on
نهاية العقد الاجتماعيّ البعثيّ في سوريا بشّار الأسد
لورا رويز دي إليفيرا – تينا زينتل: معهد العالم للدراسات
منذ وصول بشّار الأسد إلى السّلطة في عام 2000، مرّت سوريا بتحوّلات اجتماعيّة سياسيّة وأخرى اجتماعيّة اقتصاديّة هائلة، ما سبّب تمزّقات طفت على السطح على نحو مؤلم مع اندلاع انتفاضة عام 2011. إلاّ أنّه يصعب تحديد طبيعة تلك التحوّلات ومداها بما يلزم من الدقّة: فخلال حكم بشّار الأسد، وهو، أيضاً، ابنُ حاكمٍ قمع شعبه لمدّة ثلاثين سنة ووافدٌ “حداثيّ” متعّلم تعليماً جيداً، كان التغيّر والاستمراريّة مترابطين على نحو معقّد، وما زال يصعب تعقبّهما وفهمهما. ورغم تركيز أغلب أدبيّات العلوم الاجتماعيّة حول سوريا المعاصرة اهتمامها على النخبة السياسيّة والتغيّرات في السياسة الاقتصاديّة، فإنّ فهمنا لتأثير تلك التحوّلات على المجتمع السوريّ ما يزال في مجمله محدوداً.
نريد من خلال هذا المقال بيان أنّ الجمعيّات الخيريّة، وأشكالاً أخرى من النشاط الخيريّ، قد تمثّل مدخلاً مناسباً لفهم التطوّرات الحاصلة في سوريا منذ عام 2000، وأنّه يمكن من خلال تلك الجمعيّات تحليل التغيّرات السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة وفهم التبدّل الحاصل في العقد الاجتماعيّ في سوريا. فهؤلاء الفاعلون، من خلال السعي إلى تقديم المساعدة على توفير المتطلّبات الأكثر إلحاحاً للمجتمع، يكتسبون حساسيّة خاصّة تجاه التغيّرات التي يمرّ بها المجتمع. إضافة إلى أنّهم يفاوضون حول مكانتهم ضمن البيئة السياسيّة والاقتصاديّة القائمة وتوازن القوّة الموجود. وفيما تسعى الدولة إلى “إدارة الفقراء” من فوق، تكشف الجمعيّات الخيريّة واقع سياسات إعانة الفقراء، وتظهر بذلك حقيقة الأوضاع الاجتماعيّة الاقتصاديّة، وهو ما يسمح بأن يكون تناول الجمعيّات الخيريّة أداة لفهم التغيّرات الحاصلة في محيطها. يقول جان لويس لافيل (Jean-Louis Laville) “تضمن مرونة وقابليّة تكيّف الظاهرة الجمعيّاتيّة أهميّتها كأداة للتحليل المجتمعيّ… وهو ما يكشف الكثير من الأمور حول التوتّرات التي تشهدها حقبة ما”. فالجمعيّات الخيريّة قد تكون مؤشّراً متميّزاً عن الحالة التي تعيشها المجتمعات، وخاصّة في البلدان الإسلاميّة التي يمثّل فيها العطاء الخيريّ واجباً دينيّاً وممارسة شائعة منذ قرون .
وحتى يتسنّى استخدام الجمعيّات الخيريّة كمقياسٍ اجتماعي سياسي، يجب وضعها في سياق محيط فاعلين اجتماعيّين آخرين تتفاعل معهم، على غرار المانحين الأفراد من أهل الخير، والمنظّمات غير الحكوميّة، ووكالات الرعاية التابعة للدّولة. فهي، من خلال التفاعل معها، تفسّر الظروف المتغيّرة وتتكيّف معها، وتعيد تعريف خطابها وميدان نشاطها، كلّما اقتضت الضرورة ذلك. وبما أنّ الجمعيّات الخيريّة تشترك أحياناً مع المنظّمات التنمويّة غير الحكوميّة في طبيعة بعض الأنشطة، رأينا استخدام تعريفٍ فضفاض لمصطلح “جمعيّة خيريّة” يشمل: كلّ مؤسّسة أو منظّمة منشأة لمساعدة المحتاجين. ويعكس مصطلح “جمعيّة خيريّة” ممارسات غير ربحيّة مختلفة ومتطوّرة على غرار العناية بالفقراء، والمعوقين، واليتامى، والشيوخ، وتشمل أيضاً توفير دروس في تكنولوجيا المعلومات أو مقاومة البطالة. وفي تصنيف آيمي سينغر (Amy Singer)، فإنّ “الجمعيّة الخيريّة، وهو مصطلح وصفي، هي تشكيلة واسعة من السلوكيّات… وبهذا المعنى العريض، يغدو النظر في مسألة العطاء – سواء كان تبرّعاً، أو إحساناً، أو رعاية، أو مساعدة- جزءاً مهمّاً في فهم أيّ مجتمع أو ثقافة”، وهذا ما يجعل ديناميكيّات تغيّر المجتمع تبدو أشدّ وضوحاً في مسار التفاعل بين فاعلين خيريّين مختلفين
تنزع الدراسات الموجودة حول الحقل الجمعيّاتيّ في سوريا المعاصرة إلى التركيز إمّا على الجمعيّات الخيريّة الدينيّة أو المنظّمات التنمويّة غير الحكوميّة ، لكن دون استكشاف العلاقات المتشابكة بين مختلف الفاعلين الذين يُكيّفون المجال بقدر ما تُكيّفهم السياسات الاجتماعيّة الاقتصاديّة للدّولة. وعلى سبيل المثال، فقد شهدت الجمعيّات الخيريّة الإسلاميّة، وخاصّة جماعة زَيْد، تنامي قدرتها على مساومة النظام منذ عام 2000، وهو ما أوضحه توماس بيريه (Thomas Pierret) وكياتل سالفيك (Kjetil Selvik) في مقال ممتاز نشر عام 2009 . لكن الكاتبين لم يوضّحا الانقسامات الجديدة التي شهدها الحقل الجمعيّاتيّ السوريّ، والتي نرى أنّها تعزّزت بثنائيّة الجمعيّات الخيريّة الدينيّة من جهة، والمنظّمات غير الحكوميّة الأقلّ عددا لكن الأكثر ظهوراً بسبب دعمها من جانب النظام من جهة أخرى. أضف إلى ذلك أنّ مقارنة سالفيك بين عطاء الزكاة الدينيّة من خلال الجمعيّات الخيريّة والعطاء من خلال الإطار الأحدث المتمثّل في المسؤوليّة الاجتماعيّة للشركات، لا تتناول الكيفيّة التي يمكن أنّ يؤثّر بها اختلاف الشكلين على المجتمع السوريّ ووقائعه السياسيّة والاقتصاديّة .
وبسبر تلك الآفاق المفقودة، يركّز تحليلنا للجمعيّات الخيريّة السوريّة والقطاع الخيريّ على أسباب فشل نظام بشّار الأسد في المحافظة على شروط العقد الاجتماعيّ الموروث عن والده حافظ الأسد، وهو عقدٌ ارتكز، على غرار دول عربيّة أخرى، على توفير الدولة للرعاية الاجتماعيّة والتنمية في مقابل تخلّي السكّان عن المشاركة السياسيّة.
ولا نعني بمصطلح “العقد الاجتماعيّ” مجرّد “المساومة المؤسّساتيّة بين الفاعلين الجماعيّين” لكن أيضاً “مجموعة من المعايّير والتّوقعات حول التنظيم الملائم للاقتصاد السياسيّ بصفة عامّة”. وبهذا تختلف مقاربتنا عن أدبيّات “التحديث السلطويّ” التي تنتمي إلى العقد الماضي، وتركّز أكثر على الكيفيّة التي دعمّت بها لبرلة السياسات وتنويعها، وهو ما أضعف تدريجيّاً، وعلى نحو مفارق، الشرعيّة الشعبيّة للنّظام .
كما يساعد بيان الكيفيّة التي تمّ بها التخلّي عن العقد الاجتماعيّ مع مرور الوقت، في تفسير اندلاع انتفاضة عام 2011، لأنّ المتظاهرين، ورغم أنّهم لم ينادوا في البداية باستقالة الرئيس، إلاّ أنهم طالبوا بسقوط ما اعتبروه نظاماً اجتماعيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً غير عادل وغير قابل للحياة، وهو ما تجسّد في شعار “الشّعب يريد إسقاط النظام”.
وفي هذا المقال، نقدّم أولاً نظرة تاريخيّة عامّة عن الجمعيّات الخيريّة السوريّة، موضّحين ارتباط تطوّرها منذ نهاية القرن التاسع عشر بتطوّر الدولة والعقد الاجتماعيّ في المجتمع السوريّ، ثمّ التغيّرات الكبرى التي شهدها الحقل الجمعيّاتيّ انطلاقاً من العام 2000. وفي القسم الثاني، نفصّل القول في تنامي تركيبة الفاعلين في هذا المجال وتغيّرها، وخاصّة تنامي عدد الجمعيّات الخيريّة الدينيّة وبروز جمعيّات خيريّة مدعومة من قبل النظام، ومن هنا نرصد التحوّلات الحاصلة في العلاقة بين الدولة والمجتمع. أمّا القسم الثالث، فنخصّصه لتقصّي دور الجمعيّات الخيريّة ومنظّمات أخرى غير ربحيّة في التحوّل الاقتصاديّ في سوريا؛ ونكشف بالتالي الأسباب والكيفيّات التي دعت القيادة السوريّة إلى الحدّ من النفقات العموميّة من خلال إسناد بعض وظائف الدولة إلى تلك المجموعات مع إبقائها تحت أعين النظام . ونتناول في القسم الرابع الاستراتيجيّات، والأهداف، والهويّات، والقواعد الاجتماعيّة للجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة التي يموّلها النظام، مبرزين الدور الذي تلعبه تلك الاختلافات في السياق السلطويّ السوريّ. ونُنهي بالنظر فيما ساهم به فهمنا للتغيّرات التي ناقشناها في توضيح مسألة تزايد تخلّي النظام السوريّ عن العقد الاجتماعيّ.
وسنستخدم في هذا المقال مقاربةً متعدّدة التخصّصات تستعين بأعمال من العلوم السياسيّة، وعلم اجتماع الجمعيّات، وأنثروبولوجيا الممارسات الخيريّة. وهو مقال قائم أساساً على عمل ميدانيّ نوعيّ أجرته المؤلّفتان بين عامي 2007 و2011 في منطقة دمشق بالخصوص، ويتضمّن أكثر من ثمانين مقابلة نصف مهيكلة مع ممثلّي وموظّفي جمعيّات خيريّة ومنظّمات غير حكوميّة، وجلسات ملاحظة بالمشاركة، وزيارات لأكثر من ثلاثين جمعيّة خيريّة، وأشغال عام كامل من العمل الإثنوغرافيّ مع جمعيّة بيت السلام. كما ارتكز على مقالات صحف سوريّة، ووثائق رسميّة، وأدبيّات أخرى غير أكاديميّة مثل التقارير وكتب الأدلّة والنشرات التي تنتجها الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة
الجمعيّات الخيريّة السوريّة والعقد الاجتماعي ما قبل البعثيّ والبعثيّ
من زاوية تاريخيّة، مثّلت الجمعيّات الخيريّة في سوريا الغالبيّة العظمى من الجمعيّات القانونيّة وغير القانونيّة (غير المسجّلة). وبما أنّ تطوّرها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ البلاد السياسيّ والاجتماعيّ، فهي تكشف طبيعة العقد الاجتماعيّ الخاصّ بكلّ فترة. وتعود جذورها المؤسّساتيّة إلى الفترة العثمانيّة، وذلك رغم وجود الجمعيّات الخيريّة الإسلاميّة والمسيحيّة واليهوديّة قبل تلك الفترة. وفي الفقرات التالية، سنحاول تتبّع تلك التطوّرات من خلال أمثلة تتعلّق ببعض أشهر الجمعيّات الخيريّة السوريّة.
تأسّست أوّل جمعيّة خيريّة إسلاميّة في منطقة بلاد الشام، وهي جمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة، عام 1878 في بيروت على يد شيخ شهير هو “عبد القادر القباني”، وأنشأت لها فروعاً في عدّة مدن سوريّة. وتأسّست أوّل جمعيّة خيريّة مسيحيّة سوريّة، وهي جمعيّة القدّيس بولس الدمشقي، عام 1863، بعد مذبحة المسيحيّين الدمشقيّين عام 1860. وتأسّست في بداية القرن العشرين جمعيّات خيريّة أخرى، على يد جماعات دينيّة مختلفة، على كامل المجال الذي سيغدو يُعرف لاحقاً بسوريا.
ومع ذلك، لم يتطوّر نسيج الجمعيّات الخيريّة في سوريا إلاّ في ظلّ الانتداب الفرنسيّ (1920-1946)، حيث تأسّست في تلك الفترة جمعيّات مثل التمدّن الإسلاميّ (1932)، والتي لم تكن مجرّد جمعيّة خيريّة، إذ حملت كذلك مهمّة فكريّة
كما نشأت عدّة هياكل كأطر لمواجهة سلطة الانتداب بمطالب سياسيّة. فقد كان قادتها ومؤسّسوها “يعتقدون أنّ بإمكان تعليمٍ إسلاميّ سويً ورفاه اجتماعيّ متين إعادة إرساء الثقافة الإسلاميّة بجوهرها الصحيح، ومن ثمّة إزالة سلطة الغرب البغيضة عن سوريا وبقيّة العالم العربيّ”. وصاحبَ هذه الظاهرة إنشاء جمعيّات خيريّة أقلّ تسيّساً، على غرار دار الأيتام الإسلاميّة في حلب (1820) وجمعيّة نقطة الحليب في دمشق (1922) وهي منظّمة نسائيّة لمساعدة النساء الفقيرات غير القادرات على إرضاع أطفالهنّ طبيعيّاً . كما تطوّرت بموازاة ذلك جمعيّات خيريّة مسيحيّة في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، ارتبط أغلبها بهيئات دينيّة.
وقد مثّلت السنوات التي تلت الاستقلال عام 1946، والخمسينات تحديداً، العصر الذهبيّ للجمعيّات الخيريّة، حيث تضاعف عددها بين سنتي 1952 و1954 حوالي ثلاث مرّات من 73 إلى 203 جمعيّة، ليقفز العدد بحلول عام 1962 إلى 596. ويعود هذا النموّ العددي إلى زيادة مرونة التشريعات ووجود نظام اقتصاديّ ليبراليّ، وبروز قادة دينيّين جدد يريدون تأكيد سلطتهم، وزبونيّة قويّة، ودولة ضعيفة. كما انتشر عدد من الجمعيّات الخيريّة متوسّطة الحجم، مثل دار الحديث النبويّ الشريف (1953)، التي ساعدت على تمويل مدرسة دينيّة ما تزال قائمة وتحمل نفس الاسم.
وقد حصرت بعض جمعيّات الأحياء الصغيرة أنشطتها في توزيع المساعدات الماليّة والماديّة بضع مرّات في الشهر، واستمرّ بعضها في النشاط وصولاً إلى سنوات الألفين، لكن بما أنّها لم تطوّر هياكلها وخطابها منذ تأسيسها، فقد استمرت في التخلّف وراء الاتجاهات التنمويّة الجديدة لوزارة الشؤون الاجتماعيّة والعمل. كما يُلاحظ تأسيس جمعيّات خيريّة تنشط على مستوى وطنيّ في سنوات الخمسين، منها شبكات جمعيّاتيّة مثل جمعيّة النهضة الإسلاميّة (1954) وجمعيّة البرّ والخدمات الاجتماعيّة (1955). وفي إطار هذا التوسّع، تم إنشاء ثلاثة أجهزة – أحدها عموميّ والآخران خاصّان- للسيطرة والتنسيق بين الجمعيّات الخيريّة، وهي وزارة الشؤون الاجتماعيّة والعمل (1955)؛ واتحاد جمعيّات دمشق الخيريّة (1957) واتحاد جمعيّات حلب الخيريّة (1961). وتوّلت وزارة الشؤون الاجتماعيّة والعمل مسؤوليّة الجمعيّات التي كانت سابقاً تحت رقابة وزارة الداخليّة، وأطلقت عمليّة تسجيل للجمعيّات القائمة وسنّت نظام اصدار تراخيص جديد أكثر تشدّداً من خلال القانون عدد 93 لعام 1958، الذي بقي نافذاً حتى عام 2012.وعند وصول حزب البعث إلى السّلطة عام 1963 وإعلانه حالة الطوارئ، بدأ النظام الجديد مسار إرجاع المجتمع المدنيّ “إلى الصفّ”. وفي هذا السياق، لم تعد مبادرات المجتمع المدنيّ تلقى ترحيباً خشية تحدّيها الوضع القائم. وبالنتيجة، انحصر عدد المنظّمات الخيريّة المنشأة في تلك الفترة وحصل اختراقٌ متعاظم للقطاع الجمعيّاتيّ القائم، من خلال المنظّمات الشعبيّة التي مثّلت أداة سيطرة وتوجيه للتعبئة الشعبيّة . وبلغت سيطرة الحكومة وقمعها ذروتهما في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، حين هدّدت الاحتجاجات الإسلاميّة نظام حافظ الأسد الذي سحقها خلال فترة حادثة حماه سيّئة السّمعة عام 1982. وخلال تلك السنوات، هُمّشت العناصر ذات التفكير المستقلّ حتى داخل المنظّمات الشعبيّة. وطبقاً للإحصائيات الرسميّة، انخفض عدد الجمعيّات المسجّلة بين عامي 1962 و2000 من 596 إلى 513 جمعيّة، وأدّى الرّفض شبه الآلي للترخيص لجمعيّات خيريّة جديدة إلى تطوّر منظّمات خارج الإطار الرسميّ نشطت خلف الكواليس إمّا من خلال الشبكات غير الرسميّة المرتبطة بشخصيات كاريزميّة، أو في ظلّ حماية المؤسّسات الدينيّة المسيحيّة، أو تحت جناح الجمعيّات الخيريّة القائمة التي خدمت كمظلّة.
وجد قبل عام 1963مجتمع مدنيّ سوريّ مزدهر لعبت فيه الجمعيّات الخيريّة دوراً مهماً، وكانت الجمعيّات التي يديرها عادةً أعضاء من عائلات بارزة أو قادة دينيّون، مستقلّة نسبيّاً. إضافة إلى ذلك، وفي سياق ما بعد الاستقلال، والذي كان أيضاً أكثر ليبراليّة على المستوى الاقتصاديّ، فإنّ عجز النخبة الحاكمة على بناء عقد اجتماعي يحظى بقاعدة واسعة وغياب “دولة قويّة” كانا في صالح المبادرات المحليّة والخاصّة، بما فيها الجمعيّات الخيريّة. لكنّ وصول البعث إلى السّلطة والانطلاق في بناء مؤسّسات دولة جديدة أوقف تناميها وقلّص من نشاطاتها. فقد تطوّر العقد الاجتماعيّ نحو نموذج أكثر شعبويّة، أصبحت بمقتضاه مؤسّسات الدولة والاتحادات القطاعيّة هي الهياكل المسؤولة عن تنفيذ سياسة حزب البعث التنمويّة ذات الطبيعة الاشتراكيّة والمتمحورة حول الدولة. الجمعيّات الخيريّة كمقياس لتحوّل العلاقات بين الدولة والمجتمعرغم الضيق الشديد الذي كان يتحرّك ضمنه نشطاء المجتمع المدنيّ خلال أغلب فترة حكم حافظ الأسد (1970-2000)، إلاّ أنّ الشبكات غير الرسميّة والأنشطة الخيريّة صغيرة النطاق صمدت، بل وانبثقت خلال التسعينات منتديات تابعة للمجتمع المدنيّ بدأ صوتها تدريجيّاً مسموعاً في ظلّ مناخ جديد، على محدوديّته، من النقاش العامّ حول الشؤون الاقتصاديّة. وعند صعود بشار الأسد إلى السّلطة، ظهرت تغيّرات مهمّة في الخطاب والسياسة فيما يتعلّق بالمجتمع المدنيّ. فقد شجّع النظام، في سياق ضغوط اقتصاديّة وإجراءات لبرلة للتوجّه نحو “اقتصاد سوق اجتماعيّ”، عمل الجمعيّات الخيريّة والنشطاء الاجتماعيّين، شريطة عدم التدخّل في السياسة. وبهذا، وفيما احتكرت سابقاً في فترة حافظ الأسد اتحادات عديدة حقّ التمثيل في ميادين اهتمامها وتنظيم المجتمع تبعاً لخطوط قطاعيّة وظيفيّة صارمة، أضحى النظام مشجّعاً على التعدديّة، رغم كونها مراقبة. لكن ذلك أفضى، كما سنبيّن، إلى ولادة ممارسات “فرّق تسد” جديدة لم تكن متاحة في السابق.
وقد استجابت الجمعيّات الخيريّة إضافة إلى أصناف جديدة من المنظّمات، العاملة على سبيل المثال في المجالات البيئيّة والثقافيّة والتنمويّة وشؤون المرأة، إلى ذلك النداء. فتأسّست جمعيّات خيريّة مرخّص لها في كافّة أرجاء البلاد، ووفّرت خدمات أكثر وانخرطت في أعمال أوسع نطاقاً. بل قامت علاوة على ذلك، بدمج الأنشطة الخيريّة التقليديّة، مثل رعاية الأيتام والشيوخ ومساعدة العائلات المعوزة وتوفير الرعاية الطبيّة وتمويل التعليم الدينيّ، مع مشاريع جديدة ذات بُعد تنمويّ. وقد شمل ذلك، على سبيل الذكر، توفير المساعدة للشبّاب الساعين إلى الزواج، ومقاومة البطالة من خلال الدورات التدريبيّة والخدمات الاستشاريّة، وتقديم دروس لمحو للأميّة وأخرى في الثقافة المعلوماتيّة للأمّهات الأميّات، وتقديم قروض صغرى. وعلى هذا النحو، تنامت ضبابيّة الحدود بين العمل الخيريّ والتنمية، ما مهّد لبروز أشكال هجينة من المنظّمات، حيث أضافت بعض الجمعيّات الخيريّة حديثة التأسيس كلمة “تنمية” أو وصف “تنمويّ” لأسمائها، وطبقاً للمستجوبين، لم تعد تلك المنظّمات تسعى “إلى تقديم سمكة إلى الفقراء، بل بالأحرى تعليمهم كيف يصطادون الأسماك” . ومن الواضح أنّ الجمعيّات الخيريّة حاولت التكيّف والتلاؤم مع روح العصر، كما يمكن القول أنّها كانت تردّ الفعل على منافسة المنظّمات الجديدة التي يموّلها النظام.لقد سمح النظام للجمعيّات الخيريّة بتوسيع نطاق نشاطها على نحو مؤثّر، سواء جغرافيّاً أو في الحجم الكليّ. فأصبحت الجمعيّات الخيريّة الجديدة أقلّ محليّة، إذ أضحت تعمل على مستوى مدينيّ أو إقليميّ، بدل العمل على مستوى الأحياء. وسمحت وزارة الشؤون الاجتماعيّة والعمل لجمعيّات مثل جمعيّة الراية الصحيّة الخيريّة (2005) بالنّشاط في كامل أرجاء سوريا، وهو ما يُعتبر ثورة صغيرة مقارنة بالفترة السابقة. ويوازي ذلك أهميّة الحجم المتزايد للخدمات وعدد المستفيدين من الجمعيّات الخيريّة. فعلى سبيل المثال، ارتفع عدد المستفيدين من جمعيّة أمل الغد للمعوّقين والشلل الحركي الدماغي في محافظة دمشق، المؤسّسة عام 2004، من 35 عام 2005 إلى 207 منتفع في العام 2009 . أما الأكثر إثارة فهو التطوّر الذي عرفه صندوق العافية، وهو مشروع لاتحاد الجمعيّات الخيريّة بدمشق، حيث تزايد عدد المستفيدين منه إلى حوالي تسعة أضعاف، من 536 عام 1997 إلى 4.455 منتفع في عام 2006. وقد تكفّلت هذه المبادرة، خلال عقد واحد، بتغطية تكاليف رعاية 29.823 مريض، بما يشمل 60 ألف معالجة جراحيّة، بتكلفة كليّة قدرها 953 مليون ليرة سوريّة (حوالي 19 مليون دولار) . وارتفع عدد المستفيدين من صندوق المودّة والرّحمة، التابع أيضاً لاتحاد الجمعيّات الخيريّة في دمشق، من 44 في عام 1999 إلى أكثر من 550 منتفع في عام 2007 . وبذلك، تطوّرت مساهمة الجمعيّات الخيريّة في توفير الرعاية الاجتماعيّة في سنوات الألفين، وهو ما ميّز الجمعيّات الخيريّة عن المنظّمات المدعومة والموالية للنظام التي كانت مجال عملها أضيق. وقد ساهم المستثمرون الأثرياء، مثل “عثمان العائدي” وعائلة “الصالح”، والتجّار من الطبقة الوسطى العليا، والناس العاديّون بوتيرة أضعف، في الارتفاع الملحوظ لموارد الجمعيّات الخيريّة
وبموازاة الترويج للجمعيّات الخيريّة، التي كانت نافعة ومطلوبة على عجل لمحاربة الفقر في ساكنة متزايدة بسرعة، انعكس تحوّل العلاقات بين الدولة والمجتمع على جهود النظام من أجل بناء “مجتمع مدنيّ” آخر رسميّ من فوق. ولعبت “أسماء الأسد” دوراً رائداً في خلق عديد المنظّمات المتهمة بتقويض السّمة المميزة للمنظّمات غير الحكوميّة، والتي أطلق عليها “المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً” (GO-NGOs)، وسمّاها أحد المستجوبين “القطاع نصف الحكوميّ” هكذا، وبينما كانت الجمعيّات الخيريّة القائمة مراقبة عن قرب والمنظّمات السياسيّة مهمّشة، خاصّة بعد انهيار ربيع دمشق (2000-2001) والإجراءات القمعيّة المتخذة بحقّ نشطاء إعلان دمشق (2005)، شهد العقد الأوّل من حكم بشّار الأسد أيضاً خلق عدد كبير من المنظّمات غير الحكوميّة الموالية، والتي غالباً ما تُدار وتُدعم من طرف النظام وتُعرف باختصارات أسمائها. وكان أوّل مشروع تنموي أطلقته “أسماء الأسد” تحت اسم فردوس عام 2001، وهو مشروع لمساعدة الجماعات الريفيّة من خلال تقديم قروض صغرى أو إنشاء هياكل جماعات محليّة مثلاً. كما كانت “السيّدة الأولى” وراء تأسيس المنظّمة السوريّة للمعوقين (آمال) عام 2002، وجمعيّة مورد لتحديث وتفعيل دور المرأة في التنمية الاقتصاديّة عام 2003. كما تأسّست عام 2004 منظّمتان غير حكوميّتان مستقلّتان ركّزتا نشاطهما على تطوير المهارات التجاريّة، وهما جمعيّة المستثمرين الشبّان، والغرفة الفتيّة العالميّة فرع دمشق، على يد رجال أعمال سوريّين أثرياء، ووفّرتا برامج تدريب حول المهارات التجاريّة. وفيما تأسّست الغرفة الفتيّة العالميّة كفرع لمنظّمة غير حكوميّة عالميّة وارتبطت إلى حدّ ما بأنشطة المنظّمة الأمّ، اعتبرت جمعيّة المستثمرين الشبان أقرب إلى النظام السوريّ. وأنشئت في عام 2005 بدعم من أسماء الأسد جمعيّة مسار وجمعيّة شباب ، وهما نشطتان في مجال تعليم الأطفال والشباب. كما تأسّست في نفس العام بدعم غير مباشر منها أيضاً جمعيّة بسمة، وهي جمعيّة خيريّة ومجموعة ضغط لصالح الأطفال المصابين بالسرطان، وموّلت رحلة دراسيّة لمدة سنة لأحد مؤسّسيها لبحث أفضل السبل الموجودة لمداواة سرطان الطفل في بلدان أخرى. وفي عام 2007، اندمجت أغلب المنظّمات المنشأة من قبل السيّدة الأولى، وهي فردوس وشباب ومسار والفرعان الآخران، روافد للتنمية الثقافيّة والمركز السوري للأبحاث حول التنمية، في الأمانة السوريّة للتنمية، المعروفة باسم “الأمانة” أسماء الأسد برفقة مجموعة من الشباب السوريين ضمن أحد نشاطات جمعية مسار وفي عام 2008، أطلقت “ديالا الحاج عارف”، وزيرة الشؤون الاجتماعيّة والعمل بين 2004 و2011، منظّمتها غير الحكوميّة باسم طموحي (صندوق كفالة العلم) مع أصحاب أعمال نافذين مثل “عبد السلام هيكل”، وهو أيضاً أحد مؤسّسي جمعيّة المستثمرين الشبّان. وحتى عام 2011، وفرت منظّمة طموحي منحاً جامعيّة لفائدة الطلبة الفقراء المتميّزين.وفي أثناء ذلك، وعلى مدى عقدين، خسر كلّ من حزب البعث والمنظّمات القطاعيّة الجماهيريّة تدريجيّاً الارتباط بالمجتمع، ويعود السبب، كما يقترح رايموند هينيبوش (Raymond Hinnebusch)، إلى أنّ أصحاب الأعمال أصبحوا الهدف الرئيس الذي يحاول حزب البعث استقطابه، وبذلك انحصرت الامتيازات المقدّمة إلى المنتمين إليه، ومن ذلك تسهيل نفاذهم إلى التوظيف في القطاع العامّ. وفي ظلّ حكم حافظ الأسد، كان لتلك المنظّمات بعض المشاركة الشعبيّة على الأقلّ، ولو كانت مراقَبة، بينما شعر السوريّون في ظلّ حكم ابنه أنّ الانخراط في تلك المؤسّسات لا يمكّن إلاّ من امتيازات محدودة. ففي السابق، كان بعض المواطنين يطرحون مشاكلهم على الحزب أو المنظّمات الجماهيريّة، سعياً وراء الإعانات، وتخفيف الضرائب، الخ، فيما أضحى المواطنون في نهايات العقد الماضي يلتجئون إلى شبكاتهم العائليّة والمنظّمات الخاصّة، بما فيها الجمعيّات الخيريّة، أو إلى القادة الدينيّين. وكان من المفترض أن تملأ المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً (GO-NGOs) تلك الهوّة عبر المساعدة في ربط الدولة بالمجتمع، إضافة إلى أدوار أخرى مثل تحصيل أموال المانحين الدوليّين و”ضبط” الحقل الجمعيّاتيّ، وتقديم صورة حداثيّة واحترافيّة عن سوريا للعالم. أي كما يقول أحد المستجوبين: “يتمتّع هذا المجتمع المدنيّ النخبويّ بقدر من الحريّة. إلاّ أنّ من أكبر مشكلات مجتمعنا هي… عدم قدرة أيّ كان على الربط بين الدولة والمجتمع. فالحزب والمجتمع المدنيّ الرسميّ خارج الخدمة”. ويمكن الزعم إنّ المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً قد قامت باحتكار أنشطة وشبكات اقتصاديّة وتعليميّة وثقافيّة معيّنة، بطريقة شبه قطاعيّة، وكانت بذلك تُعيد إنتاج أنماط الحكم السلطويّ فيما تدّعي تعزيز التعدديّة المواطنيّة.
لكنّ المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً والجمعيّات الخيريّة لم يستطيعا كلاهما تعويض المنظّمات الجماهيريّة السابقة. فقد انحسرت أنشطة الأولى نسبيّاً من حيث الحجم والنطاق وكذلك من حيث الانتشار الجغرافيّ والمضامين، علاوة على أنّ خلفيّة موظفيها الميسورة غالباً جعلت الامتداد الشعبيّ أكثر صعوبة. أما الجمعيّات الخيريّة، التي حظيت بروابط أكثر مباشرة بالقطاعات الأشدّ فقراً في المجتمع، فقد شجّعها النظام على لعب دور أكبر، لكنّها توجّهت بحكم طبيعتها نحو لعب أدوار أخرى، غير سياسيّة بالأساس، ولم تكن قادرة أو متطلّعة إلى تعويض المنظّمات “الرسميّة” السابقة. وبهذا، فإنّ الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً لم تتمكّنا على نحو شامل من لعب الدور الذي كان موكولاً للمنظّمات والاتحادات الاشتراكيّة، وهو تشكيل العلاقات بين الدولة والمجتمع والمحافظة عليها. ومع ذلك، وبحكم ارتباطها أحياناً بشخصيّات قياديّة داخل النظام، مثل “أسماء الأسد” أو “رامي مخلوف” ابن خال الرئيس، فقد استُحدثت أدوات وصاية وعلاقات زبونيّة.
وقد عكس توسّع كلّ من الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً بعد عام 2000 تحوّلاً واضحاً في العلاقات بين الدولة والمجتمع، بمعنى أنّ المبادرات المستقلّة ونصف المستقلة أضحت مقبولة من طرف قيادة الدولة، بل ومُروّجةً لها. وعكست، إضافة إلى ذلك، تحوّلاً من عقد اجتماعيّ تفضيليّ تجاه الموظفين المدنيّين والفلاحّين، المتركزين في الضواحي الأكثر فقراً وفي الرّيف، باتّجاه عقدٍ اجتماعيّ أكثر محدوديّة يُركّز بشكل متزايد على المهنيّين المدينيّين من الطبقة الوسطى وأصحاب الأعمال. وقد ولّد ذلك استياءً في صفوف القاعدة الاجتماعيّة السابقة للنظام، وهو ما يُوضّحه التوزّع المجاليّ للمظاهرات في بدايات الانتفاضة عام 2011 التي تركّزت في المدن الصغيرة وضواحي المدن الكبرى. الجمعيّات الخيريّة كمقياس لتحوّلات السياسة الاقتصاديّةفي سوريا، كما في دول عربيّة أخرى، نُظر للجمعيّات الخيريّة على أنّها زائدة عن اللزوم، وأنّ دورها غير اقتصاديّ في ظلّ “الاشتراكيّة العربيّة”، وذلك تحديداً في الفترة بين عامي 1960-1980. وبتحمّل الدولة جميع المسؤوليّات الاجتماعيّة، غدا العمل الخيري فِعلاً خطراً، وأضحى من يكشف ثروته أكثر من اللزوم مرتكباً لخطأ تاريخي قد يكلّفه مصادرة أملاكه. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتيّ عام 1991، علّقت سوريا أيديولوجيّتها الاشتراكيّة، وإن لم تُلغِها تماماً ، كما تمّ مع بداية حكم بشّار الأسد تسريع إجراءات اللّبرلة الاقتصاديّة التي بدأ بعضها في فترة والده. ولعلّ أهمّ ما جعل الضغوط الاقتصاديّة أكثر بروزاً هو استنفاذ الموارد النفطيّة، والنموّ الملحوظ في عدد السكّان، واكتظاظ القطاع العامّ بالموظّفين دون فعاليّة تُذكر. فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، هدفت أغلب الإصلاحات إلى تقوية القطاع الخاصّ، إذ جعلت الخطّة الخمسيّة العاشرة (FYP)، التي شملت الأعوام 2006-2010 هدفها هو الانتقال من الاقتصاد المخطّط على الطراز الاشتراكيّ إلى ما يسمى “اقتصاد السوق الاجتماعيّ”. ودعت الخطّة بصورة علنيّة القطاع الخاصّ والمجتمع المدنيّ إلى المساهمة في إنجاح “التحوّل المجتمعيّ”.
“التحوّل إلى اقتصاد السوق الاجتماعيّ… يتطلّب بلا شكّ صياغة عقد اجتماعيّ جديد بين القوى الحيويّة في المجتمع السوريّ، وهي الدولة والقطاع الخاصّ ومنظّمات المجتمع المدنيّ التي يجمع بينها الحوار البنّاء والمشاركة التفاعليّة في تشكيل الخطّة الخمسيّة وتنفيذها. وتمثّل مثل هذه الشراكة الطريق الوحيدة لكسب التحوّل المجتمعي ورفع التحديّات المصاحبة له”
وفي هذا السياق، حظي مصطلح “الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ” بشعبيّةٍ متعاظمة. ووقع، باتباع مبادئ المشاركة والشراكة ظاهريّاً، إسناد وظائف مهمّة للدولة إلى فاعلين خواصّ، بما في ذلك جمعيّات خيريّة ومنظّمات خيريّة أخرى. وقد عبّر أحد المستجوبين عن هذا الأمر قائلاً:“يحدث الاصلاح بتمكين المجتمع المدنيّ من لعب دور أكبر في دعم تنمية البلاد. إذ لم يعد في استطاعة الحكومة تحمّلها، ولا حتى القيام بها. كما لا يمكن للقطاع الخاصّ القيام بذلك بمفرده. لذا، يجب دعم المجتمع المدنيّ… لا الجمعيّات الخيريّة فحسب، بل وكذلك المنظّمات التنمويّة”
وقد تشابه هذا الأمر مع سياسات الخصخصة في دول عربيّة أخرى كانت تحاول التكيّف مع التغيّرات في الاقتصاد العالميّ. وساهم الاعتماد على الجمعيّات الخيريّة، والشركات الخاصّة، والمانحين الدوليّين (عبر المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً أو مؤسّسات أخرى ذات “أسلوب جديد” مثل مركز الأعمال والمؤسّسات السوريّ) في التقليص من نفقات الدولة.ومن وجهة نظر النظام السوريّ، الساعي إلى تنفيذ إجراءات التقليص من التكاليف، فإنّه ليس مهمّاً اختلاف استراتيجيّات التمويل التي تتبعها الجمعيّات الخيريّة عن تلك التي تتبعها المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً وإمكانيّة تعزيزها رأس المال الاجتماعيّ لزعماء تلك الجمعيّات الخيريّة. ففي عام 2008 قدرّت الميزانيّة الموحّدة لسوريا بـ600 مليار ليرة سوريّة، صرف مليار منها فقط (%0.2) عن طريقة وزارة الشؤون الاجتماعيّة والعمل وحوالي سبعة مليارات (1.2%) عن طريق وزارة الصّحة. وفي عام 2007، صرف 6 في المائة فقط من ميزانيّة الدولة على التعليم. وبصفة عامّة، تقلّصت نسبة الإنفاق العامّ من الناتج المحليّ الإجماليّ
وبينما مُنعت الجمعيّات الخيريّة من الانخراط في مجالات معيّنة، مثل التعليم العالي، فإنّ الخطاب الرسميّ شجّع أنشطتها في مجالات أخرى مثل الرعاية الصحيّة والتخفيف من حدّة الفقر، وتمّ إنشاء عقود تشاركيّة كجزء من سياسات “إدارة الفقراء”. ومن خلال هذه العقود، وقع نقل مسائل الصيانة، والإدارة، وفي أحيان كثيرة تمويل مؤسّسات عموميّة معيّنة، مثل المدارس أو المراكز الصحيّة، إلى عهدة الجمعيّات الخيريّة. وعلى سبيل المثال، فقد وقّعت جمعيّة قوس قزح (تأسّست عام 2002) عقداً مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة والعمل يجعل من إدارة دار الأيتام العموميّة الوحيدة في دمشق تحت مسؤوليّتها. كما وقّعت جمعيّة بستان الخيريّة، التي أسّست عام 1999 من قبل “رامي مخلوف” في مدينة اللاذقيّة، عدّة عقود تشاركيّة مع وزارة الصّحة. وتوضّح هذه الأمثلة كيفيّة انطماس الحدود بين العامّ والخاصّ، وهي مؤشّر، في نظر بياتريس هيبو (Béatrice Hibou)، على تعاظم “انسحاب الدولة”. وبدلاَ من الانسحاب الكلّي، تخلّت الدولة عن بعض الخدمات المكلفة لفائدة فاعلين خواص، فيما واصلت سيطرتها على مجالات الفعل تلك من خلال ترتيبات غير رسميّة، وأحياناً زبونيّة.
لعبت المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً، باستثناء آمال وبسمة والفاعلين الخيريّين الموالين، دوراً أقلّ بكثير في التخفيف من حدة الفقر. فقد كانت مهتمّة بمشاريع يمكن أن تضمن لها شكلاً من أشكال الربح. حيث “استثمر” رجال الأعمال في الأعمال الخيريّة بهدف خدمة سمعة شركاتهم بصفة أساسيّة. وبذلك نزعت المسؤوليّة الاجتماعيّة للشركات نحو التركيز على مشاريع ذات طبيعة تنمويّة متمايزة، لأنّ التعليم، وبناء القدرات، ومساعدة الشركات الناشئة يخدم بناء صورة ايجابيّة للشركات المتطلّعة نحو المستقبل أكثر ممّا تخدمها المساعدات التقليديّة المتمثّلة في تخفيف الفقر أو الرعاية الطبيّة. وبصورة مشابهة، ركّزت أغلب المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً على الأنشطة التنمويّة مثل بناء القدرات وبرامج التدريب، التي غالباً ما تشمل عنصر “التوعية”. فعلى سبيل المثال، أنفقت الأمانة السوريّة للتنمية 84 % من أموالها عام 2007-2008، و70 % عام 2009-2010، وهما رقمان صاعقان، في أنشطة تعليميّة. وأساساً، بقيت وظائف الرعاية الاجتماعيّة على غرار الرعاية الطبيّة ورعاية الأيتام، والشيوخ، والمعوقين، تعاني من نقص في الخدمات.
من نشاطات الأمانة السورية للتنميةعلى أنّه يوجد استثناءان بارزان لمنظّمات “موالية” انخرطت في الأعمال الخيريّة، وهما آمال وبسمة. إذ ساعدت بسمة منذ انشائها عام 2005-2006 وبداية الانتفاضة عام 2011، أكثر من 1.700 طفل يعاني من السرطان، وأنشأت وحدة مختصّة لتشخيص ومعالجة سرطان الطفل في جامعة البيروني في دمشق . أما آمال، التي تأسّست عام 2002، فقد عالجت حوالي 8.000 شخص يعاني من اضطرابات في النّطق، وأكثر من 70 طفلاً يعاني من التوحّد، و30 طفلاً يعاني من ضعف السّمع، وشخّصت حالات عديدة من الناس الذين يعانون تلك الإعاقات. وفي ذات الوقت، شدّدت كلا المنظّمتين على دورهما في التدريب والتوعية وأنشطة الضغط. حيث سعت آمال، التي درّبت ما يقارب من 5.800 شخص من 235 مؤسّسة، إلى انتهاج نموذج تأهيل اجتماعيّ وعدم الاكتفاء بنموذج طبيّ محض زعمت أنّ الجمعيّات الخيريّة تستخدمه. كما شدّد أحد مؤسّسي بسمة أنّ “بسمة ليست مجرّد جمعيّة خيريّة، لكنها كذلك مجموعة ضغط… وقد ظنّ كثيرون هنا أنّه لا يمكنها إلاّ أن تكون جمعيّة خيريّة”. هكذا، طمحت كلا المنظّمتين إلى أن تكونا أكثر من مجرّد جمعيّة خيريّة.
وبما أنّ أنشطة الفاعلين الخيريّين والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً العاملة في المجال التنمويّ ركّزت على توسيع القطاع الخاصّ السوريّ، عبر ورشات بناء القدرات أو إقراض المال للشركات الناشئة مثلاً، فقد لعبت دوراً في سياسات الإسناد السوريّة مختلفاً أشدّ الاختلاف عن دور الجمعيّات الخيريّة الدينيّة. فقد أيّدت المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً ومنظّمات غير حكوميّة تنمويّة أخرى إسناد الخدمات العامّة السابقة لقطاع خاصّ نامٍ من خلال تنظيم أنشطة لشبّان من الطبقة الوسطى، بإمكانهم، مع القليل من الإرشاد أو المساعدة الماليّة، إطلاق أنشطة تجاريّة بأنفسهم وأن يصبحوا بذلك خالقين لفرص شغل بدل أن يكونوا طالبي شغل. لقد قامت، على نحو ما، بتبني مهامٍ تتبناها عادة، في دول ذات عقد اجتماعي أكثر شمولاً، مراكز عمل تدار حكوميّاً، لكن، بما أنّها لم تمتلك النطاق أو الموارد الماليّة اللازمة، فإنّها لم تُثبت فعاليّتها في التقليل من بطالة الشباب. وفي المقابل، تبنّت الجمعيّات الخيريّة بعض خدمات الرعاية التي قامت الدولة بالتخلّي عنها، وتحمّلت عبر توفيرها للطّبقات الوسطى الدنيا والطبقات الدنيا، العبء الأكبر في التخفيف من الفقر عن طريق الخواصّ.
لقد انتقل “الاقتصاد المختلط للعمل الخيريّ” السوريّ نحو “الواهبين الخيريّين الخواص”. وعلى المدى القصير، تأسّست علاقة ذات أثر إيجابيّ للطّرفين: فمن ناحية، تمكنّت الدولة، من خلال إسناد مسؤوليّاتها في الرعاية، من التخفيف والسيطرة، إلى درجة ما، على الاضطراب الاجتماعيّ. ومن ناحية ثانية، اكتسبت المنظّمات غير الربحيّة، خاصّة الجمعيّات الخيريّة، مساحة أكبر للمناورة. لكن الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة لم تستطع، رغم ذلك، تحمّل كامل عبء الخدمات الاجتماعيّة المترتّبة عن ارتفاع البطالة وازدياد عدد السّكان. ويمكن اعتبار تلك المسارات المتزامنة إشارةً على تهاوي العقد الاجتماعيّ القديم، إذ سلّطت تلك التطوّرات ضغطاً على العلاقات بين الدولة والمجتمع – شبيه بالضغط المنخفض في بارومتر- وأنذر ذلك، في شكل ارتفاع تدريجيّ للاستياء الجماهيريّ، باندلاع المظاهرات الشعبيّة في 2011. الجمعيّات الخيريّة كوسيلة لفهم كيفيّة انتظام المجموعات الاجتماعيّة في السياقات السلطويّة أظهر القسمان السابقان الكيفيّة التي تساعدنا بها الجمعيّات الخيريّة ومنظّمات خيريّة أخرى، في السياق السوريّ، على قراءة التحوّلات في العلاقات بين الدولة والمجتمع وفي السياسة الاقتصاديّة، وكيف تتضمّن تلك التغيّرات إعادة تعريف للعقد الاجتماعيّ. ويظهر هذا القسم أنّ دراسة تلك الجمعيّات يمكن أن تكون مفيدة جدّاً في فهم الكيفيّة التي يمكن وفقها للفاعلين الاجتماعيّين، أو لا يمكنهم، تنظيم أنفسهم في سياقات سلطويّة. كما نطوّر فيه شرح الاختلافات التي ناقشناها سابقاً بين الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً ذات النشاط التنمويّ، والتي تنشر وتعيد إنتاج سياسة “فرّق تسد” التي غالباً ما تمارسها الأنظمة السلطويّة. ١. الاختلافات والتقاربات بين الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً ذات النشاط التنمويّ يرتقي نوع النشاط الذي تمارسه الهياكل الجمعيّاتيّة إلى مصاف النشاط الجماعيّ ما دام نشاطاً “مهيكلاً” و”يسهم فيه الجميع بطرق مختلفة لغايات واحدة عبر الامتثال لنفس القواعد، والتنسيق في ما بينهم، وتبني منظور المعاملة بالمثل”. هكذا يمكننا النظر للجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً ذات النشاط التنمويّ كمواقع عمل جماعيّ تنتج “معاني” وتخلق “أفاقاً للتبرير والشرعنة”. ولكن، في السياقات السلطويّة، تحمل جميع الأنشطة الجماعيّة مخاطر مرتفعة. وبالفعل، فخلال الحملة على ربيع دمشق عام 2011، عوقب الأعضاء الأكثر بروزاً، أولئك الذين اختاروا رفع أصواتهم علانيّة، بالسجن أو حظر السفر وأقصوا من المجتمع المدنيّ المدعوم من النظام. إذنْ، كيف يمكن للمجتمع، في مثل هذا المناخ السياسيّ، تنظيم نشاط جماعيّ والاستمرار في القيام بأنشطة اجتماعيّة؟ تبحث الفقرات التالية عن إجابات الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً ذات النشاط التنمويّ على هذا السؤال، من خلال مناقشة خلفيّات موظّفيها وأعضائها، ودوافعهم وتطلّعاتهم (اللا) السياسيّة، ودرجة تمأسسها، وحضورها العامّ. أولاً، نُظّمت الجمعيّات الخيريّة السوريّة في المقام الأوّل حول ما تسمّيه إليزابيث بيكارد ((Elizabeth Picard “الارتباطات الأساسيّة”، وهي في هذه الحالة الروابط الدينيّة والإثنيّة، حيث توجد مثلاً جمعيّات سنيّة، وشيعيّة، وشركسيّة، وأرمنيّة لم يستطع النظام اضعافها، حتى وإن رغب في ذلك. وعلى هذا النحو، نجحت الجمعيّات الخيريّة في تعبئة أجزاء من المجتمع من خلال العلاقات البَين-ذاتيّة واللقاءات المباشرة في الأحياء، وفي إطار الجماعة، والمساجد أو الكنائس، عوض الالتزام بقضيّة مشتركة (إلاّ إذا كانت دينيّة ربما) يسهّل تحديدها وإحباطها، إذا ما اعتبرت السّلطات ذلك ضروريّاً. بهذا المعنى، وقع التميّيز بين الجمعيّات الخيريّة وما يسمى “المنظّمات المدنيّة”، مثل المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً ذات النشاط التنمويّ، التي يمكن وصفها بأنّها “تجمّعات طوعيّة وغير قائمة على أيّ ارتباط أوّلي”. وعلى عكس الجمعيّات الخيريّة، لا تمتلك الفئة الأخرى قواعد شعبيّة وثيقة الارتباط بها، رغم تقيّدها في برامجها ببلاغة مرتبطة بالقواعد الشعبيّة. وبينما حازت الجمعيّات الخيريّة شرعيّة وتأثيراً عبر بناء قاعدة شعبيّة على مستوى الأحياء، والمستويان الدينيّ والعائليّ، بالاعتماد على “رأس المال الاجتماعيّ” الوازن لمجالس إدارتها، تولّت المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً فعل ذلك من خلال أسلوبها ومهمّتها “الاحترافيّان”، ودرجة مأسستها العالية، واستراتيجيّات علاقاتها العامّة. وعلاوة على ذلك، اختلفت خلفيّة النّاس الذين عبّأتهم المنظّمات غير الحكوميّة والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً ذات النّشاط التنمويّ حديثة النشأة، عن خلفيّة الناس الذين عبّأتهم الجمعيّات الخيريّة. فقد شملت الأخيرة أشخاصاً من مختلف الطبقات، والمستوى التعليميّ، والآراء السياسيّة، رغم أنّ طبيعة مشاركتهم – كمؤسّسين، أو متبرّعين، أو أعضاء مجلس إدارة، أو إداريّين، أو متطوّعين، أو موظّفين مثلاً – تختلف باختلاف أصولهم الاجتماعيّة. وفي المقابل، شمل طاقم ومتطوّعو المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً نسبة كبيرة من المهنيّين ذوي الكفاءة العالية، كما كان أغلب الفاعلين الخيريّين في القطاع الخاصّ من رجال الأعمال المقرّبين من النظام. وبذلك، كانت حصّتها من الحضريّين من الطبقة الوسطى والطبقة الوسطى العليا أكبر بكثير ممّا نجده في طواقم الجمعيّات الخيريّة. وعلى عكس قطاع الجمعيّات الخيريّة، فإنّ كبار الموظفين غالباً ما يكونون من أصحاب الخبرات المهنيّة المكثّفة في الوكالات التنمويّة العالميّة أو حاملين لشهادات من جامعات أجنبيّة ؛ وقد مثّلت “أسماء الأسد” في هذا الصدد، بالنسبة لعديد المغتربين الذين يفكّرون في العودة إلى سوريا، نموذجاً يُحتذى به. ومع ذلك، وبسبب انتمائهم في الأغلب إلى الطبقة الوسطى العليا، كان موظّفو المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً ذوي الطابع المهنيّ، يتعرضّون لانتقادات من قبيل أنّهم “منفصلون”، و”متعجرفون”، و”نخبويّون”، أو أنّهم يمارسون نوعاً من “النزعة الخيريّة المتكبّرة” ثانياً، يجب التأكيد أنّ المشاركة في الجمعيّات الخيريّة السوريّة كانت، على الأقلّ للوهلة الأولى، نشاطاً غير سياسيّ. حيث لم يضغط مؤسّسو وأعضاء الجمعيّات الخيريّة من أجل قضيّة سياسيّة ولم يطمحوا في الإطاحة بالنظام القائم. وقد تركّز نشاطهم بصفة عامّة على السعي الشخصيّ للخلاص وتحقيق الذات كسبيل للاضطلاع بواجباتهم الدينيّة؛ إذ كان دافعهم دينيّاً ولم يكن مواطنيّاً. إضافة إلى ذلك، فقد سعوا، عن وعي، للنأي عن الخطاب السياسيّ وتجنبّوا الإدلاء بأيّ تعليقات نقديّة بطريقة علنيّة. وعلى سبيل المثال، فقد عملت الجمعيّات الخيريّة، مباشرة بعد تخفيض الدعم على المنتجات النفطيّة عام 2008، على تخفيف الأثر الاجتماعيّ لتلك الإجراءات عبر توزيع مساعدات ماليّة وملابس وأغطية، لكنّها لم تشجب علانيّة السياسة الرسميّة. وبالمثل، انتقد عدد قليل من مديري الجمعيّات الخيريّة علناً البيروقراطيّة الثقيلة التي أعاقت عملهم، ولم يشجبوا منع وزارة الأوقاف موائد الرحمان عام 2008. وفوق كلّ شيء، وعلى عكس الجمعيّات الخيريّة اللبنانيّة والفلسطينيّة أو المصريّة- والتي يرتبط بعضها بحزب الله، وحركة حماس، أو الإخوان المسلمين- لم يكن للجمعيّات الخيريّة السوريّة ارتباط بالأحزاب السياسيّة. ويعود ذلك إلى أنّ الأحزاب السياسيّة الوحيدة التي سمح بها النظام السوريّ هي أحزاب يساريّة تنتمي إلى الجبهة الوطنيّة التقدميّة (وهو ائتلاف راضٍ بسيطرة حزب البعث على البرلمان السوريّ) التي لم تؤمن بالجمعيّات الخيريّة بل بمسؤولية الدولة في رعاية مواطنيها. وبما أنّ مبرّر وجود الجمعيّات الخيريّة هو توفير خدمة اجتماعيّة محدّدة للسكّان، فإنّها اختارت، في سوريا ماقبل الانتفاضة، استراتيجيّةً مخصوصة سمحت لها بممارسة أنشطتها دون انقطاع، ما عنى قبول أو تجاوز قواعد اللّعبة كما فُرضت من فوق. ولم يكن بإمكان ممثلّي الجمعيّات الخيريّة التفاوض حول أيّ مساحة مناورة داخل النظام السلطويّ إلاّ من خلال ابراز الفائدة العامّة للخدمات التي توفّرها. وبالتالي، فقد كانت أنشطتها حسّاسة ولكنّها غير محفوفة بالمخاطر بشكل مفرط، إذ كانت خالية من أيّ محتوى مضادّ لمؤسّسة الحكم أو مطالب سياسيّة صريحة. ومن الواضح أنّ ذلك لا يعني أنّ المنخرطين في الجمعيّات الخيريّة كانوا خاضعين تماماً للنّظام، بل بالأحرى أنّهم تعلّموا التوصّل إلى حلول وسطيّة مع النظام في سبيل ممارسة أنشطتهم. والحقّ أنّه لا يمكن إدراك البعد السياسيّ إلاّ من خلال فحص دقيق: حيث يمكن للمقاومة أن تأخذ شكلاً سلبيّاً، مثل اختيار تمويل جمعيّة خيريّة مستقلّة بدل أخرى موالية، أو الامتناع عن المشاركة في الأنشطة التي تروّج لها الدولة أو السيّدة الأولى. وأخيراً، وهذا أمرٌ لا يمكننا تجاهله، فإنّ الانخراط في القطاع الخيريّ يشكّل طريقةً “لأن تكون في المجتمع”، ولتجد نفسك محاطاً بأناس تشاركهم نفس الميول، لتنمية “رأس المال الاجتماعيّ” والحفاظ عليه، والحفاظ على الزبائن، وأحياناً تعزيز المسيرة المهنيّة. إلى هذا الحدّ، لعبت الأنشطة الخيريّة دوراً في ادماج المواطنين السوريّين. وبينما امتنعت المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً ومنظّمات تنمويّة أخرى عن التعبير على انتقادات للمؤسّسة الحاكمة، كانت أنشطتها أكثر سياسيّة، بمعنى أنّها انتصرت لقضيّةٍ مشتركة واضحة المعالم. فقد انخرط الناس في تلك المنظّمات لأنهم أرادوا في المقام الأوّل “فعل شيء جيّد” لفائدة سوريا و”لأولئك الأقلّ حظاً”. وافتقر بذلك دافعهم لعنصر التقوى أو الواجب الدينيّ الحاضر في العطاء الخيريّ التقليديّ. كما استندوا عوضاً عن ذلك إلى لغة اصطلاحيّة تنمويّة عالميّة –تم أحياناً “استيرادها” مباشرة من قبل الذين درسوا أو عملوا في الخارج – ولم يكن أغلبهم، على الأقل في العلن، متديّنينكما كان لأصحاب الأعمال المنخرطين في المنظّمات غير الحكوميّة أو المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً دوافع ماديّة أيضاً: من الناحية الاقتصاديّة، وَعدتْ المسؤوليّة الاجتماعيّة للشركات بزبائن أكثر وربح أكبر، وسياسيّا، رسّخت علاقات أفضل مع النظام. وفي هذا الصّدد، تذكّرنا سينغر (Singer) بأنّ النزعة الخيريّة تساعدنا على “فهم كيفيّة تطوّر أفكار الاستحقاق والالتزام تدريجيّاً في المجتمع”. فقد شعر المتبرّعون السوريّون للجمعيّات الخيريّة في الأغلب، كما تظهر اللقاءات، بأنهم ملتزمون بالمعنى الدينيّ. وكمثال على ذلك، شرح تاجر ثريّ من دمشق، موّل عام 2009 خمس جمعيّات خيريّة، مشاركته من حيث التزامه بدفع الزكاة. وبالمثل، قدّر شاب مسيحيّ عمله، وهو متطوّع في مشغل المنارة منذ عام 1997، كرسالة دينيّة ذات “أهداف روحيّة”. لقد أصبح مناصرو المنظّمات غير الحكوميّة التنمويّة منخرطين في العمل الخيريّ بسبب “الإيثار” والإيمان بالتقدّم؛ أما الفاعلون الخيريّون، الذين يحملون بداهة “حِملاً” سياسيّاً موالياً، فمن الممكن أنّهم شعروا بالحاجة إلى وجوب ردّ الحسنات السياسيّة للنظام لمساعدتهم في سياسة الإسناد. وقد كان وجود قواعد اجتماعيّة مختلفة للجمعيّات الخيريّة والمنظّمات التنمويّة، والتزامها بنماذج معرّفة ذاتيّاً مختلفة، أنّه عزّز بروز انقسامات معيّنة في المجتمع المدنيّ السوريّ. لكن أنشطتها لم تكن مع ذلك متنافية بالضرورة، إذ كان بعض المستثمرين المنخرطين في المسؤوليّة الاجتماعيّة للشركات نشطين أيضاً في هياكل خيريّة.
كما تجدر الإشارة إلى اختلاف أساسيّ ثالث بين الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً، وهو غياب الشبكات الرسميّة والمؤسّساتيّة الرابطة بين مختلف المشاريع الخيريّة، حيث يوجد اتحادان فقط، تابعان لدمشق وحلب، يربطان بعض الجمعيّات الخيريّة الموجود في المدينتين من خلال تقديم مشاريع مشتركة (على غرار صندوق العافية المذكور سالفاً). وتوجد طريقتان لتفسير ذلك التشظي. فمن ناحية، كان ذلك نتيجة طبيعيّة للتنافس المعتاد بين مختلف الفاعلين الجمعيّاتيّين لجذب المتبرّعين والأعضاء والمنتفعين، ولكسب المصداقيّة والهيبة. تلاحظ سينغر: “يمكن للمنافسة في المساعي الخيريّة أن تكون شعواء على غرار أي طريق آخر للسلطة والمجد، لأنّ الإحسان يساهم بطريقة مباشرة في تعزيز السمعة والمكانة والشرعيّة”. ومن ناحية ثانية، يمكن تفسير ذلك باستراتيجيّة “فرّق تسد” التي يتبعها النّظام، والتي حاولت تعميق المنافسة القائمة و”كسر الروابط الخطرة. وفي المحصّلة، بقيت شبكات الجمعيّات الخيريّة غير رسميّة ومبنيّة في الأغلب على أواصر سابقة مثل العائلة، والحيّ، والجماعة، والدين.وفي المقابل، وجد تنسيق أوثق بكثير بين المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً. وينطبق ذلك خاصّة على الفترة الموالية لعام 2007، أي مع إنشاء الأمانة وإطلاق ما سميّ منصّة المنظّمات غير الحكوميّة. وقد تولى قسم الأبحاث في الأمانة بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة والعمل وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائيّ إطلاق البرنامج. وقد تمثّل هدفه في تحفيز أوجه التآزر النشاطي بين المنظّمات غير الحكوميّة ومواءمتها، إلى حدّ ما، مع المثال الذي تجسّده الأمانة. وقد شارك عدد قليل من الجمعيّات الخيريّة في المنصّة، مثل مؤسّسة حماية الأسرة وجمعيّة الإسراء الخيريّة، فيما شاركت أغلب المنظّمات غير الحكومية الموالية والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّا؛ وتكون بذلك قد قامت بالقليل من أجل تجاوز تشظّي الجمعيّات الخيريّة وقرّبت أكثر بالمقابل بين المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّا. وعلاوة على ما سبق، ساعدت درجة المأسسة العالية للمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّا في اكتساب إشهار أوسع لها – وكذلك لسياسات التحديث التي يتبعها النظام – وفي جذب تمويل عالميّ. وقد ساعدتها مأسستها في التعاون والتنسيق مع مؤسّسات الدولة – رغم أنّه يمكن القول أنّ علاقة الأمانة الحميميّة بالمستويات العليا من السّلطة ذات حجم أكبر من أيّ اعتراف رسميّ: “من يرغب في قول لا للسّيدة الأولى؟”
وتتعلّق النقطة الرابعة والأخيرة من المقارنة بمسألة الحضور والإشهار الضعيف للجمعيّات الخيريّة السوريّة. وفي الواقع، فقد مثّل الإشهار المحدود لأنشطتها جزءاً من استراتيجيّتها. ورغم أنّ درجة الحضور تختلف باختلاف الوضع القانونيّ للجمعيّة والهيبة والموارد والعلاقات مع السّلطات، فقد بحث القائمون على الجمعيّات الخيريّة بصفة عامّة عن التحفّظ خارج الجماعة أو الشّبكات الساندة لها. فقد كان استعمالها للأنترنت مثلاً مقيّداً. ويمكن اعتبار تجنّبها لفت الأنظار شكلاً عقلانيّاً للرقابة الذاتيّة وآلية دفاعٍ ذاتيّ في سياق نظام سلطويّ ينظر فيه لمن له حضور قويّ كعدوّ محتمل. لكن حضورها الضّعيف كان يوازن بالجانب الشّعبيّ القاعديّ لعملها، على غرار قربها من الجماعات المحليّة، وبنائها لزبونيّةٍ وفيّة، وانخراطها في الشبكات الاجتماعيّة غير الرسميّة.
أما مقاربة العلاقات العامّة التي استخدمتها المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّا، سعياً وراء الحضور العالميّ كمصدر للشرعيّة والتمويل، فقد كانت في تباين مع مقاربة الجمعيّات الخيريّة. وبالفعل، فقد تميّزت المنظّمات المؤسّسة بمبادرة من النظام بتغطية إعلاميّة عالية التأثير مبنيّة على إعلانات محترفة، وظهور متجدّد على الإنترنت، وإحالات متكرّرة على شركائهم العالميّين المشهورين. ومن الملاحظ أنّ التغطية الإعلاميّة لم تكن في المقام الأوّل ضمن إطار “الدعاية الرسميّة” بل شدّدت بالأحرى على المعايير المهنيّة العالميّة. وتوّجت الحملة من أجل صورة الأمانة في الندوة الدوليّة من أجل التنمية في جانفي/ كانون الثاني عام 2010، والتي أظهرت الخطب الرئيسة للسيّدة الأولى والعديد من خبراء التنمية المشهورين دولياً وحضرها العديد من المسؤولين الحكوميّين رفيعي المستوى. ومن الجدير بالذكر أنّ تركيز الحملة الإعلاميّة بصفة أساسيّة على الإعلام العالميّ أو إعلام الطبقة الوسطى العليا – الإنكليزيّ في أغلبه، وليس العربيّ- لم يوجّه إلى السوريّين الأشد فقراً الذي لم يعرفوا الأمانة وخدماتها في أحيان كثيرة لكنهم كانوا معتادين بالجمعيّات الخيريّة النشطة في أحيائهم وجماعاتهم الدينيّة.
ومع ذلك، ورغم الفروقات الضخمة بين هذين الصنفين من المنظّمات، فإنّه توجد كذلك بعض التقاربات بينهما. فقد بدأت بعض الجمعيّات الخيريّة، وشجّعها في ذلك نجاح المنظّمات غير الحكوميّة التنمويّة، في توسيع مناطق مسؤوليتها نحو أنشطة تنمويّة، وأضحت باطّراد “منظّمات هجينة”. وبالمثل، بدأت المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً، في سنوات 2008-2010، تدرك أنّ طاقمها الإداريّ شديد “النخبويّة”، وعملت على انتداب طاقم “أقرب إلى الواقع” وله معرفة محليّة أعمق، وعلاقات اتّصال على مستوى المجتمع المحليّ. إلاّ أنّ الانقسام في المقاربات بين الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً بقي شديداً، مع تمثيل الأخيرة للقسم الموالي للنظام، المروّج له رسميّاً بأنّه المجتمع المدنيّ. ٢. دور العطاء الخيريّ في فهم سياسة فرّق تسد السلطويّةغدت الاختلافات بين الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً المبيّنة في القسم السابق أكثر بروزاً من خلال خطابٍ كوني ميّز بين ثلاثة أجيال من المنظّمات غير الحكوميّة التي تعايشت في سوريا في سنوات الألفين: “جيل أوّل” من الجمعيّات الخيريّة يوفّر مساعدة ورعاية فوريّة للمحتاجين؛ و”جيل ثانٍ” من المنظّمات غير الحكوميّة التنمويّة يسعى إلى توفير مشاريع مستدامة وطويلة المدى؛ و”جيل ثالث” من المنظّمات غير الحكوميّة الدفاعيّة. وقد تبنّى الإعلام السوريّ الناطق بالإنكليزيّة ومحترفو التنمية هذا التمييز المقبول على نطاق واسع. وروّج التمييز بين ثلاثة أجيال من المنظّمات غير الحكوميّة، في السياق السوريّ، لوجود تراتبيّة لمختلف أصناف الجمعيّات، وحظي بتأثير جانبيّ سياسيّ تمثّل في التحيّز لصالح النظام السلطويّ.
في النسخة المسيّسة من خطاب “الأجيال الثلاثة”، مثّلت المنظّمات الخيريّة والتنمويّة والدفاعيّة، ثلاثة مستويات من المنظّمات غير الحكوميّة ذات أدوار وقيم مختلفة: وفّر “الجيل الأوّل”، ممثّلاً في الجمعيّات الخيريّة، الرعاية لكنّه افتقد الرؤية الكونيّة الأكثر نجاعة ومسؤوليّة وبُعدَ مدى، والاستدامة التي نجدها عند المنظّمات التنمويّة من “الجيل الثاني”. وفي ذات الوقت، بقيت منظّمات “الجيل الثالث” مُقصاةً، لأسباب سياسيّة، من الخطاب الرسميّ المروّج للشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ. وبهذا، تمّ التهوين من أهميّة الخدمات الاجتماعيّة للجمعيّات الخيريّة –رغم أنّها أكثر شمولاً، وفي متناول مجموعة أوسع من الناس، ولذلك فهي على درجة عالية من الأهميّة في إغاثة الفقراء- حيث تمّ تقديم عمل المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً على أنّه الأكثر مهنيّة ومنهجيّة، وهو بالتالي أساسيّ لحلّ مشاكل سوريا. وقد تقيّد جزءٌ معتبر من الموظفين المستجوبين من العاملين في المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً بهذه الرؤية، وساهموا في الترويج لتلك “التراتبيّة” المتصوّرة في مجال المجتمع المدنيّ، وإن كان ذلك في بعض الأحيان بطريقة لاواعية. وكمثالٍ على ذلك، أشار أحد كبار الموظفين في “مسار” إلى أنّ: “المجتمع المدنيّ تدعمه مؤسّسات، ليس فقط كمنظّمات خيريّة، بل كمنظّمات تنمويّة. لذلك نحن بصدد التحوّل… من عقليّة الأعمال الخيريّة إلى عقليّة التنمية، وهي أكثر استدامة. والأمانة السوريّة هي إحدى المنظّمات غير الحكوميّة الرائدة العاملة على تعزيز ذلك الصّنف من أدوار المنظّمات غير الحكوميّة” 82. وقد كان العائدون من أصحاب الشهادات الجامعيّة الأجنبيّة بالخصوص سريعي التأثّر بذاك الخطاب التنموي التمييزي. وعلى سبيل الذكر، فقد صرّح لنا أحد الفاعلين الخيريّين، وهو متعلّم في الولايات المتحدة، بإيمانه “أنّه ساعد هو وأمثاله كثيراً قطاع المنظّمات غير الحكوميّة. وبما أنّنا فهمنا دور المنظّمات غير الحكوميّة، ودور العمل الخيريّ، فإنّ دور القطاع ليس خيريّاً بل هو تنمويّاً” وقد يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو لمس ذلك الخطاب لوتر حسّاس عند أفراد علمانيّين قلقين من إمكانيّة اكتساب أقسام متديّنة من المجتمع لنفوذ سياسيّ (84). ورغم عدم تطابق ذلك الإحساس مع الطموحات والارتباطات السياسيّة المنخفضة للجمعيّات الخيريّة السوريّة، فقد كان منسجماً مع العلمانيّة المروّجة رسمياً من قبل النظام البعثيّ. وتبعاً للمصادر المتوفّرة، لم يعزّز النظام ذلك الفهم الخاطئ، كما لم يتصدّ له بشكل نشط، ولم يستغلّ ذلك الخوف المبهم من الإسلامويّة إلاّ بعد عام 2011 حين بدأ النظام يروّج أنّ الانقسامات الطائفيّة هي ما يقف وراء الانتفاضة.ومن زاوية نظر المؤسّسة الحاكمة السلطويّة، ساهمت المنظّمات غير الحكوميّة المؤسّسة بمبادرة من النظام والمدعومة من قبله، إضافة إلى التفسير الحكميّ لخطاب “الأجيال الثلاثة”، في تعديل الكفّة تجاه الأهميّة المتصاعدة للجمعيّات الخيريّة: فقد احتاجت الدولة، في مسعاها إلى تخفيض الإنفاق الحكوميّ، للبناء على خبرات الجمعيّات الخيريّة القائمة، لكن دون مساعدة قادتها على توسيع تأثيرهم أكثر مما يجب بما قد يتحدّى سلطتها. وقد أتاح إبراز اختلافاتها والتنافس القائم بينها في الحقل الجمعيّاتي، المجال لاستراتيجيّة “فرّق تسد”. وعلى نحوٍ مفارق، لم يستطع النظام أن يدعم علناً سرديّة “الأجيال الثلاثة” التمييزيّة نظراً لاعتماده على توفير الجمعيّات الخيريّة للرعاية الاجتماعيّة. وانخرط مسؤولو النظام فيها على نحو غير مباشر وبحذر، وذلك مثلاً من خلال ملاحظة أنّ الجمعيّات الخيريّة تمثّل تقليداً سوريّاً مهمّاً جدّاً، ومن ثمّة التأكيد على أهميّة المنظّمات غير الحكوميّة التنمويّة الجديدة. هذا فيما كان المهنيّون العاملون في منظّمات تنمويّة أكثر صراحة في هذا الصدد، كما توضّح الاقتباسات السابقة، ونحن نكاد نقول إنّ إشاعة ذلك الخطاب فُوّضت أيضاً إلى طواقم المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً.
وبالإجمال، كان المجتمع السوريّ قبل الثورة شديد التجزّؤ، لا فقط بين المجتمع المدنيّ –وهو مصطلح يدلّ على المنظّمات المستقلّة والتي تمثّل، من وجهة نظر النظام، خطراً تخريبيّاً محتملاً- والمجتمع الأهليّ (وهو يدلّ في سوريا على المجتمع المدنيّ غير المثير للجدل) الذي يحمل أجندة غير سياسيّة ومحض اجتماعيّة . وكما أوضحنا، وُجد أيضاً انقسامٌ ضمن المجتمع الأهليّ (أي المجتمع المدنيّ الذي تحدثّنا عنه في هذا المقال)، بين المنظّمات التنمويّة حديثة التأسيس، والجمعيّات الخيريّة التقليديّة الأكثر استقلاليّة. وبالتالي، ورغم البلاغة الأكثر شمولاً وليبراليّة، وحتى مع التخليّ عن العقد الاجتماعيّ القديم، استمرّ النظام السياسيّ السلطويّ في التحكّم في طريقة انتظام الجمعيّات الخيريّة والمنظّمات غير الحكوميّة ونشاطها في المجتمع.
خلاصة
تُبيّن التحوّلات الاجتماعيّة السياسيّة في سوريا بشّار الأسد التي بحثناها في هذا المقال – أي نموّ الحقل الجمعيّاتيّ كنتيجة للعلاقات المتغيّرة بين الدولة والمجتمع، واللّبرلة الاقتصاديّة الجزئيّة، وإسناد المسؤوليّة الاجتماعيّة- أنّ العقد الاجتماعيّ الضمنيّ والشامل، الذي أنشئ بين النظام السوريّ وقوى اجتماعيّة مختلفة منذ ما يقرب من خمسة عقود، خضع لإعادة تفاوض وتعريف كبيرين.
ففي سوريا حافظ الأسد، ركّزت الجهود السياسيّة على تنمية المناطق الريفيّة ومؤسّسات القطاع العامّ، إضافة إلى تحسين ظروف عيش الفلاحين والعمال. ورغم تعاون الأسد الأب مع التجار أكثر من أسلافه البعثيّين الأكثر جذريّة في الستينات، فإنّه لم يهمّش قطّ المكوّنات الشعبيّة بالدرجة التي همّشها بها بشّار. لقد قلّص حافظ الأسد بالفعل من أهميّة العقد الاجتماعيّ، خاصّة خلال الأعوام الأخيرة من حكمه، لكن حكم ابنه شهد محاولات لتشكيل عقد اجتماعيّ جديد، كما يتجلّى في الخطّة الخمسيّة العاشرة. كما عرفت السياسات والخطابات المستخدمة تغيّراً ملموساً، إذ انتقل التركيز نحو المدن السوريّة الرئيسيّة، دمشق وحلب، ونحو القطاع الخاصّ. كما تمّ تبنّي مقاربة أكثر انتقائيّة تفضّل الشرائح البرجوازيّة والطبقة الوسطى العليا، وحاولت الدولة استمالة المستثمرين والمهنيّين والفاعلين في المجتمع المدنيّ من خلال خطاب “المسؤوليّة الاجتماعيّة”، و”المشاركة”، و”الشراكة”، فيما وقع طرح المنظّمات المهنيّة القديمة جانباً وتقزيمها في مواجهة المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً التابعة للسيّدة الأولى –وأساساً الأمانة- التي لم تتمكّن، رغم نجاحها، من ملء الفراغ.
من منظورٍ مقارن، توجد العديد من التشابهات بين تملّق أسماء الأسد الذاتيّ كحاملةٍ لمشعل المجتمع المدنيّ السوريّ، وبين طموح الملك فاروق في الأربعينات لأن يصبح “مركز مشاريع خيريّة متعدّدة”. لقد طمح كلاهما إلى استخدام الحقل الجمعيّاتيّ لتقديم صورة إيجابيّة عن النظام السياسيّ القائم وإضفاء شرعيّة عليه، وفشل كلاهما. وعلى نحوٍ مشابه، كانت سوزان مبارك في مصر نَشِطةً في العمل الخيريّ، لكنّها لم تتمكن من تعديل الاختلالات الاجتماعيّة أو التخفيف من حنق الشعب تجاه زوجها. وفي تونس، لم يكن صندوق التضامن الوطني (أنشأه بن علي عام 1992) أكثر نجاحاً في تخفيف المشاكل الاجتماعيّة الاقتصاديّة التي ستؤدي إلى تفجّر “ثورة الياسمين”. أما إذا ما كان العمل الخيريّ المكثّف للملكة رانيا في الأردن، أو المبادرة الوطنيّة للتنمية البشريّة التي أسسها محمد السادس ملك المغرب في عام 2005، أكثر نجاحاً بالنظر لاستمرار الأنظمة الملكيّة السلطويّة في البقاء، فإنّ ذلك يبقى مثار نقاش.
وإذا ما كان مراد النظام السوريّ استخدام النشاط الخيريّ بغية الفوز بقلوب وعقول أكبر عدد من الناس، فإنّه قد فشل في ذلك. فقد عكس توسّع الجمعيّات الخيريّة وتصديها لمسؤوليات جديدة، حتى إن لم يكن ذلك كافياً لتولي كامل عبء الخدمات الاجتماعيّة، إسناد وتصفية مسؤوليّة الدولة تجاه الفقراء. وكلّما ازداد توسّع دور الجمعيّات الخيريّة، كلما اتّضح تخلي النظام عن العقد الاجتماعيّ القديم؛ وحتى في حالة تمكّن الجمعيّات الخيريّة من تخفيف الفقر المتصاعد في سوريا، فإنّ تخلّي الدولة عن توفير الخدمات الاجتماعيّة كان واضحاً بحلول عام 2010. ورغم بقاء الدولة الفاعل المسيطر على إعادة التوزيع وتوفير الرعاية الاجتماعيّة، فإنّ الفاعلين غير الدولانيّين – أي القطاعين الخاصّ والجمعيّاتيّ- أضحيا مهمّين على نحو متزايد في ضمان النموّ الاقتصاديّ وتوفير الرعاية الاجتماعيّة لعدد متزايد من السكان المفقّرين.
لم تعن حقيقة ترحيب النظام السوريّ بالجمعيّات الخيريّة وفاعلين خيريّين آخرين ودعمه لهم أنّه صار أكثر اهتماماً بسياسة تلعب لصالح الفقراء. بل هي تعني، على عكس ذلك، أنّه اضحى أقلّ استعداداً للانخراط في توفير الرعاية، وكّلف بها فاعلين غير دولانيّين جديرين بالثقة، أي موالين له أو غير سياسيّين. وبالتالي، لا تستذكر فقط المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً، حديثة العهد والمظهر، عند الحديث عن “تحديث سلطويّ” يظهر كلاً من التحوّلات المهمّة للمجتمع السوريّ ومحاولات النظام للحفاظ على غطاءٍ مغلق حول السياسة. وبكلام أشدّ تركيزاً، يمكن القول بأنّ التطوّرات في القطاع الخيريّ “التقليديّ” عكست تغيّرات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة عميقة غذّت الاستياء الشعبيّ وساعدت في إثارة الانتفاضة، التي بدأت سلميّة، ثم متحدّية، وأصبحت في النهاية عنيفة. وبهذا المعنى، لم يتولّ بشّار وأسماء الأسد “إدارة فقراء” سوريا، فقد تداعى العقد الاجتماعيّ القديم وتُرك الفقراء في الأغلب خارج مبادرات المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً الجديدة. ولم تستطع سياسة “فرّق تسد” بين “الجيلين الأوّل والثاني” من المنظّمات غير الحكوميّة إخفاء ذلك، بل أكّدت نخبويّة المنظّمات غير الحكوميّة المنظّمة حكوميّاً.
وهكذا، فإنّ الانتفاضة السوريّة التي بدأت في مارس/ آذار عام 2011 تشير إلى أنّ فسخ العقد الاجتماعي القديم خطأ قاتل ارتكبه النظام. وقد بدا عند بداية الانتفاضات العربيّة أنّ القيادة السوريّة مدركة، على الأقلّ إلى درجة ما، أنّ سياساتها النيوليبراليّة والإسناديّة قد جاوزت مداها، وانطلقت في “إنعاش” العقد الاجتماعيّ القديم. فعلى سبيل المثال، أطلق في فيفري/ شباط عام 2011 الصندوق الوطنيّ للمعونة الاجتماعيّة الذي طال انتظاره، وتمثّل هدفه في “حماية الأفراد والأسر المستهدفة ورعايتها من خلال تقديم معونات دوريّة أو طارئة” من أجل “تمكين المستفيدين اقتصاديّاً واجتماعيّاً وصحيّاً وتعليميّاً”، و”تعزيز تنمية رأس المال البشري والاستثمار فيه”
كما رفعت الحكومة أجور العاملين في الدولة، ووعدت بمزيد الترفيع في التعويضات. إضافةً إلى ذلك، تم إقالة عبد الله الدردري، المهندس الرئيسيّ للخطة الخمسيّة العاشرة، من منصبه المؤثّر كنائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصاديّة، ووقع إعادة الاعتبار للزراعة كأهمّ قطاع اقتصاديّ . لكنّ ما اتّضح أنّ تلك الاجراءات – المقترنة بقمعٍ بلا هوادة- كانت “ضئيلة جدّاً، ومتأخّرة جدّاً”. لقد جرفت الإجراءات الإقصائيّة لسنوات الألفين صميم العلاقات بين الدولة والمجتمع في سوريا وغيَّرتها، وهو ما سعت هذه الورقة إلى توضيحه من خلال تبني منظور الجمعيّات الخيريّة. اقرا: (الحاكم المشترك) للحسكة يدعو (بشار الأسد) للاطلاع على تجربة الإدارة الذاتيةTags: محرر