Archived: محمد جهاد نيعو: من إيلان.. إلى عمران

محمد جهاد نيعو: كلنا شركاء

 عندما لفظت أمواج البحر الطفل السوري إيلان كردي، ليشرق ملاكاً مع شمس الصباح، وهو ممدد على شواطئ تركيا، كانت صرخةُ البشر تهز الأرض من هول المشهد، يومها صرخ الجميع: “كفى، علينا أن نقف سداً أمام هذا الجنون، الأرض لم تعد تحتمل هذا الكم الهائل من الألم”. وما هي إلا ساعات حتى ضجت صفحات التواصل الاجتماعي وقنوات التلفزة بصور هذا الطفل الذي أُجبِر أهله على الفرار من الحرب التي يشنها النظام في سورية على الشعب المطالب بالحرّيةْ. الكل ضمّدَ جراحه وقالوا لنجعل من إيلان آخر الرسالة إلهيةْ ولنقف في وجه هذا الموت الذي أصبح زائراً ثقيلاً، وإن غاب لساعات عن واقعنا، يطاردنا حتى في أحلامنا، ونحن نسير في الشوارع نشاهده في وجوه العابرين وكأن الحزن صُبغ على وجوهنا نحن البشر.
لم يعد لموت السوريين مكان أو زمان محدد، فأصبح الموت يطاردهم أينما حلوا، وكان للأطفال حصة كبيرة من هذا الموت من خلال استعمال النظام العنف على كامل مساحة الأراضي السورية، مع غياب تام لأي رادع يقف أمام جبروت النظام السوري وحلفائه الذين دمروا البشر والحجر. منذ أيام هزت العالم صورة لطفل سوري اسمه “عمران دقنيش”، ابن الأعوام الأربعة، بعد أن أُخرِج من تحت الركام بعد تدمير منزله بالكامل إثر غارة لسلاح الجو الروسي، وتصدرت صوره أشهر الصحف والمجلات العالمية. عمران لم يمت في هذه الغارة، ولكن صمته وملامحه تخبرنا بكمية الحزن والصدمة التي عاشها في ذلك الوقت، فعمران قضى وقته وهو ينتظر الجنة التي كان يخبره عنها والداه بعد الموت المحتم في ظل الظروف التي يعيشونها، والتي فيها الكثير من الفرح وكل ما يشتهيه موجود هناك. ولكن حين مسح الدماء عن جبينه بيده التي ترتجف من الخوف ونظر الى الدماء النازفة من جبينه، علم أنه مازال على قيد الحياة، لأن الجنة التي يحلم بها عمران آمنة ولا يوجد فيها دماء.
أكد تقرير لمنظمة اليونيسيف، التابعة للأمم المتحدة، في مطلع هذا العام أن “ما بين أربع وثمانية ملايين طفل سوري، أي أكثر من 80% من الأطفال تأثروا بسبب النزاع، سواء من بقوا داخل سوريا أو أصبحوا لاجئين في الدول المجاورة”. وتشير المنظمة المعنية بالطفولة أن مليوني طفل سوري بحاجة لدعم وعلاج نفسيين. هناك الآن في مدينة حلب التي تتعرض لقصف هو الأعنف منذ انطلاق الثورة السورية ما يقارب الأربعين ألف طفل سيلاقون مصيراً أسوأ من مصير الطفل عمران، إذا لم يضغط مجلس الأمن على روسيا والنظام السوري من أجل الوقف الفوري للعنف وارتكاب المجازر بحق المدنيين العزل، والتي يكون أغلب ضحاياها من الأطفال.
يبدو أن الطفلين، إيلان وعمران، وأسماء كثيرة سبقتهم لن يكونوا آخر ضحايا هذه الحرب القذرة، التي لم يتوقف النظام السوري يوماً فيها عن استهداف المدنيين بسبب مواقفهم المعارضة لحكمه. لم يكتفِ جمهور النظام القاتل وحلفائه بالسكوت عن المجازر التي يقوم بها النظام، بل يحاولون عن طريق إعلامهم تكذيب الصور المروعة التي تبثها وسائل الإعلام للمجازر التي يرتكبها النظام بحق المدنيين، أو يقومون برمي الاتهام على فصائل المعارضة المسلحة بارتكاب هذه الجرائم في محاولة للتستر على الجريمة، وفي محاولة منهم لقلب الرأي العام.
ما بين إيلان وعمران، لم يتغير شيء في المشهد السوري إلا حجم الدمار وأعداد الضحايا. ومازال السكوت مستمر عن الجرائم التي ترتكب بحق الشعب السوري، رغم كل المأساة التي يعيشها هذا الشعب. عمران كُتب لبراءته أن تكون شاهدة على هذه المجازر وهذا الدمار ولم يقوَ سوى على الصمت، ربمّا لأنه علم أن الدّم في هذا العالم أبلغ من كل الكلام.