on
نيويورك تايمز: بشار الأسد يضحك بينما سوريا تحترق
| ” إنه نوع آخر من الطغاة المتعطشين للدماء، من النوع الذي يستخدم الإنترنت للتسوق باستخدام جهازه اللوحي. إنه الجيل الثاني من الطغاة العرب” |
نيويورك تايمز: ترجمة مركز الشرق العربي
في اليوم التالي لعيد ميلاده الواحد والخمسين، قام بشار الأسد، بجولة انتصار على الشوارع المدمرة لمدينة متمردة مدمرة وفارغة قامت قواته بتجويعها حتى الاستسلام.
بينما كان يضحك، مرتديا قميصا أبيض ذو قبة بيضاء، قاد مسئولين يرتدون ملابس سوداء خلال دكاكين مدمرة ومبان تعرضت للقصف و صرح للصحفيين أنه – وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه من قبل الولايات المتحدة وروسيا- ملتزم “باستعادة كافة المناطق من يد الإرهابيين”. عندما يذكر الإرهابيين، فإنه يعني كل من يعارضه.
أكثر من خمسة أعوام من الصراع الذي مزق البلاد، وهجر نصف السكان وأدى إلى مقتل مئات الآلاف من الناس، ينفي الأسد أي مسئولية له عن هذا الدمار.
عوضا عن ذلك، فإنه يقدم نفسه كزعيم للدولة والموحد الوحيد الذي في إمكانه وقف الحرب والإصلاح بين مكونات الشعب السوري.
هذا الإصرار، الذي أدى إلى تشبثه بالسلطة سنوات طويلة مع أن قواته قصفت المدنيين بالأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة، هو العائق الأكبر أمام الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، عدا عن إنهاء الحرب.
وقف إطلاق النار، الذي لم يمض عليه أسبوع، ضعيف وهش، مع استئناف الهجمات في جميع أنحاء البلاد، كما أن المساعدات التي كان يجب أن تصل إلى سكان حلب المحاصرين، أكبر مدينة سورية، لا زالت عالقة على الحدود التركية.
كما أنها جعلت الأسد نقطة مفارقة في الحرب: فهو آمن وباق في مكانه بدعم من الحلفاء الخارجييين ودولته متشظية، مع أن هناك عدد قليل يرون إمكانية إنهاء الحرب وعودة سوريا موحدة كما كانت مع بقائه في منصبه.
ومع أنه لا زال معزولا من قبل الغرب، وان هناك عشرات من الجماعات المسلحة مستمرة في القتال للإطاحة به، وحتى مع أن معارضيه يعترفون بانه شق طريقه وابتعد عن التهديد بإسقاط حكمه، إلا أن مصيره لا زال معضلة كبيرة.
من غير المتوقع أن يتوقف المتمردون عن قتاله طالما أن الرجل الذي يلقون عليه اللوم في التسبب في الغالبية العظمى من القتلى باق في مكانه.
ولكن الخشية مما قد يحل مكانه إذا سقط أدى إلى إحجام الكثير من السوريين من الانضمام إلى التمرد وربما ساعدوا في منع دول مثل الولايات المتحدة من التحرك بصورة أكثر قوة ضده.
ولأن النتيجة كانت حالة مدمرة من الجمود. فقد تضاءلت مكانة الأسد كرئيس لسوريا ولكن أموره لا زالت مستقرة.
يقول سمير تقي، مدير مركز المشرق للأبحاث في دبي:” المشكلة هي أنه لا يمكن أن ينتصر، وفي نفس الوقت فإنه لا يواجه الهزيمة. ولكن في نهاية المطاف، ما الذي تبقى من سوريا؟ لا زال رئيسا، ولكنه خسر الدولة”.
في الواقع، فإن الأحداث الأخيرة قدمت انطباعا بأن الأسد نجح في شق طريقه، دون أن يتحمل أي مسئولية.
جاء أغسطس وذهب دون أن يكون هناك أي ذكر حقيقي للهجمات الكيماوية التي شنتها قواته والتي أدت إلى مقتل أكثر من 1000 شخص عام 2013.
تركيا، الداعم الأساس للمتمردين، أسقطت مطلبها بأن عليه التنحي عن السلطة مباشرة، كما توقفت الولايات المتحدة عن الدعوة إلى إسقاطه.
وفي اليوم السابق لذكرى ميلاد الأسد في 11 سبتمبر، والتي قام فيها مناصروه بافتتاح موقع احتفالي له على الإنترنت، أعلنت الولايات المتحدة وروسيا اتفاقا جديدا لوقف إطلاق النار مع فوائد غير متوقعه للأسد.
إلى جانب عدم ذكر مستقبله السياسي، جمعت الاتفاقية أحد أكبر خصومه، الولايات المتحدة، إلى جانب أكبر حلفائه، روسيا، لقصف الجهاديين الذين يهددون حكمه.
قبل أعوام، لم يكن يخطر على بال أحد أن ينضم الأسد إلى صفوف أكثر الطغاة دموية في العالم.
مع دراسته لطب العيون، لم يكن يخطط أن يدخل في خط السياسة ولكنه استدعي من لندن من قبل والده وسلفه حافظ الأسد، عندما مات أخاه الأكبر باسل في حادث سيارة عام 1994.
بعد أن خلف بشار والده كرئيس عام 2000، كان الكثيرون يأملون أنه سوف يدخل الإصلاحات إلى البلاد.
ولكن هذه الآمال تضاءلت، وتبخرت تماما مع بداية انتفاضات الربيع العربي عام 2011، عندما سعى الأسد إلى سحق الاحتجاجات السلمية بعنف كبير.
ومن هذه النقطة بدأ الصراع بالتصاعد.
على الرغم من المعارضة الواسعة لحكمه، فإن مزيجا من العوامل مكنت الأسد من الحفاظ على حكمه، كما يقول محللون. بقي خصومه مشتتين وفشلوا في إقناع العديد من السوريين، خاصة الأقليات الدينية، بانهم سوف يحمون حقوقهم أو أنهم سوف يديرون البلاد بطريقة افضل من الأسد.
مع استمرار المعارك وضعف قواته، استفاد الأسد من الدعم العسكري الكبير من قبل إيران وروسيا وحزب الله اللبناني – الذين قدموا مساعدات أكبر بكثير مما قدمته الولايات المتحدة وحلفائها للمتمردين.
كما أن ظهور المنظمات الجهادية مثل الدولة الإسلامية وجبهة النصرة التي غيرت اسمها مؤخرا إلى جبهة فتح الشام، قاد الكثير من السوريين وبعض معارضي الأسد المحليين إلى الخروج بنتيجة مفادها أنه أقل الشرين. في حين أنه أظهر وحشية تجاه شعبه، إلا أن التفكير أصبح يسير في اتجاه أنه لا يشكل أي خطر مباشر على الغرب.
جولة النصر التي قام بها يوم الاثنين التي عرضت الخراب الذي تعرضت له داريا، معقل المتمردين الذين أجبر سكانها المتبقين الشهر الماضي وبعد حصار طويل من قبل القوات الحكومية إلى تركها.
في مقطع فيديو بثته الحكومة السورية، وصل الأسد إلى البلدة وهو يقود سيارته، من نوع سوبارو فضية، وهو في حالة ارتباك على الرغم من الخطبة التي مجدته لحمايته سوريا، وأدى الصلاة بعد ذلك بمناسبة عيد الأضحى.
من ثم، عزفت موسيقى عسكرية، وقفزت الكاميرا ما بين صور الدمار في المدينة ومشاهد للأسد وهو يقود سيارته خلال المدينة.
أوقفه صحفي لطرح الأسئلة، وتحدث الأسد بنبرة هادئة حول المصالحة وإعادة البناء. وسخر من خصومه واصف إياهم بأنهم:” الثوار المستأجرون” وتحدث عن الدعم الأجنبي لهم، وضحك على عبارته.
كما ضحك المرافقون له على ضحكته.
بالنسبة للعديد من السوريين فإن الرسالة كانت واضحة.
قال مرهف جويجاتي، رئيس منظمة اليوم التالي، التي تهدف إلى إعداد السوريين للمستقبل الديمقراطي:” إنه يريد أن يظهر للسوريين بأنه من حظهم أن يعارضوه”.
مالك الرفاعي، وهو ناشط من داريا نزح إلى شمال سوريا، قال بأنه شعر بشئ من الخدر وهو يشاهد الأسد وهو يمشي في شوارع مدينته الفارغة، ولكنه بث مقطع فيديو لسرب من الطيور التي حلقت فوق السكان الذين كانوا يتركون المدينة. وقد فسر ذلك على أنه إشارةعلى أنهم سوف يعودون، كمال قال.
وأضاف الرفاعي في حديث على الإنترنت:” هذه الطيور كانت رسالة عميقة من السماء، لقد كان موكب بشار مجرد استعراض، وهو يظهر عضلات شخص ضعيف”.
ملابس الأسد الداكنة والنغمة الهادئة التي تحدث بها أعطته صورة عامة أكثر تعقيدا مما كان يبدو عليه طغاة عرب آخرون مثل العقيد معمر القذافي في ليبيا وصدام حسين في العراق، الذين عادة ما كانوا يلوحون بالسلاح ويقدمون خطابات نارية، يهددون فيها أعداءهم.
قال نديم حوري، الذي أشرف على عمل هيومان رايتس ووتش في سوريا لمدة 10 سنوات:” إنه نوع آخر من الطغاة المتعطشين للدماء، من النوع الذي يستخدم الإنترنت للتسوق باستخدام جهازه اللوحي. إنه الجيل الثاني من الطغاة العرب”.
قتل كل من معمر القذافي وصدام حسين بعد تدخلات أجنبية هدفت إلى إزالتهم عن الحكم – وهو المصير الذي يبدو أن الأسد قد تفاداه، حتى مع تجاوز عدد من تسبب في موتهم عدد من قتلهم الطغاة الآخرون.
أحبط بقاؤه في السلطة ومثابرته أولئك الذين يشعرون أن على الأسد أن يتحمل المسئولية.
قال السيد حوري:” حقيقة وجود قادة يدرسون أو أنهم مستعدون للتعامل معه اليوم وكأنه لم يستخدم الكيماوي ضد شعبه أو أنه لم يعذب الآلاف إلى حد الموت يشير إلى البيئة السياسية الحالية في العالم. هناك مستوى من السخرية، وانعدام للطموح”.
ولكن المحللين أشاروا إلى الكثير من نقاط الضعف في موقف الأسد.
بعد سنوات من الحرب، فإنه لا يسيطر اليوم سوى على أقل من نصف الأراض السورية وقواته استنزفت، مما سوف يجعل من الصعب عليهم السيطرة والحفاظ على المزيد من الأراضي.
المساعدات العسكرية من إيران وحزب الله على الأرض ومن روسيا من السماء حدت من تقدم المتمردين، ولكنها جعلته أكثر اعتمادا على قوى أجنبية تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة.
يقول دبلوماسيون يتابعون الشأن السوري إنه وفي حين أن إيران ملتزمة مع الأسد فإن الروس ربما يفاوضونه على الرحيل إذا تم تأمين مصالحهم. ومؤشرات عدم رضا روسيا على الأسد تطفو على السطح.
في يونيو، زار سيرجي شوجيو، وزير الدفاع الروسي سوريا دون إخبار الأسد على ما يبدو بانه قادم – وهو ما شكل إحراجا كبيرا للرئيس الذي عادة ما يفضل الحديث عن السيادة الوطنية.
قال الأسد في مقطع فيديو خلال الاجتماع:” مفاجأة سارة، لم أكن أعرف أنك قادم شخصيا”.
ولكن لا زال الأسد يحظى بدعم كبير في المنطقة التي يسيطر عليها، بما في ذلك ما بين العديد من السوريين الذين يريدون نهاية الحرب ولا يجدون أي بديل لحكمه.
قالت بشرى خليل، وهي محامية لبنانية تلتقي عادة مع المسئولين السويين وتعرف الأسد تماما:” إذا مد الله في عمره، فإنني أرى أنه سوف يكون رئيسا إلى تعود سوريا إلى ما كانت عليه”.
وقد رفضت فكرة أن العنف الذي مارسته حكومة الأسد سوف يجعل السوريين يرفضونه بعد الحرب.
وأضافت:” الناس يحبون بلادهم. كل هذه الكراهية والعنف سوف تختفي في نهاية المطاف”.
اقرا:
نيويورك تايمز: العلم المذهل في دراسة وقف إطلاق النار.. قد تسهم الإخفاقات في إحلال السلام
Tags: محرر