فوربرس : لماذا نشر تلفزيون (إسرائيل) مقطع إعدام الجاسوس إيلي كوهين في هذا التوقيت؟

فوربرس : التقرير

قبل يومين، نشر موقع “NRG” الإسرائيلي، فيلما قصيرا يوثق لحظة إعدام الجاسوس الشهير “إيلي كوهين”، وسط العاصمة السورية دمشق، وحسبما نقل موقع “معا” الفلسطيني، قال “NRG” إنه حصل على الفيلم بعد أن وصل إلى أيادي مجموعات سورية مسلحة، يبدو أنها احتلت مكاتب التلفزيون السوري، وسلمت الفيلم لجهات إسرائيلية.

ويظهر الفيلم الجاسوس الإسرائيلي معلقا على عود المشنقة بسوريا، كذلك لحظة إنزال جثته من على المشنقة، ويدور الحديث عن “إيلي كوهين” 1924-1965، وهو أشهر جاسوس إسرائيلي عمل في سوريا تحت اسم مستعار “كامل أمين ثابت”، وتم إعدامه وسط دمشق بعد اكتشاف أمره، رغم تدخلات كبرى لمنع إعدامه.

لماذا نُشر المقطع الآن؟

اتهمت مواقع إعلامية مقربة من “حزب الله” اللبناني، المعارضة السورية بالتعاون مع “إسرائيل”، بعد نشر  فيديو إعدام إيلي كوهين، فيما نفى صحفي سوري، منشق عن النظام، إمكانية حصول ذلك، في ظل سيطرة النظام على مكاتب التلفاز والإذاعة الرسمية.

وقال الصحفي المنشق عن النظام السوري، محمد منصور، إنه “من سابع المستحيلات” الحصول على المقطع المصور دون إذن خطي من مدير التلفزيون، مؤكدًا “عدم إمكان أي فصيل مسلح أن يعثر على شريط كهذا، لمجرد أنه استولى على أرشيف الدولة”.

وأكد منصور، الذي تابع قضية كوهين واطلع على التلفزيون السوري وبحثه في الأرشيف، في مقال له على موقع “الغراب”، يوم الأربعاء، أن المقطع مصور باستخدام كاميرات سينمائية، بتقنية “2 إنش”، وموجودة على أشرطة ضخمة.

وتابع: “هذه الأشرطة الضخمة التي سجلت عليها المحاكمات، غير قابلة للنقل والاستخدام اليوم، إلا باستخدام آلة واحدة موجودة لدى النظام، في مبنى التلفاز، أو في مستودع خارجي في منطقة الصبورة”، وما زال المكانان تحت سيطرة النظام السوري.

ايلي كوهين

(1) إلياهو بن شاؤول كوهين، ولد في 26 ديسمبر 1924، يهودي ولد بالإسكندرية، التي هاجر إليها أحد أجداده سنة 1924.

(2) في العام 1944، انضم كوهين إلى منظمة الشباب اليهودي الصهيوني في الإسكندرية، وبدا متحمسًا للسياسة الصهيونية تجاه البلاد العربية.

(3) وبعد حرب 1948، أخذ يدعو مع غيره من أعضاء المنظمة لهجرة اليهود المصريين إلى فلسطين.

(4) وفي العام 1949، هاجر أبواه وثلاثة من أشقائه إلى إسرائيل، بينما تخلّف هو في الإسكندرية.

(5) وقبل أن يهاجر إلى إسرائيل، عمل تحت قيادة “إبراهام دار” وهو أحد كبار الجواسيس الإسرائيليين، الذي وصل إلى مصر، ليباشر دوره في التجسس ومساعدة اليهود على الهجرة وتجنيد العملاء.

(6) اتخذ الجاسوس اسم جون دارلينج، وشكّل شبكةً للمخابرات الإسرائيلية بمصر، نفذت سلسلة من التفجيرات ببعض المنشآت الأمريكية في القاهرة والأسكندرية، بهدف إفساد العلاقة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية.

(7) وفي العام 1954، تم إلقاء القبض على أفراد الشبكة في فضيحة كبرى، عرفت حينها بفضيحة “لافون”.

(8) وبعد انتهاء عمليات التحقيق، كان أيلي كوهين تمكن من إقناع المحققين ببراءة صفحته، إلى أن خرج من مصر عام 1955، حيث التحق هناك بالوحدة رقم 131 بجهاز الموساد، ثم أعيد إلى مصر، لكنه كان تحت عيون المخابرات المصرية، التي لم تنس ماضيه، فاعتقلته مع بدء العدوان الثلاثي في أكتوبر 1956.

(9) بعد الإفراج عنه، هاجر إلى إسرائيل عام 1957، حيث استقر به المقام محاسبًا في بعض الشركات، وانقطعت صلته مع الموساد لفترة من الوقت، لكنها استؤنفت عندما طرد من عمله وعمل لفترة كمترجم في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ولما ضاق به الحال استقال وتزوج من يهودية من أصل عراقي عام 1959.

(10) رأت المخابرات الإسرائيلية في كوهين مشروع جاسوس جيد، فتم إعداده في البداية لكي يعمل في مصر، لكن الخطة ما لبثت أن عدلت، ورأى الموساد أن أنسب مجال لنشاطه التجسسي هو دمشق.

(11) رتبت له المخابرات الإسرائيلية قصة ملفقة، يبدو بها سوريًا مسلمًا يحمل اسم كامل أمين ثابت، هاجر وعائلته إلى لإسكندرية ثم سافر عمه إلى الأرجنتين عام 1946، حيث لحق به كامل وعائلته عام 1947، وفي عام 1952، توفي والده في الأرجنتين بالسكتة القلبية، كما توفيت والدته بعد ستة أشهر، وبقى كامل وحده هناك يعمل في تجارة الأقمشة.

(12) تم تدريبه على كيفية استخدام أجهزة الإرسال والاستقبال اللاسلكي والكتابة بالحبر السري، كما راح يدرس في الوقت نفسه كل أخبار سوريا ويحفظ أسماء رجالها السياسيين والبارزين في عالم الاقتصاد والتجارة، مع تعليمه القرآن وتعاليم الدين الإسلامي.

(13) وفي 3 فبراير 1961، غادر كوهين إسرائيل إلى زيوريخ، ومنها حجز تذكرة سفر إلى العاصمة التشيلية سانتياغو، باسم كامل أمين ثابت، لكنه تخلف في بوينس آيرس، حيث كانت هناك تسهيلات معدة سلفا، لكي يدخل الأرجنتين دون تدقيق في شخصيته الجديدة.

(14) وفي الأرجنتين، استقبله عميل إسرائيلي يحمل اسم إبراهام، حيث نصحه بتعلم اللغة الإسبانية حتى لا يفتضح أمره، وبالفعل تعلم كوهين اللغة الإسبانية وكان إبراهام يمده بالمال ويطلعه على كل ما يجب أن يعرفه، لكي ينجح في مهمته.

(15) وبمساعدة بعض العملاء، تم تعيين كوهين في شركة للنقل، وظل لمدة تقترب من العام يبني وجوده في العاصمة الأرجنتينية كرجل أعمال سوري ناجح، فكون لنفسه هوية لا يرقى إليها الشك، واكتسب وضعا متميزًا لدي الجالية العربية في الأرجنتين، باعتباره رجلاً وطنياً شديد الحماس لبلده.. وأصبح شخصية مرموقة في كل مكان، وتشير بعض الشائعات لتعرفه على العقيد أمين الحافظ، لكن توقيت استلام الحافظ منصب الملحق العسكري في بيونس آيرس، كان قد تزامن مع سفر كوهين لسوريا، ما ينفي أي علاقة مسبقة بين الرجلين.

(16) خلال المآدب الفاخرة، التي اعتاد كوهين -أو كامل أمين ثابت- إقامتها في كل مناسبة وغير مناسبة، ليكون الدبلوماسيون السوريون علي رأس الضيوف، لم يكن يخفي حنينه إلى وطنه سوريا، ورغبته في زيارة دمشق. لذلك، لم يكن غريبًا أن يرحل إليها بعد أن وصلته الإشارة من المخابرات الإسرائيلية، ووصل إليها بالفعل في يناير 1962، حاملا معه آلات دقيقة للتجسس، ومزودا بعدد من التوصيات الرسمية وغير الرسمية لأكبر عدد من الشخصيات المهمة في سوريا، مع الإشادة بنوع خاص إلي الروح الوطنية العالية التي يتميز بها، وتستحق أن يكون محل ترحيب واهتمام من المسؤولين في سوريا، وبالطبع، لم يفت كوهين أن يمر علي تل أبيب قبل وصوله إلى دمشق، لكن ذلك تطلب منه القيام بدورة واسعة بين عواصم أوروبا، قبل أن ينزل في مطار دمشق.

(17) أعلن كوهين أنه قرر تصفية كل أعماله العالقة في الأرجنتين، ليظل في دمشق مدعيًا حب الوطن، وبعد أقل من شهرين من استقراره في دمشق، تلقت أجهزة الاستقبال في الموساد أولى رسائله التجسسية، التي لم تنقطع على مدى ما يقرب من ثلاث سنوات، بمعدل رسالتين علي الأقل كل أسبوع.

(18) وفي الشهور الأولى، تمكن كوهين أو كامل من إقامة شبكة واسعة من العلاقات المهمة مع ضباط الجيش والمسؤولين العسكريين، وكان من المعتاد أن يزور أصدقاءه في مقار عملهم، وكانوا يتحدثون معه بحرية عن تكتيكاتهم في حالة نشوب الحرب مع إسرائيل، ويجيبون على أي سؤال فني يتعلق بطائرات الميج أو السوخوي، أو الغواصات التي وصلت حديثا من الاتحاد السوفيتي، أو الفرق بين الدبابة ت-54 وت-55، وغيرها من أمور كانت محل اهتمامه كجاسوس.

(19) كانت هذه المعلومات تصل أولا بأول إلي إسرائيل، ومعها قوائم بأسماء وتحركات الضباط السوريين بين مختلف المواقع والوحدات، وفي سبتمبر 1962، صحبه أحد أصدقائه في جولة داخل التحصينات الدفاعية بمرتفعات الجولان، وتمكن من تصوير جميع التحصينات بواسطة آلة تصوير دقيقة مثبتة في ساعة يده، أنتجتها المخابرات الإسرائيلية والأمريكية.

(20) ومع أن صور هذه المواقع سبق أن تزودت بها إسرائيل عن طريق وسائل الاستطلاع الجوي الأمريكية، فإن مطابقتها مع رسائل كوهين كانت لها أهمية خاصة، سواء من حيث تأكيد صحتها، أو من حيث الثقة بمدى قدرات الجاسوس الإسرائيلي.

(21) وفي العام 1964، زود كوهين قادته في تل أبيب بتفصيلات وافية للخطط الدفاعية السورية في منطقة القنيطرة، وفي تقرير آخر، أبلغهم بوصول صفقة دبابات روسية من طراز ت-54 وأماكن توزيعها، كذلك تفاصيل الخطة السورية التي أعدت بمعرفة الخبراء الروس لاجتياح الجزء الشمالي من إسرائيل في حالة نشوب الحرب، وازداد نجاح كوهين، خصوصا مع إغداقه الهدايا على مسؤولي حزب البعث.

(22) في العام 1965، وبعد 4 سنوات من العمل في دمشق، تم الكشف عن كوهين عندما كانت تمر أمام بيته سيارة رصد الاتصالات الخارجية التابعة للأمن السوري، وعندما ضبطت أن رسالة مورس وجهت من المبنى الذي يسكن فيه، حوصر المبنى على الفور، وقام رجال الأمن بالتحقيق مع السكان ولم يجدوا أحدًا مشبوهًا فيه، ولم يجدوا من يشكّوا فيه في المبنى، إلا أنهم عادوا واعتقلوه بعد مراقبة البث الصادر من الشقة.

(23) اكتشفه محمد وداد بشير، وهو مسؤول الإشارة في الجيش، ويعلم أن السفارات تبث وفق ترددات محددة، واكتشف وجود بث غير مماثل لهذه الترددات، فداهم سفارة أو سفارتين بعد الإذن بذلك، ثم رصدوا الإشارة مجددًا وحددوا المكان بدقة وداهموا البيت، وقبضوا على الجاسوس متلبسًا، وحاول أن يتناول السم، لكنهم أمسكوا به قبل ذلك.

(24) وفي رواية وهي الأقرب للصواب، أنه كان يسكن قرب مقر السفارة الهندية بدمشق، وأن العاملين بالإتصالات الهندية رصدوا إشارات لاسلكية تشوش على إشارات السفارة، وتم إبلاغ الجهات المختصة بسوريا، التي تأكدت من وجود رسائل تصدر من مبنى قرب السفارة، وتم رصد المصدر وبالمراقبة تم تحديد وقت الإرسال الأسبوعي للمداهمة، وتم القبض عليه متلبسآ وقبض على كوهين وأعدم في ساحة المرجة، وسط دمشق في 18 مايو 1965.

(25) ولم تتوقف حتى هذه اللحظة المساعي الإسرائيلية الرامية للحصول على جثمانه، وتدور بين سنة وأخرى شائعات بشأن حوارات وصفقات لاستعادة الجثمان.

(26) وتصف إسرائيل “كوهين” بأهم جواسيسها، وتؤكد نقله معلومات أدت إلى تحقيق “إسرائيل” النصر في حرب عام 1967، وذلك حسب اعتراف رئيس وزراء إسرائيل في تلك الفترة، ليفي شكول.