيث يوجد سرير لأحد العناصر الذي كان في مهمة خارجية تلك الليلة، ولدهشتي الشديدة كان ذلك المكان بالقرب من خزائن الملفات والسجلات الأمنية، وهي عدة خزائن حديدية فيها أدراج كثيرة حاولت فتحها ولكنها كانت جميعها مقفلة ولكنني تمكنت من فتح أحد الأدراج الذي كان القفل بداخله مكسوراً وكان فيها ملفات كثيرة وبطاقات مرتبة حسب التسلسل الأبجدي وفيها أسماء لأشخاص من عائلات حمصية معروفة ومشهورة وكانت كل بطاقة مكتوب عليها معلومات عن كل شخص بما في ذلك أقاربه ومكان عمله وكان هناك جزء مخصص للمعلومات الأمنية حيث يتم تصنيف كل مواطن: مؤيد، معادي، محايد.
وفي الحقيقة إنني حتى الآن لم أفهم لماذا يقوم فرع للمخابرات العسكرية بمراقبة مواطنين مدنيين وهو من المفترض أن تكون مهمته الرئيسية هي حماية الجيش وضباطه وأفراده العسكريين من التجسس أو الانشقاق مثلاً!!
طلبوا مني العمل في قسم الدوريات الخارجية الليلية في هذا الفرع وكنت غالباً أكون رئيس الدورية لأنني برتبة رقيب وكان معي عناصر مخابرات عسكرية ومعظمهم متطوعين برتبة عريف، وكانت في البداية مهمة مملة للغاية لأنني كنت مناوباً طوال الليل في إحدى الدوريات في شوارع حمص الحبيبة ولا نعمل شيء على الإطلاق وكان يزعجني أن زملائي الفاسدين في الدورية يهربون للسكر والعربدة في مواخير الأحياء القذرة (المستوطنات) القريبة ويتركونني لساعات طويلة لوحدي مع السائق ولا يمكننا فعلياً عمل أي شيء في حالة الطوارئ الأمنية.
كانت الأسابيع الأولى في ذلك الفرع البغيض مزعجة لي ومقلقة للغاية لأنني بدأت أشاهد المعتقلين المساكين أثناء مروري بجانبهم وهم مغمضين العينين بقطعة جلد لها رباط مطاطي يسمونها “طَمَّاشة”، وكنت وأسمع صراخ المساجين أثناء تعذيبهم وأنينهم بعد إعادتهم إلى الزنازين تحت الأرض وذلك في كل مرة يصادف مروري أو تواجدي بالقرب من غرف التحقيق المرعبة، وكان ذلك كابوساً يومياً لي استمر لمدة سنتين كاملتين.
كنت أحاول بكل جهدي أن لا يشاهدني أي أحد من أصدقائي أو أقاربي أثناء عملي بالدوريات ولذلك اعتقدت بأن الوردية الليلية كانت أفضل بكثير لي حتى أتجنب الإحراج الشخصي ولم أرد أن يراني أحد ممن يعرفني وأنا جالس في سيارة مخابرات أراقب الكلاب الضالة الشاردة تعوي في الشوارع، كان ذلك العمل سخيفاً وليس له معنى ولكن حصلت معي فيما بعد أحداث خطيرة عرفت بسببها أن الدوريات الليلية هي في الواقع أخطر مهمة يمكن لعنصر الأمن أن يتعرض لها بسبب المخاطر القاتلة غير المتوقعة في أي لحظة خاصة وأن المواجهات المسلحة مع جماعات الإخوان المسلمين كانت في نهايتها ولكن كانت أي ضربة منهم تعتبر قاتلة بالتأكيد، وكنت أحياناً أسمع العناصر الآخرين وهم يتساءلون فيما بينهم بسخرية مقيتة ماذا سنفعل لو هجم علينا “الإخونجية”؟ وكنت أسأل نفسي ماذا سيكون رد فعلي؟ هل أطلق النار عليهم وأنا أعرف أنهم مسلمون مثلي؟ هل يكتب الله نهاية حياتي على يد أحدهم بالخطأ وربما قُتلتُ وأنا أعمل مع المخابرات الأنجاس الذين يعرفهم الجميع بأنهم أعداء الله والوطن والمواطن! وأكون بذلك خسرت حياتي وآخرتي وربما يكون مصيري جهنم وبئس المصير!!!
عانيت كثيراً بسبب هذا الشعور النفسي المؤلم، وقد حصلت معي حادثة عجيبة زلزلت مشاعري وساعدتني على معرفة الحق وسلوك الطريق الصحيح،،، كنت فيما مضى وقبل أن أذهب إلى الخدمة العسكرية أنزل إلى السوق لأشتري لأهلي الخضار والفواكه والمستلزمات المعيشية اليومية وكنت أحياناً أصادف شخصاً أخرساً يبدو من مظهره لمن لا يعرفه أنه أهبل ومختل عقلياً “بهلول”، وكان عندما يراني يطلب مني بلغة الإشارة بيديه وهمهمات صوتية غير مفهومة أن أعطيه خمس ليرات ويجب أن تكون جديدة “خلنج” وكنت أعطيه ما يريد عن طيب خاطر، وبعد أن التحقت بالخدمة الإلزامية بفرع المخابرات العسكرية في مدينة حمص رأيته في السوق وطلب مني كالعادة ورقة الخمس ليرات ولكنه فجأة وبدون مقدمات ارتعشت يده ورمى تلك الورقة النقدية على الأرض وبصق عليها ووضع حذاءه فوقها ونظر إلي بازدراء واحتقار واضح وتجنّب بعدها الاقتراب مني نهائياً، وقد اعتقدت أنه خائف مني لأن أحداً قد يكون أخبره أنني عنصر مخابرات، ولكن كان ذلك مستبعداً لأنه لم يمضِ على عودتي إلى حمص سوى أيام قليلة بعد التخرج من التدريب، ولكن يبدو أنه قد عرف بطريقته الخاصة وأصبح يبتعد عني ولا ينظر إلي أبداً وهذا آلمني كثيراً.
تحدثت مع أحد المشائخ الموقرين في حمص عن تلك الواقعة وطلبت منه النصيحة فقال لي: يا ابني هذا الشخص “مبروك” وهو قد يكون من الأولياء في حمص وله كرامات معروفة وبركة مؤكدة وربما عرف أن المبلغ البسيط التي أعطيته إياه مصدره راتبك العسكري وهو بالتأكيد مال حرام لأنه من عمل غير شرعي في مكان ظالم ترتكب فيه جرائم بحق الأبرياء، وهذا ابتلاء أراده الله لك ليمتحنك فعليك بالصبر وتجنب ظلم الناس وحاول المساعدة ما استطعت.
وكانت تلك الكلمات من ذلك الشيخ الجليل منهاجاً لعملي في فرع المخابرات العسكرية بمدينة حمص. فقد كنت بعدها عندما أقبض راتبي الشهري من فرع المخابرات، ولم يكن مبلغاً كبيراً بطبيعة الحال، كنت أتبرع به كله في نفس اليوم لصيانة وتنظيف مراحيض عامة بالسوق وأقضي بقية الشهر على إعانات مالية من أهلي لمصاريفي الشخصية!!!
كنتُ دائماً أحاول رفع الظلم عن الناس ومساعدتهم وكنتُ أشعر أن الله قد يكون سخَّرني فعلاً لهذه المهمة الصعبة في تلك الأيام العصيبة، وحصلت معي الكثير من الأحداث الغريبة العجيبة وفيما يلي بعضاً منها على سبيل المثال:
في إحدى المرات كنت أركب الباص العمومي وكان مزدحماً وشاهدت بنتاً صبية تبكي بصمت وهي مرتبكة ولا تستطيع التحرك من مكانها بين الناس ونظرت وراءها وإذا بشاب مراهق حقير يتحرش بها من الخلف، فاقتربت منها وسحبتها بعيداً عنه وأمسكت به وأنزلته من الباص وعملت له اللازم ولقنته درساً بالأخلاق لن ينساه في حياته.
وفي حادثة مشابهة رأيت بالصدفة شابَّيْن يلحقان بنتاً في الشارع ويعاكسانها ويتكلمان معها بألفاظ خادشة للحياء وهي تجري مسرعة للابتعاد عنهما فقمت باللحاق بالشابيْن وأوقفتهما وعملت معهما المطلوب!! وفي إحدى المرات كنت واقفاً أمام أحد فنادق حمص الكبيرة أنتظر صديقاً لي وفجأة اقترب مني شخص لهجته خليجية وظن أنني قواد وعندي عاهرات وقال لي: عندك بنات حلوين؟؟!!! ففوجئت من طلبه وجعلته ينصعق من رد فعلي على هذا الطلب القذر.
كان في حارتنا شخص مستوطن فاجر “إبن حرام” جاء من إحدى القرى البعيدة واستأجر إحدى الشقق في الطابق الأرضي وقام بفتح محل فيديو لتأجير الأفلام بدون ترخيص نظامي وكان يقوم علناً بتأجير أفلام إباحية قذرة للشباب المراهقين، وقد اشتكى جميع سكان الحارة منه ولكنه كان لديه معارف يتوسطون له وكان يعتبر نفسه شخصية كبيرة!! وكانت تصرفات هذا الشخص المفسد تزعجني كثيراً ووضعته على قائمة ”الإصلاحات” منذ اليوم الأول لدخولي في الخدمة بفرع المخابرات العسكرية، واتفقت مع بعض الشباب من سكان الحارة على موعد محدد في إحدى الليالي ليقوموا باقتحام محله وتكسيره أثناء قيامي بالدورية الليلية في نفس المنطقة، وبالفعل عندما استلمتُ الدورية في تلك الليلة الموعودة طلبت من السائق التوقف مؤقتاً في مكان قريب من ذلك المحل وكنا جالسين داخل السيارة نشاهد الشباب المتحمسين الذين قاموا باقتحام ذلك المحل القذر وتكسير محتوياته بالكامل وأمسكوا بذلك الشخص الفاجر وضربوه وكسروا له يده، وجاء ذلك الحقير إلينا يبكي ويشتكي ويطلب منا المساعدة لحمايته ولكنني طلبت من عناصر الدورية عدم التدخل لأنه ليس من صلاحياتنا!! وحضرت دوريات للشرطة ولكنهم عندما شاهدوا سيارة المخابرات العسكرية واقفة هناك خافوا منا وابتعدوا بسرعة، وأصبحت تلك الحادثة حديث المدينة لعدة أسابيع وهرب ذلك الشخص الفاسق ولم يعد أبداً ولم نره بعدها.
كنتُ أذهب إلى المخبز والجمعيات لشراء مستلزمات بيت أهلي وكنت أقف بالدور مع أنني أعرف أنه بإمكاني تخطي الجميع ولن يجرؤ أحد أن يكلمني وكان صاحب المخبز يعرفني ويؤشر لي من بعيد للاقتراب وشراء الخبز بسرعة ولكنني كنت أرفض تجاوز الآخرين أمامي، وفي أحد الأيام شاهدتُ شخصاً يقفز من أمام الجميع ولم يحترم الطابور الذي كنا فيه، فذهبت إليه وعرفت أنه مساعد أول من فرع الشرطة العسكرية فعرفته عن نفسي وأظهرت له بطاقتي وقلت له احترم نفسك ولا تضطرني أن أمسح بك الأرض أمام الناس فوقف مذهولاً مني ورجع للخلف. وقد حصل معي مثل هذه الحوادث الكثير وشعرت أنني أكاد أن أصبح مُصلحاً اجتماعياً!!
كان لي صديق عنده دكان صغيرة وكان يشتكي لي بأن عناصر مديرية التموين الفاسدين لا يتركونه ودائماً يطلبون منه رشوة حتى لا يكتبوا بحقه مخالفة ظالمة فطلبت منه أن يختبئ عندما يراهم وجلست مكانه في الدكان وجاء الفاسدون وسألوا عنه فأخبرتهم بأنه شريك لي وأنني أعمل معه وأريتهم بطاقتي فأصابتهم الدهشة والرعب وارتبكوا وغادروا بسرعة ولم يعودوا بعدها.
وكان أحد أقربائي يسكن في بناية وكان جاره فوقه يزعجه كثيراً بصوت موسيقى الستريو العالية وخاصة بعد منتصف الليل وحاول معه التفاهم بكل الأساليب ولم يتمكن من إقناعه بالتوقف عن هذا الإزعاج فذهبت في إحدى الليالي إلى بيت ذلك الجار وقلت له أنني نائم عند قريبي بالبيت تحته وطلبت منه بكل لطف أن لا يزعجني لأنه عندي عمل في الصباح بفرع المخابرات العسكرية وأريته بطاقتي فارتعب مني واعتذر كثيراً حتى أنني كنت أسمعه وهو يعتذر وأنا نازل على الدرج إلى بيت قريبي ولم يُسمع صوت الموسيقى من بيته بعدها.
كان أصدقائي وأقربائي يطلبون مني مساعدتهم في إنجاز معاملاتهم المتعرقلة في الدوائر الحكومية وكنت أساعدهم بكل طيب خاطر وبدون أي مقابل، والله يعلم كل شيء.
كنتُ في بعض الأحيان أتدخل لإنقاذ أشخاص بسطاء ليس بيدهم حيلة عندما أعلم أن عناصر أمنية من فروع أخرى يبتزونهم أو يضايقونهم لأي سبب، وقمتُ في إحدى المرات بتخليص شابين من براثن دورية لأمن الدولة لأنهم كانوا يمشون بالقرب من عناصر الأمن الذين يشعرون بالملل وأرادوا التسلية والترفيه عن أنفسهم بضرب وإهانة شباب أبرياء!! وللأسف كانت هذه ممارسات قمعية معتادة من عناصر الأمن والمخابرات الأنذال.
ومن عجائب الأمور التي رأيتها في فرع المخابرات العسكرية بحمص أنني في إحدى المرات كنت داخل إلى الفرع ورأيت حوالي عشرة شباب مبطوحين على الأرض وكان أحد الضباط يضربهم بوحشية وهو يشتمهم بأقذر الألفاظ بلهجة قرداحية فاحشة وبعدها أطلق سراحهم وهو يهددهم ويتوعدهم!! وسألت عن جريمتهم فقيل لي أن ابنة ذلك الضابط (وهي معروفة بصياعتها وسمعتها القذرة) كانت تمشي في أحد الشوارع وقام بعض الشباب بمعاكستها فاتصلت من أحد المحلات بوالدها الضابط في فرع المخابرات العسكرية الذي أرسل على الفور دوريات مخابرات قامت عشوائياً باعتقال شباب أبرياء من تلك المنطقة وليس لهم ذنب سوى أنهم كانوا بالصدفة في ذلك المكان ولا يعرفون أي شيء عن تلك المشكلة ومع ذلك شحطوهم لهولاء المساكين إلى الفرع ظلماً وعدواناً وضربهم ذلك الضابط بيده وشتمهم وهم ليس لهم أي ذنب.
وقد سمعتُ عن ضابط مخابرات في الفرع أنه قام باعتقال أشخاص من نفس قريته وسجنهم بسبب خلاف على ملكية أرض زراعية في ضيعتهم القريبة من القرداحة، وسمعت قصة شاب اعتقله ضابط مخابرات كبير في الفرع رغم أنه أحد أقربائه لأنه عرف أنه على علاقة غرامية مع ابنته وشكّ بأنها قد تهرب معه وتتزوجه خطيفة!!
وقد رأيت في إحدى المرات شاباً جامعياً اعتقلوه بسبب تقرير كيدي ملفق كتبه عليه أحد المخبرين واتهمه فيه بأنه قام بإنزال صورة “السيد الرئيس” وتمزيقها!! وعندما تم التحقيق مع ذلك الشاب قال بأن الصورة أصلاً كانت مشقوقة ومكسورة وقام بأخذها إلى محل لوحات لاستبدال البرواز، وقد تم إطلاق سراحه بعد أن ذهبت دورية مخابرات لذلك المحل واستجوبت صاحبه الذي كاد يموت من الرعب وأحضروا تلك الصورة “المقدسة” من عنده في البرواز الجديد مجاناً، وعرفتُ فيما بعد أن ذلك المخبر الحقير كان أيضاً طالباً جامعياً “بعثياً” وقد كتب التقرير الكاذب واتهم زميله لأسباب عدائية شخصية وتم اعتقاله وضربه لذلك المخبر الكذاب بالفرع لعدة أيام.
كانت مقدرتي على الحديث بطلاقة باللغة الإنجليزية سبباً آخر لتعاستي في ذلك الفرع البغيض، فقد كانوا يطلبون مني الحضور في بعض الأحيان لترجمة التحقيق مع معتقلين أجانب ويطلبون منهم معلومات عن سبب زيارتهم لسورية وكان كثير منهم صحفيين أجانب يعملون لدى وكالات إخبارية معروفة، وفي إحدى المرات كنت أترجم لسيدة مغتربة من أصل سوري لكنها كانت تتكلم باللغة الإنجليزية فقط وفوجئت أن الضابط المحقق كان منزعج منها لأنها من أصل عربي سوري ولا تتكلم اللغة العربية وكان يقول لي بغضب قل لها: نحن عرب مسلمون ولغتنا هي لغة القرآن فكيف لا تتكلمينها؟ وقد أدهشني هذا الكلام لأنني أعرف أن جميع ضباط المخابرات لا يعرفون شيء عن الإسلام ولا القرآن وكلامهم عن أهمية اللغة العربية فيه الكثير من النفاق والكذب المفضوح.
بعد عدة أشهر من بداية خدمتي في فرع المخابرات العسكرية بحمص فوجئت بالضابط رئيس قسم الدوريات يطلب مني الحضور لمكتبه وأخبرني بأن سيادة رئيس الفرع العقيد غازي كنعان قد أصبح رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في لبنان وسوف ينتقل مكتبه إلى بلدة عنجر في منطقة البقاع وأنه بإمكاني تقديم طلب إن رغبت بالخدمة في ذلك الفرع، فقلت له أنني أرغب بالبقاء في حمص وهذا ما حصل وبقيت في مكاني. وقد سمعتُ فيما بعد أن العديد من عناصر وضباط فرع حمص قد انتقلوا إلى فرع لبنان وكان ذلك يعتبر حلم العمر بالنسبة لهم لأنهم سوف يتمكنوا من السرقة والعربدة بحرية كاملة.
المجرم الإرهابي غازي كنعان برفقة بشار أسد قبل إستيلاءه على السلطة فيما بعد،
ويتضح من هذه الصورة كيف أن غازي كنعان كان غير مهتم أصلاً بوجود “رئيس المستقبل” ويتجاهله تماماً وكانت ملامح بشار تدل على إمتعاضه الواضح من هذا التجاهل الواضح المقصود!!
بعد مضي حوالي سنة على خدمتي بفرع المخابرات العسكرية طلب رئيس الفرقة الحزبية بالفرع مقابلتي، وعندما ذهبت لمكتبه رحب بي وأعطاني محاضرة طويلة عن أفكار ومبادئ حزب البعث ومنجزاته العظيمة وقائده الملهم الخالد حافظ أسد وأن الحزب دائماً بحاجة إلى كوادر وطنية مخلصة للمحافظة على الإنجازات التاريخية وأنه سمع عني أشياءً جيدةً ويريد أن يُرشحني للعضوية في حزب البعث وأعطاني طلب انتساب وفيه بطاقتين صغيرتين لتسجيل معلومات شخصية عني، فشكرته على ثقته الغالية بي ووعدته أن أقوم بتعبئة طلب الانتساب بعد انتهاء ورديتي الليلية، ولم أعد له بعدها أبداً وهو لم يسأل عني وكنت أتجنب لقاءه حتى لا يتذكرني وقمت بحرق ذلك الطلب القذر في آخر يوم من خدمتي بالفرع!!
وأذكر أنني رأيتُ العديد من عناصر المخابرات يستهزئون بحزب البعث رغم أن البعض منهم كانوا أعضاء عاملين فيه وسمعتهم يتذمرون من دفع أقساط العضوية بالحزب ويكرهون حضور الاجتماعات الحزبية وكانوا يُنَكتون على بعض الضباط الحزبيين الذين يسمعون منهم تنظيرات حزبية وشعارات بعثية لا يفهمونها.
شعار حزب البعث
كانت خدمتي في فرع مخابرات حمص روتينية ومملة حتى جاء يوم عرفت أنني كنت بالفعل داخل دائرة الخطر المميت، لأنه في إحدى المرات جاءنا اتصال على جهاز اللاسلكي للتوجه فوراً إلى منطقة خارج حمص لمساعدة دورية أخرى محاصرة تتعرض لإطلاق الرصاص، ولسوء الحظ كان العناصر الباقين الذين يجب أن يكونوا متواجدين معنا بالدورية ولكنهم كانوا كالعادة صايعين في خمارات لا أعرف مكانها، وطلبت من السائق التوجه بمفردنا للمؤازرة وفعلاً ذهبنا إلى ذلك المكان ويا ليتنا لم نذهب، لأنه ما إن وصلنا هناك حتى صرنا نحن أيضاً في مواجهة العصابة المسلحة التي عرفنا أنهم مهربي مخدرات!! وحتى الآن لا أعرف ما هي علاقة المخابرات العسكرية بقضايا المخدرات؟؟؟ واشتبكنا معهم فوراً بالرشاشات وكدت أُقتل في تلك المواجهة غير المتكافئة لأنهم كانوا أكثر عدداً منا ومتحصنين في أماكن غير مكشوفة لنا وكان عناصر الدورية الأخرى منبطحين على الأرض وهم يكفرون ويشتمون الفرع بكلمات بذيئة بسبب أن دوريتنا التي جاءت لمساعدتهم لا يوجد فيها إلا إثنان هم أنا والسائق المسكين، واتضح لي أن هؤلاء العناصر المحاصرين قد نفذت ذخيرتهم بالكامل لأنهم كانوا يطلقون الرصاص عشوائياً في الهواء بطريقة غوغائية وكأنهم يحاربون أشباح الظلام، وبقينا محاصرين قرابة ساعتين في ظلام دامس ونحن في مناوشات متقطعة مع المهربين حتى جاءت دوريات أخرى لإنقاذنا وخلصتنا من الموت المؤكد، وعندها هرب أولئك المهربون وانسحبنا جميعاً نجر أذيال الخيبة والفشل ورجعنا إلى الفرع وكان الوقت قارب الصباح وجاء الضابط المناوب وسأل عن عناصر الدورية الذين كان يفترض أن يكونوا معي وأخبرته أنهم ذهبوا إلى مكان لا أعرفه، ولكنهم فجأة حضروا وإذا بالضابط يشتمهم بأقذع الألفاظ البذيئة الفاحشة وأرسلهم للسجن فوراً عقوبة لهم على إهمالهم وغيابهم.
وفي حادثة أخرى طُلب من دوريتي المشاركة في مداهمة منزل قديم مهجور في أحد الأحياء الشعبية في مدينة حمص لاعتقال شخص مطلوب للمخابرات العسكرية قالوا لنا أنه خطير ومسلح وربما عنده متفجرات وذهبنا هناك بعد منتصف الليل حوالي خمس دوريات وعشرين عنصر مخابرات وجاء عندي قائد العملية وهو ضباط برتبة نقيب وقال لي بصيغة الأمر العسكري: اذهب إلى ذلك المنزل واقترب منه استعداداً لدخوله مع مجموعة الاقتحام وأنه سوف يبقى في الخلف بعيداً مع بقية العناصر لحمايتنا!!! فقلت له يا سيدي أنا مريض وعندي كحة قوية وإذا سعلت يمكن ينكشف الكمين قبل دخولنا البيت وتفشل العملية فنظر إليّ بكل غضب واستياء وأرسل عنصراً آخر وبقيت أنا في الخلف للحماية مع ذلك الضابط الوغد الجبان، وفجأة لعلع الرصاص ودوى انفجار القنابل وكأنه يوم القيامة وقُتل وجرح في تلك المواجهة عدة عناصر مخابرات كان منهم ذلك العنصر تعيس الحظ الذي أرسله الضابط بديلاً عني وهرب الشخص المطلوب لأنه كان لديه أصدقاء في بيت مجاور اكتشفوا ذلك الكمين الفاشل وهربوا جميعهم.
وبعد تلك الحادثة توصلت إلى قناعة مؤكدة بأن جميع الضباط والعناصر الذي يعملون في فرع المخابرات العسكرية بحمص هم فعلاً مجموعة من الأغبياء الجبناء الذي يخافون من ظِلهم ويحاولون دائماً الظهور بمظهر القوة بممارساتهم القمعية وعملياتهم الإرهابية المسلحة أمام المواطنين المدنيين المسالمين.
في إحدى الليالي المملة كنت في الدورية بعد منتصف الليل وفجأة سمعت زعيقاً مزعجاً على جهاز اللاسلكي من الضابط المناوب يأمرنا بالتوجه فوراً إلى طريق دمشق حلب الدولي عند مفرق حمص وتوقيف وتفتيش جميع باصات السفر ولم يخبرنا بشيء آخر!! وهرعنا مثل الكلاب المسعورة إلى ذلك الطريق وأوقفنا جميع الباصات وكنا نفتش مثل المجانين عن شيء لكننا لا نعرف ما هو المطلوب أصلاً، وبعد عدة ساعات جاءتنا معلومات بأنه تم تفجير العديد من باصات الركاب ويجب تفتيش أمتعة الركاب بحثاً عن متفجرات، وبقينا على تلك الحالة من الاستنفار لمدة أسبوع وأصابني إرهاق شديد وكنا ننام في سيارة الدورية على الطريق لمدة ساعتين فقط كل عشر ساعات.
أثناء تلك الفترة شاهدت باصاً كبيراً خاصاً لنقل الحجاج أو المعتمرين قادماً من حلب وقد تم توقيفه في حمص وهم في طريقهم إلى السعودية لأداء مناسك الحج والعمرة، وأحضروه إلى فرع المخابرات العسكرية بحمص وأنزلوا جميع الركاب وكانوا حجاج كبار في السن ومعهم نساء، وكان عناصر المخابرات يفتشون حقائب أولئك المساكين ويشتمونهم بكلمات بذيئة فاحشة ويسمعونهم عبارات الكفر والإلحاد وقاموا بضرب بعضهم لسبب غير معروف، وفي الصباح أطلقوا سراحهم جميعاً بعد ليلة طويلة حافلة بالإهانات والترهيب.
وفي مهمة عاجلة ومفاجئة طلبوا منا التوجه إلى المركز الحدودي مع لبنان في منطقة الدبوسية بالقرب من حمص والتدقيق في هويات المسافرين وجاء ضابط مخابرات من الفرع معه لائحة سرية بأسماء مطلوبين وكان المطلوب منا فقط هو توقيف سيارات السفر عند الحاجز الحدودي وطلب الهويات والجوازات من الركاب وإعطائها له وكان يدقق فيها بنفسه، وتم في تلك المهمة السريعة توقيف حوالي عشرة أشخاص لبنانيين من بينهم سيدتين وأخذوهم إلى فرع المخابرات العسكرية بحمص ولم نعرف ما هي قصتهم.
وتوجهنا في إحدى المرات بمهمة طارئة إلى مصفاة البترول في حمص لحمايتها لأنه كانت هناك محاولة لتفجيرها ولكنها باءت بالفشل والحمد لله لأنها لو حصلت فقد تكون الخسائر البشرية مهولة بسبب احتراق خزانات المحروقات الضخمة القريبة من المدينة، وقد سمعت فيما بعد أن عناصر إرهابية تتبع أحد الميليشيات اللبنانية قد قامت بتلك المحاولة الفاشلة انتقاماً من النظام الأسدي الذي كان يعيث فساداً في لبنان تحت مظلة قوات الردع العربية.
كنا أحياناً نذهب في مهمات أمنية سريعة إلى الكلية الحربية في حمص ونُحضر معتقلين عسكريين من منتسبي الكلية كانوا مطلوبين للتحقيق في فرع المخابرات العسكرية ومنهم من كان يتم نقله إلى سجن البالونة بحمص أو إرساله إلى سجن تدمر العسكري.
وقد ذهبنا في إحدى المهام إلى إحدى القطعات العسكرية الكبيرة لإحضار أحد العساكر لأنه مطلوب إلى فرع المخابرات العسكرية بحمص، وقد عرفت أنه عسكري مجند طلبوا منه أن يمسك ببالون حراري كبير على قمة جبل في منطقة قريبة من حمص أثناء إحدى التمارين العسكرية التي كانت بحضور وزير الدفاع (مصطفى طلاس) ورئيس الأركان وكبار الضباط من قيادة الجيش.
وزير الدفاع مصطفى طلاس
ويبدو أن هذا العسكري المسكين قد تعب من الوقوف لساعات طويلة وهو يمسك بالحبل الذي يربط ذلك البالون الحراري الذي كانت ترصده الرادارات العسكرية التي تنفذ ذلك التمرين وأفلته بالخطأ وتسبب ذلك في طيرانه بالسماء وقامت الوحدات العسكرية التي لم تكن مشاركة بالتمرين ذلك اليوم بالإستنفار بسبب رصده من راداراتها وظنوا أنه طائرة معادية وكانوا على وشك إطلاق الصواريخ عليه! وتم إحضار ذلك العسكري تعيس الحظ إلى الفرع للتحقيق معه ومعرفة أسباب إهماله والتأكد أنه ليس مشتركاً بمؤامرة لإفشال التمرين العسكري العظيم!!
وأذكر أنه أثناء عودتي صباحاً من إحدى الورديات الليلية شاهدت عند بوابة الفرع الرئيسية رجلاً وامرأة عجوزيْن جالسيْن على الرصيف وهم يبكون بحرقة ومرارة فاقتربت منهم وسألتهم عن مشكلتهم فقالوا أن ابنهم الوحيد قد اعتقلوه وقيل لهم أنه في فرع المخابرات العسكرية وهم يحاولون معرفة مكانه، فطلبت منهم الابتعاد عن البوابة الرئيسية حتى لا يؤذيهم الحراس الأنذال ودخلت الفرع وحاولت الاستفسار عن ذلك الشاب وعرفت أنه لا يوجد شخص بهذا الإسم وخرجت وأخبرتهم فزادهم ذلك النفي حيرة وقلق ورأيتهم يمشون بعيداً عني وهم يبكون ويتوسلون إلى الله سبحانه وتعالى، وقد تقطع قلبي على منظرهم المحزن وهم في خريف العمر يحاولون معرفة مصير ابنهم الوحيد الذي اعتقلته، أو بالأحرى اختطفته، إحدى الأجهزة الأمنية التابعة للعصابات الأسدية ولا يعرفون عنه شيئاً.
كنت في أحيان كثيرة أحاول معرفة أسماء المعتقلين في فرع المخابرات العسكرية وأقوم بتوصيل المعلومات عنهم بطريقة غير مباشرة لأهلهم بحمص وخاصة الموقوفين ظلماً بسبب قضايا سياسية وليست أمنية مثل مهربي المخدرات وتجار السلاح، وكنت أعرف أن هذا التصرف فيه خطر كبير علي إن اكتشفوا أمري لأنها تعتبر بنظر الأسديين خيانة كبرى لهم ولكن الله سلم وانتهت خدمتي هناك ولم يعرف أحد بذلك وكله بفضل الله وتوفيقه.
رأيت المئات من المعتقلين الذين سمعت الحراس يقولون عنهم أنهم من جماعة الإخوان المسلمين وكانت حالتهم مأساوية ومزرية ولون أجسامهم أبيض مثل الثلج بسبب اعتقالهم في أقبية السجون المظلمة وقلة التعرض لأشعة الشمس، كنت أنظر إليهم أثناء نقلهم بين السجن وأقسام التحقيق، وكنت أشعر أنهم مخلوقات ملائكية بسبب صمتهم العجيب على الآلام الرهيبة وصبرهم على التعذيب الفظيع الذي كان لا يتوقف. وكنت أرى علامات واضحة للتعذيب الوحشي على أجسادهم النحيلة وكانوا يمشون ببطء خافضي الرؤوس رغماً عنهم وعيونهم مغمضة بالطماشات الوسخة وفي أيديهم وأرجلهم القيود الحديدية الصدئة وكان السجانون يضربونهم بوحشية ويُذلونهم بكلمات يحاولون بها النيل من كرامتهم ويشتمونهم بعبارات فاحشة تمس العرض والشرف.
في صباح أحد الأيام كنت عائداً إلى الفرع لتسليم الدورية وفوجئت برؤية جثث لخمسة شباب ملقاة على الأرض بجانب المدخل الرئيسي وكانت ملابسهم مبللة بالكامل وقد عرفت أنهم من جماعة الإخوان المسلمين الذين كانوا متحصنين في قبو أحد المنازل عندما قام عناصر المخابرات العسكرية بمداهمة مكانهم أثناء الليل لإعتقالهم، وقد حصلت إشتباكات مسلحة عنيفة بينهم ولكن بعد أن عجز عناصر المداهمة عن إقتحام القبو ورفض المسلحين الإستسلام، لجأ عناصر المخابرات إلى قتلهم بطريقة وحشية جهنمية فقاموا بفتح الماء إلى داخل القبو ثم رموا فيه كابلات كهرباء قتلت أؤلئك الشباب بالداخل فوراً، ثم نزل عناصر المخابرات وسحبوا جثثهم وهم مصعوقين بالكهرباء.
رأيت في فرع المخابرات العسكرية بحمص الكثير من المواطنين المدنيين والعسكريين يدخلون إليه ولا يخرجون منه، وكنت أسمع ضباط المخابرات يقولون للمعتقلين أنهم لن يخرجوا أحياء أبداً، وقد رأيت بالفعل توابيت خشبية في إحدى سيارات النقل أثناء الليل ورأيت الدم ينزف من أحد التوابيت على الأرض داخل الفرع عندما كانوا ينقلون جثث الضحايا الأبرياء إلى مكان مجهول وفي مرة أخرى رأيت عناصر الفرع يغسلون مقعد إحدى السيارات من آثار الدماء.
كانت إحدى مهام قسم الدوريات بفرع المخابرات العسكرية في حمص هي مرافقة عناصر من قسم السجن أثناء نقلهم للمعتقلين إلى سجن تدمر العسكري يوم الأربعاء من كل أسبوع تقريباً، وقد سافرت عدة مرات لتوصيل المعتقلين عندما يخرجونهم في المساء وهم مغمضين الأعين بالطماشات ومقيدين من أيديهم وأرجلهم ويضعونهم في ميكروباص للسفر الذي يتسع لحوالي عشرين راكباً والذي كان وسيلة المواصلات في معظم الأحيان إلى ذلك المعتقل الرهيب في مدينة تدمر التي تبعد حوالي 140 كيلومتر شرق مدينة حمص وكنا نصل إليه عادةً بعد منتصف الليل ونعود إلى حمص قبل طلوع الفجر.
كان يُطلب منا فقط المرافقة المسلحة لتلك التوصيلات الأسبوعية التعيسة، وعند الوصول إلى تدمر كانوا لايسمحون للدوريات المسلحة المرافقة من فرع المخابرات العسكرية في حمص بالدخول إلى السجن مطلقاً بعد تجاوز المدخل الرئيسي الخارجي، وقد عرفت بعض المعلومات عن هذا المعتقل الرهيب من سماعي لأحاديث العناصر الذي كانوا يخرجون معي في تلك المهمات الحزينة، وعرفت أنه سجن كبير قد تم تخصيصه للمعتقلين من جماعة الإخوان المسلمين ويوجد حوله حراسة مشددة بواسطة قوات عسكرية خاصة من سرايا الدفاع والشرطة العسكرية وهناك متاريس وتحصينات وحقول ألغام حوله، وسمعت الكثير من التفاصيل المروعة عن ممارسات التعذيب الوحشي فيه وإنتهاكات حقوق الإنسان التي كانت تتم بصورة ممنهجة ودائمة بحق جميع المعتقلين في سجن تدمر العسكري الذي كان أيضاً مقراً للمحاكمات الميدانية العُرفية وتُنفذ فيه الإعدامات العشوائية الجماعية.
موقع سجن تدمر العسكري
كنت أنظر بكل حزن وألم إلى أولئك المعتقلين وهم يدخلون إلى جحيم الاعتقال الجماعي والتعذيب السادي الذي لا يتوقف ولم يخرج منهم إلا القليل، وكنا في بعض الأحيان نُحضر معتقلين من سجن تدمر العسكري إلى فرع المخابرات العسكرية في حمص ربما لمتابعة التحقيق في معلومات جديدة أو لإطلاق سراحهم لأنه لديهم واسطات كبيرة جداً أنقذتهم بأعجوبة من مصيرهم التعيس المحتوم.
وقد نُشرت فيما بعد العديد من المذكرات الشخصية التي كتبها معتقلون سابقون يذكرون فيها قصص التعذيب المروعة التي شاهدوها داخل ذلك السجن الصحراوي الرهيب.
موقع سجن تدمر العسكري
أثناء عملي في قسم الدوريات في فرع مخابرات حمص كنا نسافر كثيراً لتسليم واستلام الأشخاص المعتقلين من الفروع الأخرى، وكنت أعرف أهمية الشخص المعتقل من عدد السيارات التي تخرج في تلك المهمة ونوعية السلاح وأيضاً مستوى الضباط الذي يرافقوننا في تلك المهام الأمنية التي دائماً تكون مفاجئة وبدون إشعار مسبق لنا.
كانوا يُحضرون الشخص المعتقل وهو مقيد اليدين والقدمين ومغمض العينين ويضعونه في السيارة المخصصة لتلك المهمة وعادة تكون النوافذ مظللة أو عليها ستائر وتنطلق بسرعة في ظلام الليل، وكانت الكثير من مهمات السفر تنطلق باتجاه دمشق لتسليم المعتقلين إلى فرع المخابرات العسكرية بدمشق المعروف باسم “فرع المنطقة” وهو يقع بالقرب من منطقة الجمارك خلف كلية الآداب وبجانبه الفرع الإداري وفرع المداهمة وفرع التحقيق العسكري. وقد سمعت فيما بعد عن هروب جماعي للسجناء من ذلك الفرع وتسبب ذلك بتغيير رئيس الفرع الذي كان هو نفسه من أوقع بهم في عملية إستخباراتية خبيثة.
فرع المخابرات العسكرية بجانب المنطقة الحرة في مدينة دمشق (فرع المنطقة)
وفي إحدى المرات كنت جالساً بجانب أحد المعتقلين أثناء نقله إلى فرع المخابرات العسكرية في مدينة دمشق وسمعته يبكي ويئن بصمت من الألم وسألته عن مشكلته فقال لي أن القيد الحديدي (الكلبشات) في يديه مغلق بشدة ويحبس الدم فيهما فقمت بحلحلة الكلبشات وارتاح المسكين من ذلك الوجع الشديد وسألته من فعل ذلك به فقال أنه أحد السجانين أغلق تلك الكلبشات بشدة على يديه وقال له سوف أجعلهم يقصون يديك عندما تصل إلى الشام وتتذكرني بقية حياتك إن عشت بعدها!! وقد عرفت أن من فعل به ذلك هو أحد عناصر السجن وهو قرداحي لئيم كان مشهوراً بشراسته وحقارته.
أذكر أنني ذهبت في إحدى المهام لاستلام معتقلين من فرع المخابرات العسكرية في مدينة حلب وكان ذلك بعد عدة أشهر من انتهاء المجزرة الرهيبة التي إرتكبتها سرايا الدفاع بقيادة رفعت أسد في مدينة حماة وقد شاهدت بعيني الدمار الرهيب الذي وقع بتلك المدينة المنكوبة أثناء مرورنا بها ورأيت الكثير من الأبنية المهدمة والبيوت المحروقة، وكان الوضع أشبه بجبهة حرب حقيقية بعد انتهاء المعارك الشرسة الدموية ورأيت الجرافات التي تقوم بنقل جبال من الركام المتهدم المحترق الذي خلفته عصابات سرايا الدفاع في مدينة حماة.
وكنت أسمع عناصر المخابرات العسكرية يتحدثون عن الكثير من القصص المروعة من “بطولات” أقارب أو أصدقاء لهم في سرايا الدفاع وكانوا يتفاخرون بذكر تلك الجرائم البشعة بحق السكان الآمنين في مدينة حماة وغيرها.
فرع المخابرات العسكرية في مدينة حماة بالقرب من طريق حمص دمشق
رأيت أثناء خدمتي في فرع مخابرات حمص الكثير من الجواسيس اللبنانيين ومنهم سيدات لبنانيات يحضرون إلى الفرع بسيارات عليها لوحات لبنانية ويبقون هناك لعدة ساعات ويغادرون بعدها، وعرفت أنهم عملاء وجواسيس للمخابرات الأسدية الإرهابية التي كانت تنتشر في لبنان وتعيث فيه فساداً وتحرض على الفتن الطائفية فيه.
وقد شاهدت معتقلين فلسطينيين من فصائل ثورية عديدة وخاصة عناصر من منظمة فتح وكان يتم تعذيبهم وضربهم بمجرد وصولهم إلى الفرع ومعرفة أن ذلك المعتقل فلسطيني وحتى قبل التحقيق معهم، وكنت أستغرب كيف يتم التعامل مع إخواننا الفلسطينيين بهذه الطريقة الوحشية رغم أنهم من المفترض أن يكونوا أبطالاً يجب علينا إحترامهم وتقديرهم بسبب مقاومتهم للإحتلال الصهيوني وهو العدو المشترك لنا جميعاً!
وفي حالات أخرى رأيت أشخاصاً خليجيين يدخلون إلى الفرع ويخرجون وكانت معظم زياراتهم خلال الفترة المسائية عندما كنت أذهب لاستلام الدورية أو تسليمها وسمعت أنهم جواسيس للمخابرات الأسدية التي كانت تراقب نشاطات المعارضة في دول الخليج وخاصة السعودية والكويت.
وقد رأيت بالصدفة ضابط مخابرات يحمل بيده مجموعة جوازات سفر سعودية لونها أخضر وعليها شعار النخلة والسيف وسمعته يقول لضابط آخر أنها جوازات مزورة حصلوا عليها من أجل مهمة سرية لهم في السعودية قد تكون مراقبة أو خطف أو اغتيال لشخصيات معارضة للنظام الأسدي في دول الخليج.
وعرفت أن فرع المخابرات العسكرية في حمص لديه المئات من المخبرين في جميع الدوائر الحكومية والشركات والمصانع والمدارس والجامعات والمعاهد هذا غير المخبرين في كافة قطاعات الجيش، وقد صدف أنني رأيت أيضاً أشخاصاً سوريين يتعاملون مع فرع المخابرات العسكرية يدخلون ويخرجون ليلاً وهم ملثمين ويحاولون إخفاء شخصياتهم ولكنني عرفت أحدهم من صوته المبحوح عندما كان يتكلم مع مكتب الحراسة الخارجي للسماح له بالدخول ورآني وارتبك ونظرت إليه وهو يدخل وتبعته بدون أن يدري ورأيته وقد خلع طاقيته وكوفيته وعرفته لأنه كان يعمل في أحد المطاعم الذين كنت أتردد عليهم في السوق.
وفي إحدى المرات رأيت سيدة في الثلاثينات من عمرها يبدو من مظهرها أنها عاهرة لأنها كانت تلبس ملابس فاضحة وتمشي في طريقها خارج مكتب رئيس الفرع وهي تمسك بمبلغ من المال وتقوم بعده، وسمعتها تتحدث بلهجة ضيعجية مع السائق الذي كان ينتظرها لتوصيلها إلى مكان ما، ومن الواضح أنها عاهرة تعمل جاسوسة تحت غطاء عملها بالدعارة وتحضر معلومات لفرع المخابرات بهذه الطريقة.
رأيت أثناء خدمتي في فرع المخابرات العسكرية بحمص الكثير من السيارات المصادرة من أصحابها الذين قد تم اعتقالهم ومنها سيارات عليها لوحات سعودية وكويتية وأردنية ولبنانية وكان ذلك غريباً لأنه في تلك الأيام كانت جميع السيارات التي تدخل إلى سورية يتم تركيب لوحات سياحية سورية مؤقتة عليها ولذلك كانت تلك السيارات ربما يتم توقيف أصحابها واعتقالهم في المناطق الحدودية وقبل دخولهم إلى منطقة الجمارك السورية لتسجيل سياراتهم، وكنت في كل مرة أدخل فيها الفرع أرى بداخله سيارات من موديلات حديثة وبعض العناصر يتحلقون حولها يحاولون سرقة أي شيء ثمين منها، وكانت تلك السيارات الفخمة تختفي فجأة وسمعت أنهم يستخدمونها في عمليات استخباراتية سرية أو أنهم يرسلونها إلى لبنان حيث تباع في السوق السوداء.
كنت أسمع وأشاهد الكثير من قصص الفساد والرشاوي داخل أقسام فرع المخابرات العسكرية بحمص وخاصة قسم الموافقات الأمنية لإصدار تأشيرات سفر المواطنين السوريين، وقد عرفت الكثير عن فساد قسم تصديق الوكالات الشرعية المرسلة من المغتربين السوريين لأقاربهم في سورية التي كان المطلوب تصديقها أولاً من فرع المخابرات العسكرية في حمص قبل إعتمادها رسمياً لإنجاز المعاملات المطلوبة وخاصة بيع الممتلكات والأراضي وكان رئيس ذلك القسم فاسداً ويطلب رشاوي كبيرة للموافقة عليها، وكان يتم رفض تصديق الوكالات الشرعية لبعض السوريين الهاربين من القمع الأسدي ويعتقلون أقاربهم داخل سورية الذين يتم توكيلهم.
وقد سمعت عن حالات كثيرة لعائلات في حمص توفي أحد أفرادها وتوقفت إجراءات حصر الإرث بسبب أن أحد الورثة الشرعيين كان مطلوباً للمخابرات أو أنه قد يكون معتقلاً ولايُعرف له مكان. وكنت أسمع عن الكثير من حالات إستيلاء ضباط المخابرات على بيوت وأراضي الهاربين وكان يتم إجبار المعتقلين على بيع ممتلكاتهم بطريقة صورية ويشتريها منهم ضباط المخابرات بدون أي مقابل مادي ويسجلونها رسمياً بإسم أقاربهم في السجلات العقارية وكانت هذه السرقات تتم بعلم وموافقة رئيس الفرع شخصياً الذي كان له بالطبع حصة كبيرة من سرقة تلك الممتلكات المنهوبة من المواطنين الأبرياء.
كان معظم عناصر الأمن والمخابرات في فرع حمص دائماً يذهبون إلى المطاعم والمقاهي ويأكلون ويشربون بدون أن يدفعوا أي فاتورة، ورأيتهم في حالات عديدة يقومون بتوقيف أشخاص ويسحبون منهم الهوية الشخصية ويطلبون منهم إحضار عشاء من مطعم قريب ويعطونهم الهوية بعد عودتهم، ورأيت رجلاً كان يرجوهم أن يتركوه لأنه لا يملك حتى قيمة الدواء لزوجته ولكنهم ضربوه وهددوه فطلب منهم مهلة حتى يذهب للاستدانة من أحد معارفه المبلغ المطلوب حتى يشتري لعناصر المخابرات الأنذال الطعام الذي يطلبونه، وفي مناسبة رأس السنة رأيت عناصر دورية من فرع أمن الدولة يطلبون من شاب صدف مروره بجانبهم أن يشتري لهم على حسابه مشروبات كحولية من محل بيع خمور قريب ولم يكن بيد المسكين اي حيلة سوى تنفيذ ما طلبوه منهم.
كان ضباط فرع المخابرات العسكرية مخترقين للفروع الأمنية الأخرى ولديهم العديد من الجواسيس الذين كانوا يحضرون لهم باستمرار المعلومات الإستخباراتية التي تمكنهم من التفوق على جميع الأجهزة الأمنية، وقد سمعت عن حالات كثيرة كان يُطلق فيها سراح أحد المطلوبين من أحد الفروع الأمنية الأخرى ويتم اعتقاله من فرع الأمن العسكري حيث يكتشفون ”مؤامرة” خطيرة أو مخطط “إنقلابي” ضد الدولة الأسدية!
وقد قام عناصر من فرع المخابرات العسكرية في حمص بالعديد من المهام السرية والخطيرة في مدن أخرى لاعتقال مطلوبين بدون علم فروع المخابرات العسكرية في تلك المدن، وقد شاركت في إحدى المرات بمهمة ليلية لمداهمة منزل لأحد المطلوبين في إحدى المناطق الشعبية بمدينة حلب ضمن أربعة دوريات في سيارات مموهة بلوحات مدنية مزورة خرجت من فرع المخابرات العسكرية في حمص وكان معنا مُخبر حلبي في إحدى السيارات وهو يعرف المناطق والأحياء والطرقات والبيوت بالطبع لأنه دليلنا ومرشدنا، وبعد انتهاء المهمة وفي طريق العودة فقدنا الاتصال اللاسلكي مع الدورية الذين كان معهم ذلك المخبر الحلبي ولم يتمكن السائق معنا من معرفة الطريق الصحيح للخروج ودخلنا في متاهات مرعبة بين الأحياء الشعبية في مدينة حلب وبدأ ضوء الفجر يطلع ونحن نحاول الخروج من تلك الأماكن، وكنا نعرف أننا سوف نُقتل لا محالة بيد المواطنين المسلحين في تلك الأحياء الشعبية الذين كانوا في هياج وغضب شديد من المخابرات بسبب الأحداث الأمنية والاعتقالات في تلك الأيام أو قد يتم اعتقالنا أو إطلاق النار علينا بالخطأ من عناصر دوريات أمنية أخرى متمركزة في تلك المنطقة، كانت لحظات عصيبة بالفعل وتمكنا أخيراً من اللحاق بالدوريات الأخرى التي كانت في طريقها إلى حمص، وأذكر أن السائق معنا كان خائفاً مرعوباً ويقود السيارة بسرعة جنونية.
فرع المخابرات العسكرية في حي السريان بمدينة حلب
كان جميع عناصر المخابرات العسكرية بدون استثناء هم الأحقر والأشرس والأقذر بين جميع الأجهزة الأمنية، ورأيت منهم تصرفات عدوانية إجرامية فظيعة لا يمكن وصفها في مجموعة روايات، كانوا يتباهون بأن فرع المخابرات العسكرية هو الأقوى بين جميع الفروع الأمنية في حمص وأعتقد أن ذلك سببه ممارساتهم القمعية الإرهابية التي لا يجاريهم فيها أحد، ويمكنني أن أؤكد أن هؤلاء الأوغاد هم شخصيات سيكوباتية مريضة نفسياً ولديهم انفصام مزمن بالشخصية وهم بالطبع عديمو الضمير وليس لديهم الحد الأدنى من الأخلاق الإنسانية. وقد رأيت الكثير منهم يتعاطون المخدرات ويدخنون الحشيش ويشربون الكحوليات حتى أثناء ساعات العمل بالفرع وخاصة البيرة التي يكرعونها بشراهة ورأيتهم يخلطون الويسكي والعَرَق مع مشروب المتة المفضل لديهم في كافة الأوقات.
كنتُ أسمع الكثير من التفاصيل عن أسرار مخابراتية حساسة من عناصر آخرين كانوا يخرجون معنا في الدرويات أثناء المهمات الأمنية، كانوا يتفاخرون كثيراً بإنجازاتهم وجرائمهم وممارساتهم الوحشية بحق المواطنين الأبرياء.
رأيتُ العديد من ضباط المخابرات وهم سكارى مخمورين ويلعبون القمار في مكاتبهم بالفرع وخاصة في المساء وكنت أسمعهم يتشاتمون فيما بينهم بألفاظ فاحشة قذرة ويتلفظون بعبارت الكفر والإلحاد المقذعة التي يقشعر لها البدن.
كان ضباط المخابرات العسكرية حريصين دائماً على تثبيت نفوذهم المطلق والسيطرة الحصرية لهم في جميع مناطق حمص والقرى القريبة منها وكانوا ينهبون المواطنين ويتقاسمون الرشاوي فيما بينهم، ولقد سمعت عن الكثير من حالات الابتزاز للتجار وخاصة المهربين، وكان عناصر المخابرات العسكرية في بعض الأحيان يتعمدون الوقوف أثناء دورياتهم في طرق معينه معروفة بالتهريب من لبنان حتى يقوموا بمصادرة البضائع من المهربين والمساومة عليها لإعادتها لهم مقابل مبالغ مالية يتفقون عليها، وقد سمعت عن حالات تم فيها شراء طريق التهريب بكامله لمدة معينة لقاء رشوة كبيرة يدفعها المهربون لضباط المخابرات، وكان هناك حالات كثيرة يقوم بها المهربون برشوة ضباط المخابرات العسكرية لحمايتهم من عناصر الأجهزة الأمنية الأخرى في حمص.
وقد طُلب منا مرتين التوجه لمنطقة حدودية مع لبنان ومراقبة عناصر حرس الحدود (الهجانة) للتأكد من إخبارية بأنهم كانوا يساعدون المهربين لقاء رشاوى، وألقينا القبض ليلاً على عدد من المهربين الذين اعترفوا أنهم يدفعون مبالغ مالية كبيرة لرئيس مفرزة الهجانة على الحدود اللبنانية للسماح لهم بتهريب السلاح وبعدها وصلنا إلى مفرزة الهجانة واعتقلنا جميع العناصر هناك وقمنا بتوصيلهم إلى الفرع حيث تم التحقيق معهم وضربهم بوحشية.
كانت جميع أجهزة المخابرات العسكرية بقيادة زعيمهم المجرم الأكبر علي دوبا لها السيطرة الكاملة على كل شيء في سورية بسبب الثقة المطلقة التي حصل عليها من الرئيس البائد المقبور حافظ أسد. وقد سمعت أن السبب الأساسي لذلك هو فشل الأجهزة الأمنية الأخرى في العديد من المهام الخطيرة داخل وخارج سورية، وخاصة المخابرات الجوية الذين يُقال أنهم كانوا وراء عملية تفجير فاشلة لطائرات ركاب مدنية في أوروبا.
وقد رأيت المجرم الإرهابي علي دوبا أثناء إحدى زياراته إلى فرع المخابرات العسكرية بموكب من سيارات المرسيدس الحديثة موديلها ستيشن لونها أبيض ومعه حوالي عشرين عنصر حراسة ومرافقة. وقد سمعت فيما بعد أن ابنه محمد قد قُتل في حادث سيارة مُرَوّع على طريق دمشق حمص عندما صدمه باص مُسرع عند مفرق مدينة النبك (سبحان الله).
حصلت أمامي مناوشات مسلحة بين عناصر فرع المخابرات العسكرية وعناصر من فرع المخابرات الجوية الواقع على طريق حماة وذلك بسبب التنافس المحموم على اعتقال مطلوبين، حيث أنه صدف أن كانت دوريات من الفرعين تقوم بنفس الوقت بمراقبة منزل أحد المطلوبين والتحضير لمداهمته واعتقاله، وفجأة حصل خلاف شديد بينهم حول أحقية الفرع الذي يجب أن يعتقل ذلك الشخص ويحقق معه، وتطورت الأمور إلى الاشتباك بالرشاشات وكادت أن تحصل مجزرة دموية بينهم لولا تدخل كبار الضباط من الطرفين لحل المشكلة ودياً بالتنازل عن الشخص المطلوب وتسليمه لفرع المخابرات العسكرية. وسمعت عن عدة عمليات مداهمة قام بها عناصر من فرع المخابرات الجوية وكان عناصر المخابرات العسكرية يترصدونهم من بعيد حتى قاموا باعتقال الشخص المطلوب ثم هجموا عليهم وطلبوا منهم تسليم ذلك المعتقل للمخابرات العسكرية وبالفعل خطفوه منهم!!
في إحدى المرات طُلب منا التوجه إلى ساحة الغوطة في حمص حيث يوجد فرع أمن الدولة وكانت دورية مخابرات عسكرية تمر من هناك وقام بعض من عناصر أمن الدولة بالتهجم عليهم وحصلت مناوشات خطيرة بينهم تطلبت من جميع دوريات فرع المخابرات العسكرية التوجه إلى ذلك المكان لإنقاذ دورية زملائهم المحاصرين بجانب فرع أمن الدولة وتم إحضار بعض العناصر من فرع أمن الدولة من بينهم ضابط برتبة ملازم إلى فرع المخابرات العسكرية وضربوهم بوحشية وأذلوهم وأطلقوا سراحهم.
وفي إحدى الأيام كانت دورية للمخابرات الجوية تمر من أـمام دورية للمخابرات العسكرية وكانوا يشغلون بصوت عالي شريط كاسيت عليه أغنية بدوية بصوت إحدى المغنيات “النَوريّات” تمجد وتمدح رئيس فرع المخابرات الجوية فأصيب عناصر المخابرات العسكرية بالغيظ الشديد وقاموا بمطاردة دورية المخابرات الجوية في شوارع حمص وأوقفوهم وأخذوا منهم ذلك الكاسيت وكسروه!!
كان عناصر المخابرات العسكرية ينظرون بإحتقار شديد إلى عناصر الأمن السياسي ولايترددون بالتعدي عليهم بدون سبب وضربهم وهم داخل سياراتهم عندما يرونهم في شوارع حمص ولذلك كان عناصر الأمن السياسي يتجنبون حتى مجرد المرور من أمام دوريات المخابرات العسكرية خوفاً منهم.
أما الشرطة العسكرية وشرطة المرور وشرطة النجدة فكانوا يحسبون ألف حساب لأي عنصر من المخابرات العسكرية ويصيبهم الذعر والخوف الشديد عندما يرون أي أحد منهم ويتملقونهم ويحاولون اتقاء شرهم بأي طريقة.
ولكن أخطر الأحداث التي شاهدتها أثناء خدمتي في المخابرات العسكرية كانت المناوشات التي تحصل فجأة مع عناصر من سرايا الدفاع التابعة للمجرم الإرهابي رفعت أسد الذين كانوا دائماً يتحرشون بعناصر المخابرات العسكرية ويستفزونهم في أي مناسبة.
وقد وقعت اشتباكات مسلحة دموية بين عناصر المخابرات العسكرية وأفراد من سرايا الدفاع في عدة أماكن في سورية بسبب الصور التي كان يرفعها عناصر سرايا الدفاع لزعيمهم الإرهابي رفعت أسد وكنا نراها في الشوارع بجانب صور الرئيس وأحياناً كنت أرى صورة رفعت ملصقة فوق صورة حافظ.
كانت سرايا الدفاع عبارة عن عصابات بربرية إرهابية مشهورين بأنهم عتاة القتل والإجرام وهم الذين اقترفوا العديد من المجازر المروعة بحق المواطنين في سورية بقيادة زعيمهم المجرم الإرهابي الأكبر رفعت أسد مبتدع نظرية (التطهير الوطني) الشهيرة، وارتكبوا مجرزة حماة الرهيبة التي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمعتقلين والمشردين، وأعتقد أن كتاب (حماة مأساة العصر) فيه الكثير من التفاصيل المروعة عن تلك الجريمة البشعة. وللمعلومية فإن سرايا الدفاع قد قامت بعمليات كثيرة خارج سورية وخاصة في الأردن ولبنان، وسمعت أيضاً أن عناصر من سرايا الدفاع قاموا بمهمة سرية في السعودية أثناء أزمة الحرم المكي عام 1979.
كان رفعت أسد قد فشل في محاولته الانقلابية على أخيه الرئيس أثناء مرضه، وتم اتخاذ القرار بتفكيك جميع وحدات سرايا الدفاع الذين كان يقدر عددهم بحوالي خمسين ألف مقاتل جميعهم مدربون بطريقة الوحدات الخاصة، وكان ولاؤهم المطلق والوحيد هو لقائدهم رفعت أسد ويسمون أنفسهم فرسان سوريا “الرفعتيون”، وكانت فروع المخابرات العسكرية بقيادة علي دوبا هي الذراع القوية الضاربة التي استخدمها حافظ أسد لترويض سرايا الدفاع وإنهاء سيطرتهم المطلقة على البلد بعد أن قام بإعفاء شقيقه رفعت من مسؤولياته العسكرية ونفاه خارج سورية، وكانت تلك المهمة عسيرة وخطيرة لدرجة غير مسبوقة في تاريخ سورية المعاصر، وقد رأيت العشرات من ضباط سرايا الدفاع يشحطونهم إلى الفرع وهم بلباسهم العسكري الميداني المبرقع باللون الأحمر ويقومون بنزع الرتبة العسكرية عنهم ويضربونهم بوحشية لأنهم رفضوا الأوامر العسكرية بتحويلهم إلى قطعات الجيش النظامي.
وقد أذهلني منظر لا يمكنني نسيانه داخل فرع المخابرات العسكرية بحمص عندما رأيت ضباط وعناصر سرايا الدفاع وهم معتقلين ومقيدين جالسين على الأرض وبجانبهم أشخاص معتقلين من الإخوان المسلمين، وكأنهم عبرة للتاريخ، هؤلاء أعداء الأمس اللدودين يتشاركون نفس المصير التعيس في معتقلات فروع المخابرات العسكرية.
وقد رأيت في إحدى الأمسيات ضابط مخمور برتبة نقيب من سرايا الدفاع أثناء تواجدي للعشاء مع أحد أصدقائي في مطعم ديك الجن بمنطقة الميماس في حمص وكان ضابط سرايا الدفاع سكران ويتصرف بطريقة همجية وحقيرة مع الجراسين والموجودين على الطاولات القريبة منه ولم يجرؤ أحد على الإقتراب منه أو محاولة تهدئته وإخرجه من المطعم لأنه كان مسلحاً ويضع رشاش كلاشينكوف وثلاثة قنابل على الطاولة أمامه ويهدد بإطلاق الرصاص وتفجير القنابل إذا لم يتم تنفيذ طلباته القذرة.
رأيت المحققين والجلادين في فرع المخابرت العسكرية بحمص يستخدمون أداة مخيفة للضرب وهو نوع من الكرابيج (سوط) مشهور لديهم يسمونه (زب العِجل) وهو إحليل العِجل (القضيب) الذي يُقطع من بين الأعضاء التناسلية للحيوان قبل ذبحه مباشرة حتى لاينكمش ويصبح عديم الفائدة! ويتم تصنيعه يدوياً في القرى الجبلية القريبة من منطقة القرداحة حصراً وذلك بشدّه ومطّه بقوة بعد دهنه بالزيت لعدة أيام حتى يصبح طوله حوالي متر ونصف ويدخلون فيه أسلاكاً لتقويته ويبرمونه حتى يصبح شكله الخارجي مضلع الملمس، ويضربون به المعتقلين بطريقة وحشية بربرية لا يمكن وصفها أو حتى تخيلها، وخطورة هذا الكرباج الرهيب هو أنه مصنوع من مادة طبيعة وهي جلد العضو التناسلي للعِجل وعند تلامسها مع جسد الضحية أثناء الضرب فإنها تلتصق بجلد الإنسان بسرعة خاطفة وتنتزع قطع جلدية بشرية منه وتسبب آلام فظيعة لا تطاق للضحية الذي يتم ضربه بهذا السوط المخيف.
في ذلك الفرع الرهيب رأيت لمحات سريعة من الكثير من عمليات التحقيق والتعذيب وكنت أحياناً أشاهد المعتقلين وهم يعذبونهم بالكرسـي الحديدي وهو كرسي معدني منزوع منه مسند الظهر والمقعد ويتم وضعه على ظهر الضحية الذي يكون في وضعية الإنبطاح على البطن وجهه على الأرض ومكبل اليدين إلى الخلف ويتم إدخال حديدتي إسناد ظهر الكرسي بين يديْ الضحية من طرف الإبطين من الخلف ويسحب إلى الوراء بالوضعية القائمة فيسبب تقوساً في العمود الفقري إلى الخلف وضغطاً مؤلماً جداً على كافة أعصاب وعضلات الضحية وخاصة العنق والكتفين وأسفل الظهر.
وهذه الطريقة بالتعذيب تسمى “الكرسي الألماني” قد تتسبب بحالة من الإختناق المفاجيء وضيق التنفس الشديد مع فقدان الوعي بسبب الضغط المعاكس من الخلف على القفص الصدري للأمام، وقد تتكسر أضلاع الصدر أو تتحطم فقرات الظهر ويصاب الضحية بالشلل لمدة مؤقتة أو دائمة حسب مدة التعذيب أو ربما يتبول دماً بسبب الضغط الشديد على الكلى التي قد تتهتك بسبب هذا التعذيب الوحشي.
وقد سمعت عن الكثير من أساليب التعذيب الوحشية بفرع المخابرات العسكرية في حمص ولكنني لم أرى شخصياً إلا تلك الطريقة الهمجية الفظيعة التي يمكن تصنيفها أنها إحدى الجرائم المروعة ضد أبسط قوانين حقوق الإنسان.
رأيت شخصاً يعذبونه بالكرسي الحديدي ويضربونه بوحشية بذلك الكرباج الرهيب وكان يصرخ ويولول بطريقة مريعة من الألم، ورأيت أحد الجلادين وقد أحضر ممسحة نجسة كانت موجودة عند باب أحد المراحيض ووضعها في فم ذلك المسكين الذي كان يصرخ من التعذيب وقام آخر بالجلوس على كتفيه من الأعلى لزيادة الضغط على ظهره الذي كاد أن ينكسر وربما تسبب له في حالة شلل دائم.
في أحد الأيام ذهبت لاستلام السلاح وجهاز اللاسلكي كالعادة وعندما سألت عن السائق الذي أخرج معه عادة فأخبروني أنه معتقل!! وفي اليوم التالي طلبوا من الدوريات الخمسة العاملة ذلك اليوم والعناصر الذين كان عددهم عشرون للاجتماع أمام مكتب رئيس الفرع ورأينا ذلك السائق واقفاً أمامنا وقد قيدوا يديه بالكلبشة وراء ظهره وأغمضوا عينيه بالطماشة ولم نعرف ما هي القصة حتى خرج رئيس الفرع بنفسه وبدأ يشتم ذلك السائق بأوسخ التعابير البذيئة وقال أن هذا السائق قد ضُبط وهو يقوم بتهريب بضائع من الحدود اللبنانية وسوف يلقنه درساً سيكون عبرة لنا جميعاً للمستقبل، وأحضروا الكرسي الحديدي ووضعوه فيه وطُلب من جميع العناصر العشرين أن يقوم كل واحد منهم بضربه مائة مرة، أي أن ذلك السائق سوف يُضرب بمجوع ألفين سوط، وبالفعل بدؤوا بضرب ذلك السائق التعيس وهو أصلاً يتعذب ويصرخ من شدة الألم بسبب الكرسي وجاء دوري ولكنه كان أغمي عليه وسكت ولم يعد يصرخ، فخرج رئيس الفرع ونظر إلينا وقال بعصبية ليش توقف الضرب فقلنا له سيدي الزلمة صَفرَن وشارف على الموت، فطلب من الطبيب معاينة ذلك السائق المسكين فقام بفحص نبضات قلبه وضغط الدم وقال: آفي مشكلة بإمكانكم تكملوا ضرب!! فنظر إلينا رئيس الفرع بغضب وكان يزعق بلهجة قرداحية لئيمة ويقول: ماني شايف دماء على الأرض؟؟ وأحضر إثنين من الجلادين من قبو التعذيب الرهيب وأمرهم بضربه بطريقة وحشية أمامنا لا أعتقد أن البشرية تعرف لها مثيلاً، كانوا يضربونه بكل وحشية وسادية أمام رئيس الفرع الذي كان يشاهد تلك المجزرة بحق سائق تعيس خدم لديه بالفرع حوالي عشر سنوات ومع ذلك لم يرحمه، وقد عرفت فيما بعد أن تلك المعاملة كانت مناسبة خاصة لإرهاب المجندين وترويعهم وخاصة غير العلويين لأن ذلك السائق كان من الطائفة الإسماعيلية من قرى منطقة السَلَمّية في حماة. وقد سمعت بأنه قد تم سجن ذلك السائق لعدة أشهر بدون محاكمة في نفس الفرع وتم بعدها تحويله إلى الجيش النظامي وهذا النقل يعتبر أكبر إهانة لعنصر المخابرات العسكرية لأنه سوف يُصبح ضعيفاً ذليلاً هناك.
وفي إحدى الليالي عندما كنت ماراً في طريقي لاستلام الدورية المسائية رأيت ثلاث بنات محجبات معتقلات وكانوا يحققون معهم بطريقة همجية ويشتمونهم بألفاظ بذيئة قذرة ويهددونهم بالاغتصاب وقام أحد الجلادين فجأة بضرب رأس إحداهن بالجدار بقوة ووقعت تلك المسكينة مغشياً عليها فأحضروا سطل ماء وسكبوه عليها ولم تصحَ من الغيبوبة وكان عناصر المخابرات يرفسونها بأرجلهم ويتضاحكون فيما بينهم وتركوها على تلك الحالة وربما تكون توفيت.
كنت عندما أرى الجرائم البربرية التي يرتكبها عناصر المخابرات أفكر جدياً هل هؤلاء المجرمون ينتمون فعلاً للبشرية؟ وكنت أشك أنهم مخلوقات مشوهة ربما مسخها الله من سلالة القرود المتوحشة أو الخنازير البرية، وكنت أقول في نفسي هؤلاء لا شك بأنهم أحفاد القرامطة الذين ارتكبوا الفظائع بحق المسلمين والإنسانية واعتدوا على الحجاج المسالمين في مواسم الحج وقاموا بسرقة الحجر الأسود من الكعبة وجرائمهم مشهورة في كتب التاريخ الأسود، وقد كنت عندما أرى تصرفات عناصر المخابرات الإجرامية أفكر بهذه الآيات القرآنية من سورة مريم: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا * فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا * يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) صدق الله العظيم.
لقد أصابني حزن واكتئاب شديد من تلك المشاهدات الفظيعة واقتربت من حافة الجنون خلال مدة خدمتي التعيسة في فرع المخابرات العسكرية بمدينة حمص، وفكرت جدياً في إحدى المرات أن أقوم بعملية إنتحارية داخل ذلك المكان الإجرامي البغيض وأفجره بمن فيه من فظاعة وهول ما رأيت من الظلم والطغيان والإجرام.
كنت أعد الأيام والساعات حتى موعد انتهاء هذه الخدمة العسكرية البائسة، وخاصة أن أهلي قد قرروا السفر خارج سورية بعد استقالة الوالد من عمله وباعوا المنزل الذي قضيت فيه سنوات طفولتي الجميلة واضطررت لاستئجار شقة صغيرة مفروشة عشت فيها وحيداً عدة أشهر قبل تسريحي من الخدمة العسكرية، وزادت معاناتي الشخصية والاجتماعية بعد سفر أهلي للإقامة الدائمة في إحدى الدول الخليجية وأصبحت أندب حظي التعيس وأنتظر بفارغ الصبر اقتراب يوم الخلاص الموعود.
ومع أن الخدمة العسكرية الإلزامية في سورية في تلك الأيام كانت لمدة سنتين ونصف فقط إلا أن كثيراً من العسكريين المجندين كان يتم تأجيل تسريحهم لشهور وأحياناً لسنوات وذلك تحت بند “الإحتياط” وخاصة أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان وقد رأيت مجندين في خدمة الإحتياط لثلاث أو أربع سنوات إضافية، وكنت أفكر هل من المعقول أن يتم الاحتفاظ بي أيضاً لمدة أطول؟؟ كان مجرد التفكير في هذا الاحتمال يصيبني بالقلق والانزعاج الشديد وكنت أدعو الله أن يُخلصني من هذه الخدمة العسكرية الكئيبة بأسرع وقت.
أثناء خدمتي بفرع المخابرات العسكرية في مدينة حمص كنت أُصلي وأصوم بالسر وبدون أن يعرف أحد ولم أكن أُصلي في الجامع أبداً حتى لا أتعرض للشبهات والمسائلة وخاصة في تلك الأيام العصيبة حيث كانت المواجهات المسلحة العنيفة في أوجها مع جماعة الإخوان المسلمين وكان أي شخص يجاهر بممارسة الشعائر الدينية موضع شك وريبة ومراقبة فما بالك بعنصر مخابرات!!
وفي إحدى أيام الجمعة طلبوا منا أن نذهب في مهمة سرية للصلاة في جامع خالد بن الوليد وانتظار التعليمات هناك، فتوضأت ودخلت ذلك الجامع بكل شوق وسرور وصليت فيه وأنا من المفترض أن أكون في مهمة مخابراتية رسمية ولم أعرف لماذا أرسلونا إلى هناك من الأساس؟ وعندما خرجت من الجامع فوجئت بأحد أصدقاء والدي يُسلم علي ويقول لي: الله يهديك يا ابني!! وقد عرفت أنه كان يصلي ورائي ورأى جهاز اللاسلكي والمسدس اللّذيْن كنت أخفيهما تحت ملابسي ولكنه ربما انتبه إليهم أثناء سجودي، شعرت وقتها بأنني شخص حقير وضيع منبوذ وتمنيت لو أن الأرض انشقت وابتلعتني من شدة الإحراج.
وفي إحدى المرات طلبت إجازة لمدة أسبوع ولكنني تأخرت بالعودة لمدة نصف يوم فقام الضابط رئيس قسم الدوريات بطلب أمر سجن لي لمدة أسبوع ولكنني خرجت بعد ثلاثة أيام لأنني أرسلت خطاب تظلم لرئيس الفرع الذي يعرف أنه هو واسطتي شخصياً من الأساس فأمر بإلغاء أمر سجني وأطلقوا سراحي. وخلال فترة السجن القصيرة رأيت هناك مجموعة عساكر من الجيش النظامي قيل لي أنهم فارون من الخدمة الإلزامية ويتم التحقيق معهم لمعرفة أسباب هروبهم قبل إحالتهم للمحكمة العسكرية، وقد التقيت في السجن بشخص حلبي منهم تأثرت بقصته عندما سألته عن سبب هروبه من الجيش فقال لي أنه وصله خبر بأن أمه توفيت وطلب إجازة خاصة تم رفضها من الضابط المسؤول عن قطعته العسرية وشتمه وشتم أمه وقال له أمك ماتت وانقبرت شو بقى بدك تعمل لها!! فقرر ذلك العسكري المسكين الهرب من خدمته العسكرية وكانت بالقرب من دمشق وسافر إلى حلب ولكن اعتقلته دورية للشرطة العسكرية في حمص وأحضروه إلى فرع المخابرات العسكرية حيث ضربوه وعذبوه ولا أعرف ماذا حصل له بعد ذلك.
الحمد لله أخيراً انتهيت من ذلك الكابوس المريع وذهبت لتوقيع أمر تسريحي فقال لي الضابط المسؤول: نريدك أن تبقى معنا لأن خدمتك كانت جيدة وأثتبت جدارتك في مهامك، فشكرته على هذه الثقة الكبيرة بمنحي شرف الخدمة الدائمة بالمخابرات!! واعتذرت منه بلطف وقلت له أنا أريد إكمال دراستي الجامعية، فنظر إلي بدهشة واستغراب وقام بتوقيع أوراقي وسافرت في نفس اليوم إلى الفرع الإداري في دمشق وهناك استلمت هويتي المدنية وبعدها من المفترض أن أكون حراً طليقاً أخطط للسفر والدارسة من جديد.
ولكن للأسف لم تنته معاناتي مع هذا الكابوس العسكري الفظيع، لأنني عندما تقدمت بطلب موافقة أمنية لاستخراج جواز سفر قيل لي أنه غير مسموح لجميع المجندين في المخابرات والأمن السفر خارج القطر إلا بعد مضي عشر سنوات!!!!!!!! وكان ذلك خبراً سيئاً وغير متوقع على الإطلاق وقد نزل علي كالصاعقة.
ذهبت فوراً إلى منزل إبن خالتي صاحب تلك الواسطة التعيسة وأنا على وشك الانهيار العصبي وأخبرته بالموضوع فاتصل بوالده وكان مسافراً خارج البلد وأخبره بالقصة فوعدني خيراً، وبعد عدة أيام رجع من السفر وإتصل بصديقه غازي كنعان في لبنان وطلب منه أن يتصل بمدير فرع المخابرات الجديد الذي كانت خدمتي العسكرية فيه وتوسط لي عنده لمنحي موافقة سفر استثنائية وحصلت عليها وأنا لا أصدق نفسي وقررت استخراج جواز سفر بسرعة خوفاً من انتهاء صلاحية الموافقة الأمنية أو انتقال ذلك الضابط أو ربما يقوم بتغيير رأيه. ولكن هل كانت هذه هي نهاية المآساة؟ بالطبع لا، لأنني كنت أعيش في سورية الأسد حيث كل شيء مأساوي وأي شيء غبي يمكن أن يحصل بدون سبب.
أسرعتُ إلى إدارة الجوازات ومعي تلك الموافقة الأمنية الغالية التي كنت أنظر إليها على أنها وثيقة عتق من العبودية وإطلاق سراحي، وتقدمت بطلب استخراج جواز سفر، ولكن لهول المفاجأة أخبروني أنه يوجد علي طلب بحث واعتقال!!! لماذا؟ لأنني هارب من الخدمة العسكرية!!! صدق أو لا تصدق.
دخلت في دوامة من الإجراءات البيروقراطية واستفسارات عقيمة بين مكاتب الجيش والمخابرات والجوازات حتى أعرف فقط كيف أنني هارب من الخدمة العسكرية؟ وتبين لي أنني بعد انتقالي من القطعة العسكرية التي سحبت إليها في البداية بأنهم ولغبائهم الشديد لم يشطبوا اسمي من سجلاتهم على أنني انتقلت من عندهم إلى مدرسة المخابرات العسكرية وبالعكس فقد قاموا بالخطأ بإرسال مذكرة هروب بحقي لأنني غائب لديهم!!! وأرسلوا برقية بحث واعتقال إلى الشرطة العسكرية وقاموا بالتبليغ عني بأنني هارب من الخدمة العسكرية وقاموا بتعميم اسمي على إدارة الجوازات وكافة المنافذ الحدودية وأنا كنت أخدم فعلاً في فرع المخابرات العسكرية!!!
أتخيل أن ذلك الخطأ الفظيع يحصل فقط في الدولة الأسدية وجيشها التعيس أبو شحاطة، نفس الاسم ونفس الرقم العسكري ونفس المعلومات الشخصية لنفس الشخص الذي يؤدي فعلاً الخدمة العسكرية ولكنه هارب في سجلات الأغبياء في الجيش الأسدي لأنه ليس لديهم مشاركة بالمعلومات الصحيحة، وبالطبع كان على أن أدرك أن هذا الخطأ الفادح متوقع من أشخاص سفلة أوغاد أنذال أغبياء فاسدين غير مؤهلين لأي عمل مفيد جاؤوا من وراء البقر والحمير وأصبحوا يتحكمون بمقدرات بلد كبير ويتلاعبون بمصير شعب عظيم.
شرحتُ لمدير فرع الجوازات بأن هناك خطأ وأعطيته شهادة انتهاء الخدمة العسكرية والموافقة الأمنية على منحي جواز السفر والموافقة على سفري من فرع المخابرات العسكرية في حمص ولكنه قال لي أنه يجب علي أولاً أن أعمل كف بحث من السلطات الأمنية المختصة، وبقيت حوالي شهراً كاملاً أتابع معاملة كف بحث عني وقمت بدفع رشاوي عديدة حتى حصلت أخيراً على شهادة براءتي من خطأ فظيع ومريع لم أكن متسبباً فيه.
وأخيراً استخرجت جواز سفري المنحوس وخرجت من سورية حراً طليقاً وعاهدت نفسي أن لا أفكر بالعودة قبل مضي عشر سنوات على الأقل، وسافرت فوراً إلى دولة مجاورة ومنها إلى دولة خليجية حيث تقيم عائلتي هناك وساعدوني بالحصول على تأشيرة الإقامة، وشاءت الأقدار أن أدرس في جامعة أخرى وتخصص مختلف عن ما كنت أحلم به، وعملت هناك سنوات طويلة.
ورجعت الى بلدي الغالي سورية بعد غياب أكثر من عشر سنوات وزرت مدينة حمص التي أحبها وأعشقها واشتقت إليها كثيراً، وكم آلمني شعوري بأنني غريب عنها لأن الأماكن التي أعرفها وقضيت بها سنوات الطفولة والمراهقة قد تغيرت معالمها كثيراً ومعظم الأصدقاء الذين كنت أعرفهم قد انتقلوا من المدينة أو هاجروا خارج البلد ومنهم إبن خالتي صاحب تلك الواسطة الرهيبة التي غيرت حياتي لأنه هاجر مع أهله إلى دولة أوروبية حيث إستقر بهم المقام هناك.
***
والآن أصدقائي الأعزاء،، إنتهت تلك القصة كما سمعتها من صديقي شخصياً وكتبتها لكم بكل تفاصيلها المحزنة، وربما يكون السؤال الأول هو لماذا نقوم بنبش هذه الصفحات المنسية المريرة من ذكريات شخصية لشخص كان يحاول نسيانها لمدة تزيد على ربع قرن؟
نحن نشعر بأننا الآن أمام مسؤولية تاريخية أمام الوطن والمواطنين تتطلب أن نقول الحقيقة وننشر حقائق عايشها أحد المواطنين السوريين الشرفاء بنفسه والذي كان شاهداً على ممارسات قمعية استبدادية بصورة مباشرة من الداخل حيث رأى معتقلين أبرياء ذنبهم الوحيد أنهم كانوا يطالبون بالحرية والكرامة الإنسانية وآخرون تم تلفيق تهم كاذبة لهم وسجنوا وعذبوا بسبب تقرير مفبرك من أحد المخبرين لأسباب شخصية قد تكون كيدية أو ثأرية.
لقد قرأنا العديد من الكتب والمذكرات التي توثق لحالات السجن الرهيبة وقصص التعذيب المروعة داخل سجون المخابرات الأسدية في سورية ومنها: (القوقعة)، (تدمر – شاهد ومشهود)، (حمامات الدم في تدمر)، (في القاع – سنتان في سجن تدمر الصحراوي)، (في أقبية فرع فلسطين)، (خمس دقائق وحسب)، (نيغاتيف من ذاكرة المعتقلات السياسيات)، وأخيراً وليس آخراً كتاب هام جداً بعنوان (من تدمر إلى هارفارد)، وتوصلنا إلى قناعة مؤكدة بأنه قد حان الوقت لنا جميعاً لكي نكسر حاجز الخوف والصمت الطويل حتى نؤكد للعالم أجمع أن جميع ما يقوله أولئك المعتقلين الأبرياء هو صحيح وصادق مئة بالمئة، بل وهناك المزيد من الممارسات القمعية الوحشية التي كان وما يزال عناصر العصابات الأسدية يمارسونها بحق المواطنين السوريين الأبرياء. وإنني أدعو جميع المواطنين السوريين الأحرار الشرفاء ممن كان يخدم في تلك الأجهزة الأمنية الإجرامية أن يكتب مذكراته وينشرها حتى يتم توثيق شهادته عن حقبة سوداء من تاريخ سورية المعاصر تحت الإحتلال الأسدي الغاشم.
لقد كنت دائماً أفكر لماذا جميع ضباط المخابرات بدون استثناء هم عصابات من المجرمين الهمجيين ويتصرفون بطريقة وحشية وبربرية؟ والسبب في ذلك أن غالبية ضباط المخابرات في سورية ينتمون إلى الطائفة العلوية المعروفة بولائها الأعمى والمطلق للنظام الأسدي الإجرامي الحاكم الذي مسقط رأسه في قرية القرداحة، وهم في الأصل جاؤوا من قرى فقيرة ومعدمة تتمركز في جبال العلويين على الساحل السوري لا يوجد لديهم مدارس ولا خدمات اجتماعية ولا رعاية صحية وتمت تنشئتهم على أمل وحيد وهو أنهم سوف يذهبون إلى الكلية الحربية ويصبحون ضباطاً في الجيش والمخابرات وهذا في الواقع ما حصل، وهم الآن بالفعل قطعان من المستوطنين المرتزقة الذي جاؤوا بالآلاف للنهب والسرقة وتمكنوا من السيطرة على الحكم في سورية ونراهم اليوم في مناصب قيادية وحساسة، والمؤسف أن هؤلاء العسكريين الإرهابيين الذين يتحكمون الآن بمصير الوطن ليس لديهم ثقافة أو فكر أو منطق، أسلوبهم الوحيد في التعامل مع أي مشكلة هو القمع بوحشية، ومنهم من يترقى في المناصب فيصبح وزيراً أو محافظاً ويكون مسؤولاً عن التخطيط والتنمية والتطوير وهو في الأصل شخص غبي وفاشل لا يعرف شيئاً ولم يتدرب إلا على القتل والإرهاب.
إشكالية تحكم العسكر في السلطة موجودة في الكثير من بلدان العالم ولكن في سورية هؤلاء ضباط المخابرات ذوو توجه طائفي حاقد لا يعترف بالأخر إلا على أساس القهر والإستبداد، وهكذا تستمر مأساة تفريخ عناصر عسكرية إجرامية فاسدة جاهلة حاقدة مستبدة تمت تنشئتها على مبادئ حزبية وطائفية قذرة واستمرت في التحكم بمقاليد الأمور لعقود طويلة، هؤلاء المنتفعين الوصوليين الطفيليين استفادوا من مميزات واستثناءات غير متوفرة لغيرهم وتمكنوا من الاستمرار بالسيطرة على الحكم رغم معرفتهم الأكيدة بفشلهم، ولذلك عندما تتوافق الطائفية مع الاستبداد العسكري وتغذيها عوامل الفساد الشامل تتكون الأسباب القوية والمباشرة للثورة الشعبية الكاسحة وهذا ماحصل أخيراً بالطبع في وطننا الأسير المنكوب.
وبرأيي فإن مصدر الخطر الأساسي في سورية ليس فقط مشكلة أقلية طائفية حاقدة منبوذة تمكنت من التحكم في مقدرات بلد كبير وشعب عريق، ولكن هي كانت وما تزال بيئة إجرامية قذرة تنتج هؤلاء المسؤولين الأوغاد السفلة، ولهذا السبب نرى أن معظم المسؤولين الأسديين في سورية يفتقرون للحد الأدنى من الثقافة والأخلاق وممارساتهم الإجرامية تدل على ذلك وتثبت خلفياتهم الإرهابية.
وإذا كان الكثيرون يستغربون لماذا هؤلاء الأوغاد الأسدييون يتفاخرون بهمجيتهم ورعونتهم ونقاشهم ليس فيه سوى الشتائم الفاحشة والألفاظ المقذعة فإن السبب الأساسي بالطبع هو البيئة القذرة الشاذة التي نشأ فيها هؤلاء الرعاع السفلة وهي السبب لما هم عليه الآن من أخلاق حقيرة وتصرفات بربرية لأنهم لا يعرفون معنى الحرية والكرامة، وبعد انتقالهم من بيئتهم الوسخة التي تربوا فيها إلى بيئة أكثر قذارة في قطعات الجيش الأسدي وأفرع المخابرات الإرهابية ترسخت لديهم تلك الأخلاق الحقيرة بتصرفات إجرامية سادية لا يوجد لها مثيل وقد رأيت الكثير منها بنفسي.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد رأينا مؤخراً الكثير من أزلام العصابة الأسدية الحاكمة وعملائها الأوباش “الشبيحة النبيحة” ممن يعبر عن رأيهم بأسلوب الردح الرخيص ويشتمون من يعارضهم علناً على الفضائيات بألفاظ نابية قذرة وهم إنما يُعبرون عن أنفسهم بكلمات فاحشة بذيئة لأنهم فعلياً شخصيات ضعيفة وتافهة ومريضة نفسياً ولديهم أوهام التسلط والتكبر والعجرفة ويعيشون على الهامش لأنهم عصابات من المرتزقة المأجورين وهم خليط شاذ وغير متجانس من بعض الشخصيات الإجرامية الانتهازية الحاقدة الحقيرة المهملة ولا يهتم بأمرهم أحد ولا يوجد عندهم الحد الأدنى من الكرامة أو الأخلاق الحميدة ولا يعرفون أي شيء عن الحضارة والثقافة ولم يسمعوا أبداً عن أبسط مبادئ حرية الفكر والتعبير واحترام الرأي الآخر وضمان حقوق الإنسان الأساسية لأنهم تتم تنشئتهم على معتقدات تنظيم أسدي قرداحي إرهابي شمولي طفيلي، وهم متشبعون بأفكار استبدادية متحجرة بائدة تنتمي إلى عصور أنظمة بوليسية قمعية انهارت واندثرت مثل حقبة ستالين وبريجينيف وماوتسي تونغ وأدولف هتلر وموسيليني وتشاوشيسكو والخميني وبول بوت والقذافي وأعوانهم لعنهم الله أجمعين وحشرهم في الدرك الأسفل من نار جهنم مع أبي لهب وأبي جهل وبئس المصير.
إن هؤلاء العصابات “الشبيحة” ممن يعبد الأصنام الأسدية المنتشرة في كل مكان للمقبور البائد الهالك حافظ الجحش (الله يلعن روحه في قبره) وابنه المجرم (أبوحافيض) الكذاب الجبان ويسجدون على صوره القميئة ويقولون (مطرح ما يدوس بنركع ونبوس) ويدافعون عن هذا النظام القرداحي الديكتاتوري الإجرامي الإرهابي بهذه الطريقة الهابطة والساقطة إنما هم فئة صائعة ضائعة غير متعلمة من الجهلة والهمج تفوح منهم رائحة الخمور والمخدرات وهذا شيء طبيعي منهم لأنهم قطعان من الأوغاد والزنادقة الذين لا يعرفون معنى العرض والشرف، وهم على الأغلب أبناء قوادين وعاهرات لأنه تم تربيتهم في مستنقعات الرذيلة حيث اعتادوا رؤية أولياء أمورهم في بيوت الدعارة والخمارات والبارات والمراقص الليلية يبحثون عن أرزاقهم هناك بين أرجل الكراسي والطاولات وتحت أحذية أسيادهم الفاسدين أمثالهم. إن هؤلاء الرعاع السفهاء المسعورين بتصرفاتهم الدنيئة وألفاظهم البذيئة إنما يعبرون فعلاً عن بواطن أنفسهم الانهزامية وبيئتهم الوسخة التي يعيشون فيها لأنهم إعتادوا سماع مثل هذه الشتائم المقذعة الفاجرة من أسيادهم الأسديين جلاوزة وأزلام عصابة الجحش القرداحية الذين يُذلونهم بها علانية أمام الناس صباحاً ومساءً، إنهم بأخلاقياتهم السافلة المنحطة يحاولون الآن باستماتة الدفاع عن نظام سفاح ديكتاتوري قمعي أصبح فعلياً هذه الأيام ضعيفاً ومترهلاً ومتفسخاً ومتهالكاً وسوف يسقط قريباً بإذن الله.
ومن الواضح أن ممارسات النظام الأسدي الإجرامي في سورية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بوجود قرار على أعلى مستوى أن يتخذ العنف الإرهابي العشوائي الشامل على أنه الخيار الإستراتيجي الوحيد والدائم على الأرض وليس بصفة تكتيكية مؤقتة، هذا كلام خطير جداً، لأنه عندما تلجأ عصابات الدولة الأسدية إلى استخدام العنف كونه حلاً استراتيجياً نهائياً فهذا يعني فشلاً ذريعاً لجميع مقومات النظام الحاكم و انهيار كافة الأسس لشرعيته وبالتالي جر بالبلاد إلى الانفلات الأمني في ظل بقاء النظام الحاكم الاستبدادي وعدم تغيير ممارساته القمعية وهذا يعني دخول البلاد في مستنقع الحرب الأهلية التي تشرف عليها وتؤججها عصابات الموت التابعة لزعيم الدولة الأسدية وحاشيته.
وفي هذه الحالة أصبح لدينا دولة المافيا الأسدية الإجرامية التي تقتل بوحشية للمحافظة على مصالحها الخاصة وتفادي مصير السقوط المريع وتبعاته الرهيبة مثل الاعتقالات العشوائية والمحاكمات الميدانية والأسوأ هو انتقام الشعب بصورة غوغائية ووحشية، من يقرأ التاريخ يعرف بأن الحل الوحيد للتعامل مع دولة المافيا الإجرامية هو اندلاع إنتفاضة ثورية شعبية عارمة في كافة أنحاء البلاد لإسقاط النظام الإجرامي، وفي حالة دولة المافيا الأسدية الإجرامية التي تعمل بأسلوب العنف كحل إستراتيجي وحيد لا يصبح للحوار أو المفاوضات أو الوعود بالإصلاح أي قيمة وعلى العكس فهذا يصبح شراءً للوقت واستغلاله للقتل.
زعماء دولة المافيا الأسدية الإجرامية يقومون الآن بتمويل وتشجيع فرق الموت لنشر الذعر والفوضى لأنهم يعرفون اقتراب نهايتهم الرهيبة وهذا يؤجج النقمة الشعبية العارمة، وللأسف نحن الآن في سورية دخلنا فعلياً في مرحلة دولة المافيا الأسدية الإجرامية لأن الأحداث الإرهابية حالياً تثبت أن الممارسات الإجرامية من فرق الموت يقابلها رد فعل شعبي ساخط وعنيف وشامل، وقد شاهدنا أن المنظومة الحكومية وأجهزة الدولة الأسدية بأكملها تتحول الآن إلى عصابات إجرامية إرهابية تعيث فساداً في البلاد وهدفها واحد: تفادي سقوط النظام بأي ثمن، ولذلك فإن كل من يتكلم عن انتقال سلمي للسلطة أو يأمل في تنفيذ إصلاحات من زعماء دولة المافيا الأسدية الإجرامية فهو واهم وساذج، لا يوجد أبداً عصابة إجرامية حاكمة يمكن إصلاحها أو التفاوض معها، هذا الرأي يعكس الواقع الحالي لأن الأحداث الإرهابية الآن تثبت بأن رأس المنظومة الأسدية الحاكمة وهو الرئيس قد تحول عملياً إلى زعيم عصابة مافيا إجرامية بالفعل، ويجب على كل من يعمل لإسقاط النظام الاستبدادي في سورية أن يدرك حقيقة واضحة وهي أن هذا النظام قد تحول بأكمله إلى دولة مافيا إجرامية إرهابية تنشر الرعب والدمار.
للأسف لدي قراءة أكثر سوداوية قد تزيد من تصوير الحالة سوءًا في ظل المعطيات على أرض الواقع، أعتذر لكم ولكن هذه هي الحقيقة المريرة، لأن تركيبة النظام الحاكم في سورية تؤكد بأن الغالبية العظمى من كوادر هذا النظام هم فعلياً عناصر ينتمون إلى طائفة محددة معروفة بالولاء المطلق وخاصة في الأجهزة الأمنية والجيش.
أنا أكره الحديث الطائفي المقيت البغيض ولكن هذه هي الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، وأنصحكم بقراءة كتاب (الجيش والسياسة في سورية) وكتاب (البعث الشيعي في سورية) وكتاب (الأسد – الصراع على الشرق الاوسط) وكتاب (الصراع على السلطة في سورية) وكتاب (مزرعة الأسد) وكتاب (حقيقة سقوط الجولان)، لأن فيهم حقائق رهيبة مؤسفة.
ويُعلمنا التاريخ بأنه عندما تتحكم أقلية طائفية إجرامية فاسدة في أي نظام حاكم فإن السقوط والانهيار يصبح مصيراً حتمياً ولكن بثمن دموي باهظ يدفعه الشعب للتخلص منها.
مشكلة النظام الأسدي الحاكم في سورية أنه زرع بذور أزمة عنصرية مزمنة داخل طائفة الأقلية الحاكمة نفسها وذلك بممارسات حافظ أسد لسنوات طويلة وهي معروفة، ومن المعروف بأن الطائفة النصيرية تنقسم إلى عشائر وعوائل ولكن ليست كلها مؤيدة للعائلة الأسدية الحاكمة، لقد كانت استراتيجية حافظ أسد للبقاء في السلطة تعتمد بصورة أساسية على عشيرة محددة ضمن الطائفة العلوية وهي المتاورة وأقصى الباقيين لأسباب عديدة، أما بقية العشائر العلوية مثل الكلبية والخياطين والحدادين فقد تم تهميشهم وإبعادهم عن مركز القرار الأهم في منظومة حكم حافظ أسد لأنه لم يكن يثق بهم أبداً.
تلك الممارسات العنصرية داخل الطائفة نفسها كانت تسبب تناحراً كاد أن يؤدي إلى انقلابات عديدة قمعها حافظ أسد بشراسة ودموية، هذه هي الحقيقة الموثقة، وأعتقد أن استقطاب الثورة لسورية لتلك العشائر المهمشة والمظلومة ضمن الطائفة العلوية سوف يضمن عدم اندلاع حرب أهلية دموية وقد يضمن وحدة البلاد.
والآن، هناك مسؤولية تاريخية خطيرة على عاتق تلك العشائر العلوية المعارضة بأن تعلن موقفها الواضح والصريح ضد دولة المافيا الأسدية الإجرامية وتنضم إلى الأحرار الشرفاء، ولذلك أنا أتوقع اشتعال مواجهة شاملة ضمن الطائفة العلوية نفسها لسببين، الأول انتقامي بسبب التهميش والعنصرية والثاني مصيري لتفادي السقوط والدمار الجماعي، وللأسف أنا أرى أنه لايوجد حل آخر للتخلص من دولة المافيا الإجرامية سوى بعمليات تصفية داخلية ضمن الطائفة الحاكمة قد تبعد شبح الحرب الأهلية التي يجرنا إليها هذا النظام الإجرامي، وأعتقد جازماً بأن تغليب العقل والمنطق لوجهاء وزعماء العشائر العلوية سوف ينقذ البلاد وينقذهم من جحيم حرب أهلية نتيجتها محسومة سلفاً، وإن عدم إتخاذهم موقفاً واضحاً وحاسماً الآن في هذا الصراع الدموي مع دولة المافيا الأسدية سوف يشعل نقمةً شعبيةً ضدهم وسوف يؤجج مشاعر السخط الغوغائي والإنتقام العشوائي التي قد لا تُنسى بسرعة.
للأسف هذا هو الواقع بأسوأ تفاصيله، وهذا هو مصيرنا جميعاً متوقفاً على موقف وطني شجاع من حكماء وعقلاء تلك الطائفة العلوية، لأن حكم العصابة الأسدية وزعيمها بشار أسد المجرم الإرهابي الكذاب سوف يسقط لا محالة لأنه عدو للشعب وضد الحضارة وضد الأخلاق وضد الإنسانية وضد الأديان السماوية وضد التاريخ وضد العقل السليم وضد المنطق الصحيح.
أخيراً ، لا يسعني إلا أن أقول: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً وإلى الله ترجع الأمور، لاحول ولا قوة إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل.
أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يُحب ويرضاه، وأرجو أن يُخلصنا من هذه العصابة الأسدية الإجرامية الإرهابية قريباً إن شاء الله.
ملاحظة هامة: صاحب هذه القصة قرر أن ينسى تلك الأيام المؤلمة ويمحي ذكراها من حياته نهائياً ونحن نحترم رغبته، ولذلك سوف لن نتمكن من التعريف به شخصياً أو ترتيب إجراء أي مقابلة صحفية أو تلفزيونية معه تحت أي ظرف، لأن تلك التجربة الشخصية المريرة كان لها تأثير نفسي صعب للغاية عليه وعلى عائلته، وهو يطلب منكم فقط الدعاء له ومسامحته على أي تقصير إو إزعاج قد يحصل لكم بسبب قراءة قصته الحزينة.
Tags: محرر