أحمد طلب الناصر: التعليم السوري في تركيا… فوق الطاولة.. تحت المزراب!

أحمد طلب الناصر: كلنا شركاء

بلغ عدد السوريين المتواجدين في تركيا منذ أول قافلة دخلت إليها أواخر العام 2011 حتى اللحظة ما يقارب 3 مليون لاجئ، منهم 950 ألفاً تتراوح اعمارهم بين السادسة والتاسعة عشر، ثلثاهم خارج المدارس أو مراكز التعليم السورية المؤقتة حسب تقرير صادر عن وزارة التربية التركية.

ونظراً لذلك قامت الوزارة المذكورة بإصدار العديد من الخطط والقرارات خلال عطلة الصيف الأخيرة من شأنها، على حدّ وصفها، تطوير ودفع العملية التعليمية المتعلّقة باللاجئين السوريين نحو استيعاب أكبر عدد ممكن من الطلاب إضافة إلى ضبط الكادر التربوي والتعليمي السوري ليتناسب مع تلك الأعداد ومراكز التعليم المؤقتة. إلا أن بعض تلك القرارات اصطدمت بآراء ورؤى السوريين من طلاب وأهالي ومعلّمين. فالبعض منهم عارضها بشدّة، والبعض أيّدها، وآخر آثر الصمت والترقّب متمثلاً مقولة “ما باليد حيلة”.

دمج الطلاب السوريين بالمدارس التركية:

أصدرت وزارة التربية التركية قراراً بدمج طلاب الصف الأول الابتدائي بالمدارس الحكومية التركية ومنعت مراكز التعليم السورية من تسجيلهم لديها. إضافة إلى طلاب الصفّين الخامس والتاسع، وتدريسهم في مدارس “إمام وخطيب” الموزّعة في المدن التركية. إلا أنها تراجعت عن إلزام طلاب الصفّين الأخيرين في التسجيل فيها وجعلها لمن يرغب. وكان لخطوة دمج الصف الأول وقعها الصادم على المراكز المؤقتة من جهة، وخاصة الربحية منها نظراً لكثافة أعداد المسجّلين من طلاب الصف الأول. وعلى المعلمين والمعلمات من حملة شهادة التربية من جهة ثانية لانخفاض فرصهم في العمل لدى المراكز. ومن جهة أخرى على جزء يسير من السوريين عامة، حيث اعتبروا ذلك القرار مجحفاً بحقهم في تعليم أبنائهم بلغتهم الأم وثقافتهم السورية، والخوف عليها من الضعف والاضمحلال مستقبلاً.

وبذات الوقت، استُقبل هذا القرار بالترحيب من قِبل الأهالي، وخاصة ذوي الدخل المحدود منهم، نظراً لمجانية التعليم في المدارس التركية وعدم تمكنهم من دفع أقساط المراكز السورية، والتسريع بتعلّم لغة الدولة التي يعيشون فوق أراضيها إضافة للغتهم الأم، والحصول على الشهادة التركية التي تتيح لأبنائهم الدراسة في جامعاتها ودول العالم مستقبلاً.

وبهذا الصدد يقول الأستاذ “عبدالله.م”، وهو معلّم وأب لطالب في الأول الابتدائي، معرباً في البداية عن ارتياحه من تلك الخطوة فيقول: “باعتقادي يوجد الكثير من العوامل المشتركة بيننا وبين المجتمع التركي، كعامل الدين مثلاً وجزء من التاريخ، إضافة إلى أن اللغة التركية يتخللها العديد من المصطلحات العربية وبالعكس. ثم أن اللغة العربية من الصعب نسيانها أو انقراضها فهي لغتنا الأصل والتي نزل بها القرآن الكريم وحافظ عليها منذ 1400 عام وإلى الأبد لأنه مرجعيتنا الدينية. فلا ضير إن تعلّم ابني اللغة التركية التي نفتقر إلى تعلمها والتي ستؤهله لنيل الشهادة في المستقبل إن طال بنا أمد المكوث في تركيا لا سمح الله”. لكنه عبّر أيضاً عن عدم ارتياحه وتخوفه حين استطرد: “.. وبرغم ذلك أنا قلق على فرصتي في التدريس العام القادم وكذلك زوجتي المعلمة في المرحلة الابتدائية. ولا نعلم حتى الساعة ما تخبئه الأيام القادمة”.

إغلاق مراكز التعليم السورية المؤقتة:

تزامن إنشاء مراكز التعليم المؤقت مع إنشاء مخيمات السوريين وتوزُّع قسم منهم في المدن الحدودية التركية في البداية، ثم امتدّ منذ بداية العام الدراسي 2012-2013 ليشمل معظم الولايات التركية التي استقر فيها السوريون. وتم توقيع العديد من “البروتوكولات” بين التربية التركية والمنظمات الداعمة لمراكز التعليم والسماح لها بإنشائها كمراكز مجانية للطلاب السوريين، وتطوّعية بالنسبة للمعلمين والكوادر الإدارية.

إلا أن تلك المراكز، وخاصة في المدن الكبرى كإسطنبول وأنقرة ومرسين مثلاً، تجاوزت شرط مجانية التعليم وتحوّلت بعضها إلى مؤسسات تعليمية ربحية ذات أقساط سنوية للطلاب متفاوتة القيمة، مبررة ذلك بارتفاع آجار البناء المدرسي ودفع الأجور للمعلّمين.

ورغم علم ومعرفة التربية التركية بتجاوز المراكز ذلك الشرط، إلا أنها آثرت المراقبة واستمرار عمل المراكز على ذلك النحو حرصاً منها على مصلحة الطلاب السوريين وعمل المعلّمين، خاصة وأن أطراف المؤسسة الثلاثة، الإدارة والمعلمين وأهالي الطلاب، متفقون فيما بينهم وراضون بذلك. وأيضاً لوجود العديد من المراكز الأخرى التي استمرت بالعمل بكل إخلاص وتفانٍ رغم إمكاناتها المادية المتواضعة ودعمها الذاتي.

إلا أن ذلك الرضا بدأ بالتحوّل شيئاً فشيئاً إلى صدامات وشكاوى بين بعض الإدارات من جهة، والمعلمين والأهالي من جهة أخرى. ووصلت الخلافات إلى أوجها حين تبنّت منظمة اليونسيف عملية دفع أجور المعلمين السوريين المتطوعين في المراكز المؤقتة كافة بدءاً من الشهر الأول للعام الدراسي 2015-2016. حيث قامت تلك الإدارات بخصم مبلغ “900” ليرة تركية من المعلّم السوري، وهو مقدار الأجر الممنوح من اليونسيف، مع استمرارها بمطالبة الطلاب بدفع الأقساط.

ومع اشتداد تذمّر المعلم من إجراء اقتطاع الأجر، الذي رآه من حقّه. وسخط الأهالي من استمرار دفع الأقساط للمراكز رغم دفع اليونسيف للرواتب. وبسبب القرارات التعسفية التي طالت الكوادر التعليمية من فصل وطرد وعدم رفع الإدارة لأسماء بعض المعلمين في قوائم رواتب اليونسيف. ولأسباب فرعية أخرى.. جاء قرار التربية التركية بإغلاق مراكز التعليم المؤقتة الحديثة، وعدم التمديد للقديمة وإنهاء عملها بمجرد انتهاء الفترة المتفق عليها في البروتوكول الموقع معها، وتحويل جميع الطلاب السوريين إلى أبنية المدارس الحكومية التركية للدوام فيها بُعيد انصراف طلابها الأتراك ظهراً، والتوقف عن إنشاء مراكز أخرى، والعمل ضمن خطة “مدارس التعليم مدى الحياة” أسوة بالطلاب الأتراك. وقد رسمت التربية التركية خارطة طريق تنفيذ تلك الخطة ضمن زمن تقديري يستمر لنحو 3 سنوات وتشمل، إضافة لما سبق، تأمين وانتقاء وتأهيل المعلم السوري للالتحاق بتلك المدارس.

المعلم السوري، ودورة التأهيل التربوي:

بعد تفرّد منظمة اليونسيف بدفع رواتب المعلمين السوريين العاملين، أكدت التربية التركية مؤخراً، وفي أكثر من مناسبة واجتماع، أن اليونسيف هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن دفع أجور المعلمين بأي مدرسة سورية على الأراضي التركية، وبالتالي سيكون للمنظمة، بالتعاون مع التربية التركية، الحق في تأهيل الكوادر التعليمية، التي ستشرف على إدارتها وتعيينها التربية التركية من خلال المدراء (المنسّقين) الأتراك الذين تم البدء بتوزيعهم منذ السنة الفائتة على المراكز المؤقتة في كامل تركيا، والذين سيشرفون على تعيين المعلمين السوريين فيها ابتداءً من العام الدراسي 2016-2017 بمعزل عن المدير السوري، وستكون له مسؤولية الارتباط بين المدرسة والتربية التركية ومنظمة اليونسيف.

وللتمكّن من تحديد وحصر فئة المعلمين السوريين المؤهلين للعمل داخل المدارس السورية وحصوله على مرتّب منظمة اليونسيف، ألزمت المنظمة كل من رغب بالتعيين في سلك التعليم بإتمام دورة تأهيل تربوية لمدة 10 أيام قبل انتهاء عطلة الصيف، يخضع في نهايتها لاختبار يؤهله لنيل شهادة إتمام الدورة. حيث اشترِط على كل متقدّم لوظيفة التعليم إرفاق تلك الشهادة مع الأوراق الثبوتية الأخرى كشهادة الجامعة وشهادات الخبرة وبطاقة الحماية المؤقتة “الكيملك”. وبعد الموافقة على تعيينه يتم رفع اسمه من قبل المنسّق التركي ثم التربية التركية إلى منظمة اليونسيف لصرف مرتّبه الشهري.

وعلى الرغم من الأهمية والحصانة التي منحتها الدورة، ودورها في تحديد الكادر التدريسي وضبطه، إلا أنها زادت من تخوّف وقلق حملة الشهادات الجامعية من المعلمين الأصلاء. ويعود ذلك إلى سببين، الأول منها: وجود معلمين ومعلمات من حملة الشهادة الثانوية فقط، وتم تعيينهم بواسطة أصحاب المدارس أو القائمين عليها، وبالتالي ستمنحهم الدورة حصانة ومكانة تفوق ما ستمنحها للجامعيين وخريجي المعاهد المتوسطة من المعلمين، وتساوي بينهم.

 أما الثاني: فيتعلّق بظاهرة الشهادات الجامعية المزوّرة التي انتشرت مؤخراً وبصورة مخيفة بين فئات مختلفة من السوريين الذين لم ينهوا تحصيلهم الجامعي أو ممّن يمتلكون قدرة جزئية على تعليم المواد النظرية كاللغة العربية والتربية الدينية، أو التعليم الصفّي للمراحل الابتدائية الذي لا يشترط التخصص الأكاديمي، وإنما يحتاج أو تحتاج صاحبة الشهادة المزورة إلى تخطّي مرحلة المقابلة الأولى للحصول على فرصتها في الوظيفة الدخيلة عليها.

وهنا، ارتفعت الأصوات المطالبة بكشف أصحاب الشهادات المزورة ومحاسبتهم وإبعادهم عن المؤسسة، لا سيما بعد اختلاط المعلمين ببعضهم خلال مرحلة الدورة التدريبية، واكتشاف مستويات متفاوتة من المعرفة والسلوك لدى البعض، ما عزّز نظرية اختراق الشهادات المزورة للمؤسسة. فتم اقتراح إنشاء لجنة مختصة تقوم بالتحقق من صحة وثائق المعلمين المسجلين في التربية ولدى اليونسيف. وقام بعض مندوبي التربية التركية بطمئنة المعلمين السوريين والتأكيد على إنشاء اللجنة المقترحة، التي لم ترَ النور بعد، رغم انطلاقة العام الدراسي في الولايات التركية.

والحال، ورغم كل ما تم وما سيتم إنجازه، فإن ملف التعليم السوري لا يزال يلفّه الغموض والتشويش، وتتقاذفه التكهنات والقرارات في ظل عدم وجود مؤسسة حقيقية فاعلة تمثله وترعى شؤونه. فمهما قدّمت له الدولة التركية المضيفة من حلول وحماية، حسب منظورها، سيظل بحاجة إلى كيان ثابت وقوي تستند عليه وتطرح رؤاه. فوزارة التربية التابعة للحكومة السورية المؤقتة مثلاً لم يُسجّل لها أي دور إيجابي يُذكر خلال المراحل التي مرّت بها المؤسسة التعليمية. والنقابة التي لا يعرفها ولم يسمع بها إلا أصحابها لم تتعب نفسها ولو بكتابة سطر توضيحي واحد عن هموم هذا الملف. والمنظمات الدولية التي افتتحت ودعمت المراكز المؤقتة، معظمها ساهم في تسريع فشلها. ولم يبقَ أمام المعلم والطالب السورييّن الآن سوى الترقّب وانتظار المجهول.

ومن يدري، ربما سيكون أجمل.. رغم القلق.





Tags: سلايد