د. يحيى العريضي: هكذا تكلم عُمران!

د. يحيى العريضي: كلنا شركاء

في المساء, وفي لحظات سكينة مخيفة, ومع توارد الأخبار التي تفوح منها روائح الدم والخراب واليأس والإحباط؛  تكاثفت الأفكار لتشكل غيوماً ملبدة بمقال سياسي من طراز يهزّ النفوس.

بدأ النعاس يغزو مقلتي وما تبقى لدي من خلايا دماغية؛ فاستسلمت الى سلطان النوم بلا إرادة. غزتني صورة خلت انها أضحت خارج جغرافيا ذاكرتي؛ كانت صورة الحلبي السوري الطفل {عمران} ووجهه الموشح بالدم والغبار, ولكنه, هذه المرة، يجلس في حضن رجل يكلله البياض وجهاّ وثوباً وشعراً؛ يحنو على عمران ويسعى بجهد واضح أن يلتقط كلمة من عمران؛ ولكن عبثاً. قدرت في الحلم ان من يحتضن عمران هو خالقه متجلياً. استيقظت على صرخة لا زلت و سأبقى أسمع دويها أبدياً؛ عمران يسأل؛ ولا أحد يجيب.

وَحدُهُ الانسان من بين الكائنات الحيّة من امتلك موهبة استخدام اللغة الطبيعية؛ ليسأل؛ لينفي؛ ليتعجب؛ ليستخدم المبني للمجهول؛ ليصف؛ ليحلل؛ ليمدح؛ ليهجي؛ لينتقد؛ ليكذب؛ أو ليعبر عن مختلف عواطفه و أحاسيسه و أفكاره. الحيوان من جانبه يفتقد لهذه الموهبة في استخدام لغة طبيعية, تراه فقط يمتلك قدرات غريزية لايصال رسائل. فهل الانسان بهذه الموهبة في نعمة أم في نقمة؟! ومتى يتمنى الانسان ألا يكون قد مُنحَ هذه النعمة؟

رصد هذه الظاهرة أثاره منظر الطفل الحلبي عمران عند انتشاله من تحت الركام إلى سيارة إسعاف ووجهه يغطيه الدم والغبار. ماذا يقول عمران وهل يسأل أو ينفي أو يتعجب أو يصف أو يمدح أو يهجي أو ينتقد أو يكذب؛ وعن أي أحساسيس أو مشاعر أو أفكار يعبر عندما كان صمته يصرخ؟

في داخل عمران كان هناك ألف سؤال وسؤال؛ وكلها بلا أجوبة, تماماً كحالنا عندما نكتب أو نتكلم لا بصمت بل بلغة مكتوبة ومحكية ومسموعة.

نحن نتوجه بأسئلتنا – بحكم التعلم والمعرفة – إلى جهات بعينها. أسئلة عمران أعمق و أكثر جوهرية، ولا تتوجه بشكل سطحي سخيف إلى جهة بعينها. عمران يسأل الأسئلة الأصعب التي- يحرج بها الأطفال آباءهم كـ ” أين الله؟” “كيف خلقنا؟” و”من خلقه؟” عمران يسأل عن معنى الوجود بعمق يتجاوز أسئلة النابهين من الفلاسفة – إذا كان الله يخلق الانسان ويجهزه ويهبه أعظم الأجهزة الإدراكية والمعرفية التي لن يتمكن العلم مهما صرف من مليارات أن يأتي حتى بما يقترب منها أو يشبهها؛ وإذا كان العلم حتى الآن لم يتمكن من خلق أي جهاز مُزوّد بمنظومة محاكمات أخلاقية أو بمنظومات لغة طبيعية كالتي يمتلكها عمران؛ فلماذا يتم القصف عليهم في سورية؟! هذا هو سؤال عمران؛ لماذا هذا العبث بهذه الاختراعات الالهية؟!

عمران يقذف في وجه البشرية أسئلة يصعب عليها تقديم إجابات لها. لماذا أطفال بشار الأسد بخير, و أنا بين الموت والحياة؟ لماذا مات أخي الذي ليس لي غيره وهناك أطفال لازال لديهم أخوة؟ كيف يقولون ان الطائرة تنقل الناس من مكان إلى آخر, وهذه الطائرات التي أراه لا تنقل إلينا إلا الموت و الدمار؟ علمونا أن نقول لبشار: “منحبك”؟ وهل نحب الذي يقتلنا؟

بمعايير الكبار, أسئلة عمران ساذجة وربما سخيفة؛ ولكنها أصعب أسئلة تواجه البشرية, بل لأن دماغ عمران صورة عن وجه الله الاعجازية.

أسئلة الكبار تلوّثها السياسة, لأنهم تعلموا هذا التشويه القاتل؛ لأن كل منهم أكثر تشوهاً من الآخر؛ لأن بعضهم يعتقد انه سيعيش أكثر من خالقه؛ فيجب أن يكون لديه ما لدى الخالق فيصبح قادراً على الخلق, ليجد نفسه غير قادر إلا على خلق الموت.

لا يختلف عمران عن أي طفل وُلد في نيويورك أو في هلسنكي أو في جنيف؛ لكن هناك من حضر ولادته وقرر إزالة ما برمجه الله به معتدياً على الخالق وخلقه.

لم يخبر أحد عمران ان ذلك الشرطي وتلك المعلمة وذلك الحاكم في هلسنكي أو في جنيف قد شهد أهله منذ قرون أنهاراً من الدماء حتى استقامت حياتهم في حب الله والحياة.

من يعيش – إن عاش عمران – سيلتقيه يوماً وقد أصبح شرطياً أو معلم مدرسة أو حاكم مدينة لا يسمح على الاطلاق أن يُنتشل طفل جديد اسمه عمران أو محمود أو سعيد أو جورج من تحت الأنقاض ووجهه موشح بالدماء والغبار.

لن يقبل عمران أن يقرع رجل أمن باب أسرة يأخذ معيلها و يغيّبه في غياهب السجن أبدياً أو يميته تحت التعذيب. ولن يقبل أن يستجلب قوى استعمارية لتحافظ له على كرسي الدم حاكماً بالزور والتزوير.

سيكون لعمران علاقة مختلفة مع خالقه ومع ضميره ومع البشرية؛ لأنه سوري, ولا تزال تلك الجينات السورية التي منحه اياها خالقه موجودة, وجاهزة للمساهمة في إعمار الكون الذي خلقه ذلك الذي يسميه الله. عندما تتفتح وتزدهر تلك الجينات لدى عمران سيحاول أن ينسى أولئك الذين جعلوا أسئلته بلا أجوبة بتحدٍ صارخ  لخالقه. {عمران}….سورية التي تقوم من تحت الرماد كما يقوم طائر الفينيق السوري.     





Tags: سلايد