روزانا بومنصف: على وقع الاحتدام حول حلب وتوقع سقوطها تساؤلات عن ارتباط استحقاق الرئاسة أو عزله

روزانا بومنصف: النهار

من المفارقات اللافتة في الحركة النشطة لإنجاز استحقاق الرئاسة اللبنانية، أنها باتت تظهر بسحر ساحر كأنها تدور على وقع المواقف الداخلية بمعزل عن مجريات الحرب السورية في شكل خاص، فيما كانت هذه المجريات في صلب هذه الحسابات علنا وصراحة، خصوصا لجهة فوز خيار العماد ميشال عون للرئاسة. ولم ينس أحد بعد تحديد مواعيد لحصول الانتخابات استنادا الى فوز محدد للنظام في وقت معين، أو استعادة سيطرته على مدن او مناطق جديدة. والعنوان الأبرز لهذه المفارقة راهنا هو اقتراب روسيا من تحقيق نصر جديد للنظام الذي تدعم قواته من أجل اعادة السيطرة على حلب، فيما تغيب على نحو لافت أدبيات هذا الانتصار الذي يوشك التحقق، عن أدبيات السياسيين أو الافرقاء على مختلف مواقعهم في الجهة المنخرطة ميدانيا الى جانب النظام، او في الجهة الداعمة معنويا للمعارضة. لكن هذا لا يعفي من النظر الى الخلفية المحركة للتطورات الداخلية في لبنان، وان كانت تغلب عليها اعتبارات داخلية تتصل بواقع الاهتراء الداخلي المتعاظم لمؤسسات الدولة، اضافة الى اعتبارات الافرقاء السياسيين أنفسهم. هذه الخلفية هي التي تسعى من خلالها روسيا الى ضمان تسجيل أمر واقع يسجل مكاسب للنظام قبل الانتخابات الاميركية ووصول ادارة جديدة الى البيت الابيض. ربما يخفف واقع الاستثمار الذي كان يجري لوقائع الحرب السورية على الداخل اللبناني خلال سنتين ونصف سنة من الشغور الرئاسي ان ايران تبدو في الصف الخلفي للمواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وروسيا، على خلفية سقوط وقف النار الذي كان مقررا بين الجانبين في 21 أيلول الماضي، علما أن إيران منخرطة في المعارك على الارض، ويؤشر لذلك سقوط قادة عسكريين إيرانيين هناك. لكن تبرز قوات نظام الاسد في المواجهة في حلب للسيطرة عليها، فيما تتولى روسيا علنا وبوضوح عمليات القصف التدميرية لحلب من دون أي خجل. ويبدو مسلما به بالنسبة الى القوى الدولية احتمال سقوط حلب في يد النظام خلال مدة قصيرة، فيما البحث جار من أجل تأمين سحب مسلحي المعارضة وإنقاذ المدنيين، بحيث ان المسألة ليست سوى مسألة وقت لا اكثر ولا أقل، خصوصا أن هناك أربعة أشهر كاملة امام تسلم الرئيس الاميركي الجديد السلطة، فيما لا يتوقع اي خطوة جوهرية او اساسية لادارة الرئيس باراك اوباما من اجل منع عدم انزلاق الوضع السوري الى ايدي روسيا والنظام. وتعليق المحادثات الذي أعلنته واشنطن مع روسيا، لا يبدو انه يمكن ان يصمد مع لجوء الولايات المتحدة الى القنوات الاوروبية الحليفة، اي فرنسا والمانيا، من اجل التواصل غير المباشر مع روسيا لوقف تدمير حلب، وفق ما أعلنت واشنطن نفسها. وفيما تستمر موسكو بالتهديد في حال قيام واشنطن بأي ضربة عسكرية لمواقع تابعة للنظام السوري، علما انه امر لا يبدو محسوما او اكيدا مع ادارة اوباما التي لم يعرف عنها سوى امر وحيد مؤكد هو عدم المخاطرة بتوجيه اي ضربة عسكرية الى النظام في سوريا، فإن ما قد تناله روسيا في نهاية الامر هو تفريغ حلب من اهلها تفاديا لتدمير المدينة فوق رؤوسهم، وفقا لاقتراحات بسحب المقاتلين كما جرى في حمص وداريا ومناطق أخرى.

انطلاقا من ذلك، من المفيد أن يكون ما يحصل من اتصالات لتحريك موضوع الرئاسة يجري في إطار محاولة عزل الوضع الداخلي عن التطورات الاقليمية التي لم تعد ترد في مواقف الافرقاء السياسيين من قريب او بعيد، لكن هل حسابات كل الافرقاء الداخليين والاقليميين هي على الوتيرة نفسها، في حال التسليم جدلا بان المسائل الاقليمية الاخرى غير مؤثرة على لبنان التأثير نفسه للتطورات السورية؟ ولماذا بات الامر متاحا الآن ولم يكن متاحا من قبل؟

بالنسبة الى مصادر سياسية، فإن للمسار الذي يرجح ان تؤول اليه حلب وفقا لكل التوقعات، تأثيرات يفترض ألا يتم تجاهلها، بما في ذلك على لبنان ايضا، بما يعنيه الأمر من احتمال تعزيز رئيس النظام السوري وضعه من جهة وما يمكن ان يؤدي اليه سقوط حلب في يده من تهجير من جهة أخرى، واحتمال انتقال الفوضى السورية الى دول الجوار بما فيها لبنان بوضعه الهش، بغض النظر عن واقع حتمية استمرار الحرب السورية لسنوات اضافية. ولذلك اهتمت هذه المصادر بما اذا كان الحريري لمس خلال زيارته لموسكو، ليس رصدا لخياره الرئاسي المحتمل، اي امكان دعم ترشيحه العماد ميشال عون فحسب، بل امكان السير بالاستحقاقات اللبنانية في الدرجة الاولى، بمعزل عن التداعيات في سوريا مثلا، في ضوء ما تدفع روسيا بالامور هناك، وهي صاحبة الامر والنهي الى حد كبير في الشأن السوري. ومن حيث المبدأ، فإن أي شيء جديد يوحي بالانفراج لم يطرأ على كل التطورات المؤثرة في لبنان، الامر الذي يدفع كثر الى التشكيك في إمكان الذهاب الى انتخابات رئاسية حتى بخيار مختلف في هذا التوقيت على الاقل، علما ان فريقا اساسيا معنيا بالتطورات السورية هو “حزب الله”، له كلمته مع ايران في التطورات في ما يجري في سوريا ولبنان، وهو لم يقل كلمته بعد علنا. وهنا ترتسم علامات استفهام اذا كان افق التفاهم فتح في لبنان وعلى اي اساس والى اي مدى، فيما لم يحصل اي اجتماع او لقاء مع زعيم “المستقبل” الذي يقيم حوار ربط نزاع مع الحزب، لم يقل أحد حتى الان انه يمكن ان يتحول الى اكثر من ذلك في الوقت الراهن.

اقرا:

روزانا بومنصف: العجز الأميركي عن مغادرة الاستراتيجية نفسها يقفل الاحتمالات إلّا أمام ترك سوريا لروسيا