on
(قتلكِ حلال)… عنصريةٌ وخطاب كراهيةٍ يلاحقان السوريات في لبنان
حذيفة العبد: كلنا شركاء
ما يزال السوريون في عشرات البلدان التي هاموا فيها هرباً من الجحيم في موطنهم، يعانون من عنصريةٍ بغيضةٍ تواجههم من بعض سكان البلد المضيف، ويتعرّضون لمواقف أجبرت كثيراً من الرجال على البكاء حنيناً لبلادٍ تربّوا على خيراتها وكرمها، فكيف حال النّساء في مثل هذه المواقف. وإذا كان طعم العنصرية في ألمانيا وغيرها مرّ، فطعمها من أبناء جلدتهم في لبنان أمرّ وأمرّ.
في لبنان، يدرج الوجع السوريّ في شوارع بيروت وأحيائها حاملاً هويّته السوريّة، يستجدي ملاذاً آمناً بغير ذي عنصريّة. فتياتٌ في مقتبل العمر؛ طالباتٌ جامعيّات، محامياتٌ، صحفيّات، مهندسات ومدرّسات، يبحثن عن ظلّ حياة في انتظار مجهولٍ.
حافظت على كرامتها
“أم عبدو” التي التقتها مراسلتنا “نور أحمد” في لبنان، تقول إنها أم لثلاثة أطفال وزوجة شهيد قدمت للبنان منذ عدة أشهر هاربة من الزبداني، فقط استطاعت تأمين مسكنٍ مؤقت في كراج تم تعديله ليكون غرفة لعائلة سورية. كانت مضطرة للعمل لتأمين قوت أولادها عملت في محلّ لبيع الألبسة لمدة يومين فقط تقول “كان العمل لساعات طويلة ومكانه بعيد عن منزلي أما عن الأجر فهي 10 آلاف ليرة لبنانية يومياً أي 200 دولار شهرياً وهذا يسد فقط أجرة الغرفة”.
وتضيف زوجة الشهيد إن مضايقات صاحب العمل لها ولزميلاتها السوريات كانت كثيرة ولا تطاق، فقررت ترك العمل حفاظاً على كرامتي.
كيف أقنعتِه؟
أما “زينة” الشابة ابنة الـ 24 ربيعاً، متخرجة من كلية الاقتصاد من جامعة دمشق، ويربطها بلبنان صلات قرابة، فلجأت مع أسرتها منذ عامين وخُطبت لقريب لها، وهو لبناني ميسور الحال.
تروي “زينة” لمراسلتنا كيف كانت المعاملة عند تثبيت زواجها، حيث كان عليها مراجعة الأمن العام لإتمام أوراق الزواج، وتقول “راجعت مع خطيبي وعمي الأمن العام لتثبيت بعض الأوراق، فسألني الضابط أنت سورية؟ أجبت نعم. فضحك وقال كيف قدرتي تتصيدي هالعريس وأنت سورية؟ كيف أقنعتيه؟.. لم أتمالك نفسي وصرخت بوجهه أنه قريبي وأنني خريجة اقتصاد وبنت ناس ..لا أعلم لماذا شعرت بهذه العنصرية بكلامه رغم أنه برر وضحك ممازحاً”.
“عالقات هنا على حدّ السيف”
تقول “علا” ذات الأربعين عاماً، لشبكة المرأة السورية: “لبنان بلدٌ غريب الأطوار، لا شيء منطقيّ فيه. مذ جئت إلى هنا قبل ما يقارب السنة ونصف تقريباً، وأنا أبحث عن بيروت، عن عاصمة الثقافة العربيّة، أبحث عن قيمها التي مكّنتها من بلوغ عرش الثقافة ذاك، فلم أجد إلا عجوزاً شمطاء تكره الغرباء، وتستثمر في دم السوريين”.
الكثير من الأموال تصرف في فنادق بيروت ومطاعمها ومجمّعاتها السياحيّة، باسم ورشات العمل والمؤتمرات، بحسب شبكة المرأة، وكلّها تحت عناوين تمكين السوريّات والسوريين، وصناعة السلام. فرص عمل كثيرة توفّرت للبنانيين وازدهرت الأعمال والتجارة والمواصلات والعقارات منذ بدأ السوريّون اللجوء إلى لبنان، في حين ترتفع وتيرة موت السوريين جوعاً وتشريداً وانتحاراً وعنصريّة.
“لقد جئت هاربةً من موتٍ محتّم، جئت طالبةً بعض الأمان. وفي نهاية المطاف نحن عالقات هنا على حدّ السيف، ننزف عمرنا قطرةً قطرة… وكلّ يومٍ يمرّ، ينغرس النصل في أجسادنا أكثر، تلك هي بيروت” تقول “علا”.
لأنهنّ محجّبات
معظم السوريّات في لبنان يشعرن بالغبن والقهر، إذ لا يجدن سبباً لتلك الممارسات إلا الكراهية. وكثيراً ما يفكّرن بالعودة إلى زنازين النظام، أو إلى تحت القصف والبراميل، فالموت واحد على كلّ حال.
في لبنان لا يسمح للسوريّ بالعمل إلا في حالات خاصة، رغم غلاء المعيشة الفاحش، لكن “أمل” واحدةٌ من كثيرات عملن في مدارس اللاجئين السوريين في المخيّمات وخارجها، وحتى في مخيمات السوريين كانت العنصرية واضحة، فهي تتقاضى على ساعة التدريس ستة دولارات، في حين تتقاضى زميلاتها من اللبنانيّات في المكان نفسه عشرة دولارات.
أمّا “فاطمة” فأوقفها حاجز للجيش اللبنانيّ لمدّة ساعتين أو أكثر مع مجموعة من زميلاتها، أثناء عودتهن من بيروت إلى البقاع، ولا سبب يستدعي كلّ ذلك إلا لأنّهن محجّبات.
وإذا كانت الفتاة محظوظة وقُبلت في إحدى المدارس، فإنّها تجد صعوبات في التأقلم بسبب طغيان اللون الواحد على المدرسة، ولا يقع عليها الاختيار إلا إذا توافقت مع هذا اللون من حيث الطائفة والزيّ والمعتقَد.
مقابلات العمل: تحرّشٌ جنسيٌ
أما ”سارة” ذات الثلاثين عاماً، فمازالت تنفق أيامها في البحث عن عمل. تقول: “عملت في إحصائيّات لصالح شركة مسحوق غسيل لبضعة أشهر، كما عملت في التعليم لبضعة أشهر أخرى، كلّ ذلك براتب زهيد لا يكفي بدل إيجار الغرفة المتواضعة التي أعيش فيها بشروطٍ مهينة.
“جميع مقابلات العمل مع اللبنانيين كانت تحرّشاً واضحاً لا لبس فيه، وهناك طلبات مباشرة بإقامة علاقة جنسيّة مقابل الحصول على عمل. حتى أنّه تمّ نشر رقم جوّالي للتعرّف إليّ بحجّة العمل” تضيف سارة “ثابرت لفترة على حضور ورشات العمل، التي كانت تعطي بدلاً زهيداً، رغم ضآلتها وعدم فائدتها في كثير من الأحيان، لكن بعد مدّة لم نعد نتقاضى ذلك البدل. فالمنظّمات تتسابق هنا في صرف مبالغ طائلة على حجوزات الفنادق وأكداس الطعام والشراب، أمّا العمل الحقيقيّ على الأرض فيكون تطوّعيّاً، حتى أنّهم لا يصرفون بدل الطعام والمواصلات في كثير من الأحيان خلال فترة العمل”.
هذه القوانين سنّتها منظّمات دوليّة عريقة، حيث قالت إحدى السيّدات في منظمة الأمم المتحدة لشؤون المرأة مرّة؛ أنتن سوريات ويجب أن تعملن تطوعاً من أجل السوريات.
“مو مبيّن عليكي سورية”
وتسهب شبكة المرأة في الحديث عن السورية “راما”، وهي فنّانةٌ تشكيليّة لم تتجاوز الخامسة والعشرين. تخرّجت في كليّة الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وهي اليوم تنزف أيّامها في محلّ لبيع الألبسة الجاهزة، من الساعة التاسعة صباحاً حتى السادسة مساءً وبمبلغ زهيد.
تقول راما؛ إنّها محظوظةٌ أكثر من غيرها، لأنّها جاءت مع عائلتها، وقدّم لهم أقاربهم بيتاً متواضعاً دون مقابل. تحدّثت راما عن استغلال أرباب العمل، وعنصريّة التعامل معها كسوريّة، وفي أحسن الأحوال كانوا يقولون لها: “مو مبيّن عليكِ سوريّة…”. تلك العبارة التي تفيض عنصريّة وكراهيّة يتداولها اللبنانيّون كثيراً حين يعجبهم شخصٌ سوريّ، أو يحقّق لهم أرباحاً ومبيعات.
“قتلكِ حلال”
من قصص السوريين المبكية هناك هي حكاية “ملك”، التي ناهزت الثلاثين من عمرها، وخرّيجة إعلام في سوريا، وتدرس اليوم “ماجستير إدارة أعمال”. أوقفت تسجيلها في الجامعة بسبب الوضع الماديّ وعدم توفّر العمل. وأكثر ما يرهقها غلاء البيوت.
تقول ملك: “البيوت كثيرة، لكنّ الخيارات قليلة، وخاصّة عندما يعرفون بأنّي سوريّة. كأنّهم يتنفّسون عنصريّة! قال لي أحدهم مرّةً حين سألته عن غرفةٍ للإيجار (تأخّرتِ … البارحة أخذها واحدٌ من هؤلاء السود، لو أخذتِها أنتِ كان أحسن…)”.
تعاني ملك كثيراً إذا حدث وأبدت رأيها فيما يحدث في سوريا، وأظهرت استياءها من ممارسات النظام، وخاصّةً أنّها تنتمي للطائفة العلويّة، حيث فاجأها أحدهم بما لم تتوقّعه؛ “قتلكِ حلال … لو كان معي مسدّس لقتلتكِ …”!
الأسوأ
وتؤكد شبكة المرأة السورية أن وضع المرأة السوريّة في لبنان هو الأسوأ بين جميع بلدان اللجوء، حيث تلعب العنصريّة دوراً في تردّي الأوضاع عموماً، إضافة إلى الوضع الماديّ المزري والغلاء الفاحش، وعدم الأمان، لكن إلى اليوم لم تسجّل أيّ حالة انتحار بين النساء، مقابل حالات الانتحار التي تحدث بين الشباب من الذكور.
ولم تستطع فضائح جرائم الإتجار بالسوريّات، والانتهاكات المجحفة المسجّلة بحقّهن في المخيّمات وخارجها، أن تجذب اهتمام المنظّمات الدوليّة المدافعة عن حقوق المرأة، حيث مازالت تتغاضى عن واقع السوريّات في لبنان مقابل رفاهيّة التمكين السياسيّ، ومؤتمرات صناعة السلام، بحسب المصدر.
اقرأ:
إحدى أشجع النساء في العالم… (أسماء الدرعاوية) من المعتقلات إلى إنقاذ الضحايا
Tags: مميز