كامل عباس: الحضارة والبيئة

كامل عباس: كلنا شركاء

ظّلت الطبيعة وما بداخلها من مكونات حية وغير حية في حالة استقرار تحققه عمليتان متعاكستان هما التنفس والتركيب الضوئي كما تشير المعادلة التالية التي تتم بالاتجاهين

سكاكر  + اوكسجين  ماء + غاز ثاني أوكسيد الكربون + طاقة 

C6H12O6 + 6O2  6CO2 + 6H2O + C

بفضل تلك العمليتان بقيت نسبة غاز ثاني اوكسيد الكربون ونسبة الأوكسجين في الطبيعة ثابتة تقريبا مما وفّر توازنا نسبيا لنمو وتطور الحياة بشكل اعتيادي وطبيعي, لكن دخولنا في مرحلة حضارية متقدمة قائمة على التصنيع بدأ بإخلال ذلك التوازن لتصبح كمية غاز الكربون المنطلقة من المعامل أكبر من قدرة الطبيعة على امتصاصه عن طريق التركيب الضوئي , ومع تقدم الحضارة وصلنا الى مانحن عليه من اخلال بالتوازن البيئي وما أفرزه من احتباس حراري وملوثات . انها ضريبة الحضارة , والذي ذاد منها تراجع الصراع بين الانسان والطبيعة الى المرتبة الثانية ليحتل الصراع بين الانسان واخيه الانسان المرتبة الأولى.

  علم البيئة يقول : ان تلك ضريبة للحضارة لا مفر منها, ولكن بإمكاننا جعل فاتورتها اقل  اذا استخدما وعينا وعلمنا بالاتجاه الايجابي واقتنعنا أننا جزء  منظومة الطبيعة كبقية الأنواع الكائنات الحية ولسنا سادتها او فوقها أومستقلين عنها .

الطريف في الأ مر ان الغرب الذي يعّد نفسه قائد الأوكسترا التقدمية العالمية, والذي  استلم زمام الحضارة منذ قرن أنواره هو الأكثر إخلالا من بقية الحضارات بهذا التوازن, وثقافته السائدة تعتبر الانسان سيدا للطبيعة وليس جزءا منها وينظر الى الطبيعة كحديقة خلفية لفيلاته الأنيقة يرتبها على هواه . تلك الثقافة تتجسد بشكل واضح في العهد القديم والجديد سواء صدر عن التوراة والانجيل. جاء في سفر التكوين مايلي

( وباركهما الله – الرجل والمرأة – وقال لهما : اثمروا وتكاثروا واملئوا الأرض وأخضعوها , تسلطوا على سمك البحر , وعلى طير السماء , وعلى كل حيوان يدب على الأرض , وقال الله : اني قد أعطيتكم عشب يبرز بزرا على وجه الأرض , وكل شجر فيه ثمر يبرز بزرا يكون لكم طعاما ) تكرر هذا المفهوم في الاصحاح الأول والثامن العشرين والتاسع والعشرين .

في حين تبدو ثقافة الشرق الموصوفة بالرجعية أقرب الى الانسجام مع التقدم والتطور منه في هذا المجال . ينظر التراث الشرقي للإنسان بكونه أحد مخلوقات الله تعالى وهو يمثل جزء من كل صادر عن الذات الالهية , والثقافة الشرقية تطلب من أتباعها احترام الحياة بأشكالها المتعددة .

يقول شري راماكريشنا أحد الفلاسفة الصينية القدماء ما يلي : ( ان الله ماثل في جميع الخلائق , فهو موجود حتى في النملة والفرق يقتصر على التعبير

كما يقول الفيلسوف الياباني زن – الله في كل شيء وكل شيء في الله وعلى الانسان ان يحترم العالم الحي من واقع وحدة جميع المخلوقات , وهكذا هي الديانة البوذية والهندوسية وكل ديانات الشرق .

انقل هنا بأمانة لوحة عشتها في طفولتي داخل قريتي منتصف الخمسينات من القرن الماضي, التي شهدت صراعا آنذاك بين من كانوا يعتبرون أنفسهم شبابا تقدميين متأثرين بالفكر الغربي والاشتراكي معا , وبين معمرين مشايخ متزمتين كما كانوا يوصفون .

كان في القرية مشايخ صوفيين زاهدين بالحياة الدنيا, يرفضون حتى لبس النعال او تناول الطعام بملعقة نحاس , بل يصرون على الأكل بملعقة عود تصنع من خشب الطبيعة .

احتدم الجدل بين الشباب والشيوخ أكثر من مرة حول أعشاش العصافير في القرية . كنا نحن الصغار نفتش عليها ولا نتورع عن العبث بها وأكل فراخها , واذكر مرة أننا جئنا بفراخ قّبرة وبدأنا نلاعبها ونتسلى بها تحت شجرة التوت أمام البيت الترابي  قبل زبحها من اجل التهامها , في حين كانت ام تلك الفراخ تزقزق من أعلى الشجرة  وكأنها ترجونا رّد فراخها لها, تأثر قريبي الشيخ الصوفي من المنظر حتى كاد ان يبكي وهو يقول : ذلك حرام وسيحاسبكم الله على هذا الفعل : تلك ام تبكي أفراخها وعلينا ان نحترم حياتها وحياة أفراخها كمخلوقات مثل سائر مخلوقات الله تعالى . كان الشباب يستهزئون من تلك الرؤيا الرجعية حيث الانسان هو سيد الطبيعة بما يملك من عقل وكل المخلوقات الباقية تسير عبر غريزتها وهي أقل قيمة منه بكثير ويجب ان تُسّخر لخدمته .

غادرنا الشيخ ذلك اليوم وهو يلعن ويشتم الجيل الصاعد الذي لايحلل ولا يحرم وصّب جام غضبه على من يربي ألأطفال على العبث بكل مخلوقات الله سواء كانت حيوانا ام نباتا, مثل تناولنا لبراعم النباتات من أجل التلذذ بطعم نسغها الطري , وذلك الفعل يمنعها برأيه من ان تكمل دورتها المقررة من قبل الخالق لتعطي لنا ثمارا ناضجة .

أذكر ان النقاش احتدم مرة  بين الشباب والشيوخ  حول “الاتحاد السوفياتي العظيم” كان الشباب مبهورين بانجازاته الضخمة مثل تحويل مجارى الأنهار وإقامة السدود العملاقة  , وكان رأي الشيوخ يصر على ان تحويل مجاري الأنهار هو تعّدٍ على ارادة الخالق واعتراض على حكمته في الطبيعة ولا بد ان نلمس ضرر ذلك مهما طال الزمن .

قد يقول قائل : أليس الاتحاد السوفياتي من الشرق ؟ لقد فعل بالطبيعة أسوأ مما فعلته حضارة الغرب . أنا أعتقد أن روسيا لاتمثل حضارة الشرق بل هي اقرب للغرب وجزء من اوروبا , وتطورها يشبه تطور الغرب الذي أوصلنا الى الحضارة الاستهلاكية الحالية التي تهتم بمضاعفة رأسمالها أكثر بكثير مما تهتم  بالطبيعة والقيم الانسانية , مع فارق ان أوروبا جمعت راسمالها على قاعدة من الثروة الى السلطة , في حين جمع الأغنياء الروس أموالهم من نهب دولتهم , ولذلك هم اليوم يتصدرون الاعتداء على الطبيعة والبشر بما لديهم من أسلحة حديثة تنهش لحوم الأحياء بدون خجل, وهم الآن قدوة امريكا والغرب ورأسمال أغنياءها الفاسد يدعم الصعود الفاشي في امريكا وأوروبا .

ليس الأمر كذلك في مركز الحضارة الشرقية الصين, فالصين – رغم كل ما يوّجه من انتقادات صحيحة لنظامها البيرقراطي الفوقي المتنكر لحقوق الانسان –  منسجمة مع العولمة ومافيها من تأثر بثقافة وحضارة الجنس البشري أكثر من أمريك وروسيا, وهي تحاول غزو العالم عبر الاقتصاد وليس عبر القوة العارية كما تفعل أمريكا وروسيا,وهي أكثر استعدادا للتقيد بقوانين المجتمع الدولي التي تحد من الضرر بالبيئة , في حين يرى ترامب بان الاحتباس الحراري ليس سوى خدعة صينية ويرفع شعارا عنصريا وقحا هو امريكا أولا . اما بوتين  فقد استغل تلك التغيرات المناخية لزيادة رأسمال شركاته  ولذلك أعطى توجيهات لجيشه وآليته الضخمة للتوجه الى القطب الشمالي من اجل التنقيب عن الغاز والبترول في الأماكن التي انحسر الجليد عنها ؟!