الثروة الحيوانية في الغوطة الشرقية بين الواقع والحلول

الغوطة الشرقية-محمد ياسر: كلنا شركاء

عندما يذكر اسم الغوطة الشرقية يذكر جميع ما كانت تنتجه من محاصيل زراعية وألبان وأجبان ومشتقاتها، وغيرها الكثير من الصناعات التي احترف الأهالي العديد منها، بينما خسرت الثروة الحيوانية في الغوطة الشرقية حوالي 80 في المئة من أعدادها نتيجة المآسي التي مرت، ومازالت، على الناس والحجر وحتى الحيوانات.

وخلال حديثنا عن الثروة الحيوانية في الغوطة الشرقية، بحسب إحصاءات رسمية، أكد الطبيب البيطري “محمد فؤاد صبحية” أن تعداد رؤوس الأبقار الحلوب داخل الغوطة الشرقية بحسب إحصائية بداية العام 2010 بلغ حوالي 120 ألف بقرة حلوب، وعدد رؤوس الأغنام تجاوز 250 ألف رأس غنم في نفس العام، في حين خسر هذا القطاع ما يزيد عن 80 في المئة من تلك الأعداد نتيجة الأحداث التي عصفت بسوريا عموماً وبالغوطة الشرقية خصوصا.

وأشار إلى أن تعداد الأبقار في نهاية العام 2015 لم يتجاوز 2500 بقرة، فيما بلغ عدد الأغنام 12 ألف رأس غنم على أكثر تقدير، ويعود تدني الأعداد في القطاع الحيواني، بحسب الطبيب “صبحية”، إلى عدة أسباب، أبرزها فقدان التغذية للمواشي نتيجة فقدان العلف وغلاء سعره بشكل كبير جدا، وانتشار الأمراض وصعوبة تأمين الأدوية البيطرية، فضلاً عن غلاء سعرها إن وجدت، فيما يرجع السبب الرئيس لفقدان الثروة الحيوانية في الغوطة الشرقية إلى فقدان المراعي الخضراء التي لها الدور البارز في التغذية، نتيجة القصف والتدمير وحركات نزوح الأهالي المتزايدة.

وفي ضوء كل ما سبق ذكره من خسارات متتالية ومخيفة، يسعى بعض الناشطين في العمل الإغاثي إلى ترميم هذا الجانب المهم والفعال في الغوطة الشرقية.

وأثناء زيارتنا لأحد مزارع تربية الأبقار داخل الغوطة الشرقية، تحدث إلينا “عصام حسن عدس” عن وضعه في تربية الأبقار قبيل الثورة بقليل وبعدها، حيث قال إنه كان يملك ما يزيد عن 50 رأس بقر حلوب ينتج يومياً أكثر من طن حليب، وأصبح الآن يمتلك فقط بقرة واحدة.

وتأتي هذه الخسارة، بحسب “عدس”، نتيجة زيادة أسعار العلف بشكل مخيف جداً خلال السنتين الماضيتين، ولا سيما الأيام التي احتاج فيها الأهالي المحاصرين لطحن علف الأبقار، نتيجة الحصار الخانق، فكان يبيع بقرتين كل شهر ليشتري بثمنهما الأعلاف ليطعم بقية الأبقار، وهكذا حتى بقي لديه بقرة واحدة، حصل عليها مجاناً من إحدى المؤسسات التي تقوم بتوزيع الأبقار على الفلاحين الذين خسروا ثروتهم الحيوانية.

وللوقوف بشكل أكبر على طرق معالجة هذه الخسائر المتزايدة، تقوم العديد من المؤسسات داخل الغوطة الشرقية بالعمل الإغاثي ضمن النمط غير التقليدي الذي شهدته الساحة السورية في هذا المجال، إذ أن المجال التنموي والمشاريع الصغيرة تعد من أهم الأسباب التي تجعل المجتمعات الضعيفة تستعيد عافيتها بعد الانهيار في مختلف المجالات، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو حتى الإغاثية.

ولعل من أبرز الأسباب التي ساهمت في نجاح مثل تلك المشاريع هو امتلاك الغوطة الشرقية للعديد من الأراضي الخصبة والبيئة المناسبة للزراعة وتربية المواشي والدواجن.

والتقينا أحد الناشطين في العمل الإغاثي للحديث عن الطرق التي يجب العمل عليها لإنقاذ ما تبقى من الثروة الحيوانية داخل الغوطة الشرقية، حيث أكد لنا “فراس المرحوم” مدير مكتب هيئة الإغاثة الإنسانية الدولية (IHR) في الغوطة الشرقية أن هدف وسياسة الهيئة في مشاريعها التي بدأت العمل عليها في غوطة دمشق الشرقية منذ أكثر من عامين هو الانتقال من النمط التقليدي في العمل الإغاثي والإنساني إلى مشاريع نوعية وتنموية، تسهم في بناء المجتمع و إيجاد فرص عمل، من خلال تقديم مشاريع صغيرة لعامة الناس، كل حسب طبيعة العمل الذي يمكنه أن يقوم به، وبحكم طبيعة الغوطة الشرقية وتميزها بالقطاع الزراعي والحيواني، يمكن أن يحقق الاكتفاء الغذائي لأهلها المحاصرين منذ سنوات، فكانت سياسة الهيئة في التركيز على مشاريع في هذين القطاعين للنهوض بهما نحو الأفضل، وإضافة لمشاريع الهيئة الأخرى التي تركز على الجوانب الخدمية لدعم المجتمعات المستضعفة، وتقديم أفضل ما يمكن لعامة الناس الذين ذاقوا الويلات من الحروب التي حلت ببلادهم.

وأضاف “المرحوم” بأن هيئة الإغاثة الإنسانية الدولية (IHR) في الغوطة الشرقية طرحت مشروع (بقرة خير)، الذي شمل منح 31 فلاحاً “بقرة حلوب” لكل منهم، مع كمية أعلاف تكفيها لمدة ثلاثة أشهر، فضلاً عن الرعاية البيطرية المجانية التي تقدمها الهيئة خلال فترة المشروع، ضمن سلسلة مشاريع بيطرية تم تنفيذها داخل الغوطة، حيث انتهت المرحلة الأولى من هذا المشروع بنهاية شهر نيسان/أبريل الماضي، ومع بداية شهر أيلول طرحت الهيئة منحاً بيطرية جديدة شملت 8 منح بدعم من مؤسسة الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية “راف”، وكانت الهيئة أيضاً قد طرحت منح أغنام تم توزيعها للأرامل في بلدتي الريحان والشيفونية، وتم بموجبها توزيع 237 رأس غنم.

وختم “المرحوم” بالقول: “إن الهيئة تطمح للمزيد من المشاريع الفاعلة والمميزة، وتعكف على تحقيق ذلك مستقبلاً من خلال الدراسات التي تجريها الفرق العاملة فيها بين الحين والآخر، مستعينة بالخبرات والكفاءات الموجودة في الغوطة، لتوسيع شريحة المستفيدين أكثر ما يمكن، وذلك للمساهمة برفع جزء من مأساة المدنيين الذين أنهكتهم الحرب”.

ولدى سؤالنا أحد المربين الحاصلين على بقرة من هذا المشروع، أكد السيد “هاني عبدو النعسان” أن البقرة التي حصل عليها كمنحة من هيئة الإغاثة الإنسانية الدولية (IHR) بالنسبة له تعتبر نواة لمشروع صغير، (بعد أن فقد جميع ما كان يملك من بقر نتيجة القصف)، من الممكن أن يبدأ به حتى يصل إلى الاكتفاء الذاتي له ولعائلته.

وتابع قائلاً: “هذا المشروع يساهم بشكل أساسي في دعم الثروة الحيوانية في الغوطة الشرقية من الانقراض، ولا سيما مع غلاء كافة المصاريف المالية اللازمة لتربية البكاكير، فضلاً عن أن هذا المشروع يسهم في تأمين دخل دائم للفلاحين”.

وفي نهاية المطاف يمكن القول إنه وعلى الرغم من عديد النشاطات التي تقوم فيها الهيئات والمنظمات الإغاثية والتنموية داخل الغوطة الشرقية، يبقى العجز موجوداً أمام ما يزيد عن 400 ألف يحتاجون إلى كل شيء.

اقرأ:

في اليوم العالمي للسلام… معرة النعمان تعايد أطفال العالم على طريقتها






Tags: محرر