محمد الحامد: الأرضُ مثل النّسَبْ

محمد الحامد: كلنا شركاء

بعنا منزلنا في حي الحميدية في ديرالزور، وانتقلنا إلى منزل آخر في نفس الحي، ليلة الرِحِيل امتلأ المنزل القديم بالجيران والأقارب، بكى الجميع على حالنا ونحن نلملم ذكرياتنا ونقتلع الأرواح من ثقوب المسامير خلف صور الأحباب.

بالله عليكم لاتبيعوا البيت، ومالك بيتنا واقف بالباب ينتظر خروجنا، خرجت أم سليمان إلى المالك الجديد وقالت له “بطلنا نبيع البيت”، صُعِق والدي!، صاحت أم محمد ” راح نقعد “عالدجّة” الرصيف أنا وولادي ومانخلي حدا يسكن البيت، بدا الندم ظاهراً على وجه والدي ودمعه بلل لحيته، غضب المالك الجديد للمنزل وصاح على والدي: تعال ياحجي أنا اشتريت واعطيتك كامل ثمن المنزل وعيب عاليتراجع وبيناتنا عقد بيع مايصير هالكلام!.

ردّ عليه احد شباب الحارة: راح نرجعلك مصارييّك وزيادة فوقها والبيت بطّلنا نبيعه لون تجيب كل الدنيا، كبرت القصة وامتلأت الحارة والمنزل بالجيران للضغط على والدي للتراجع عن بيع المنزل، الجميع يبكي وغاضب من مالك المنزل الجديد الذي ذهب إلى جهة مجهولة، ساعات كانت كالمعلّق على حبل مشنقة، عزّ على والدي التراجع عن كلمته، خرجنا وأرواحنا تشّدنا إلى عتبة الدار، وصلنا إلى المنزل الجديد وجلسنا فوق متاعنا طيلة تلك الليلة ولم نحرّك ساكناً، أذكر أنه لم ننم في تلك الليلة العصيّة على شرحها ووصفها، تمرّد الجميع على المنزل الجديد.

عنوان السكن عند استخراج جواز السفر “قرب جامع مصعب بن عمير”، عنوان السكن حين التسجيل في المدارس” قرب جامع مصعب بن عمير”، نواعد الأصدقاء في الحارة القديمة، يذهب والدي يومياً للجلوس على دجّة المنزل القديم في الحارة.

ثمان سنوات كان طريق الحارة القديمة هو أكثر الأشياء التي نفكر بها أنا وعائلتي، إلى أن بدأت الحرب على كل حارات الدير، هرب أغلب الجيران وأُخرِجوا من ديارهم بقوة الدبّابات والطائرات، امتدت الحرب على أغلب الحارات السوريّة، تشرّد الملايين ممن هول المذبحة.

كنت في الحارة عندما رأيت أول مرة على التلفاز “الباصات الخضراء” تنقل ثوار وأهالي حمص القديمة عنوةً من ديارهم، بكيت كثيرًا ورأيت صور والدييّ وإخوتي في وجوه أهالي حمص القديمة.

تكرر المشهد عدة مرات في سوريا ومع كل مشهد جديد للتهجير في سورية أغص في ذكريات الحارة القديمة وصباحية العيد فيها، تفرّق حزني شرق وغرب، شمال وجنوب الحارة مئات الكيلومترات.

باع “الرئيس” جميع المنازل من أجل منزله وحارته ودجّته في دمشق، وبيعت أنسابنا وذكرياتنا في المخيمّات وكامبات أوربا واستيدوهات تركيا.

لا تبع أرضك يا ولدي فالأرض مثل النّسب. “وصية والد أحد الأصدقاء لأبنائه”.





Tags: محرر