الغارديان: تدمير سوريا سيكون ميراث أوباما

الغارديان: ترجمة صحيفة التقرير

ربما لم يتضح رسميًا أن وقف إطلاق النار في سوريا أصبح ملفًا ميتًا، ويتضاءل الأمل في استئنافه بسرعة، فبعد تدمير قافلة المساعدات بالقرب من حلب، عاد القتال مرة أخرى بكثافة وقامت الولايات المتحدة وروسيا بتبادل الاتهامات في الأمم المتحدة، ولكن في الواقع قد انهارت الدبلوماسية الأمريكية قبل هذه الأحداث الأخيرة.

وفي الأسبوع الماضي، أدلت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، سامانثا باور، ببيان غير عادي والذي قام بتسليط الضوء على التناقضات في قلب إدارة أوباما، وذلك بعد ساعات من شن الضربات الجوية للتحالف الغربي الذي استهدف عن طريق الخطأ قوات الحكومة السورية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخص.

وانتقاد السلطة في روسيا هي “حيلة ساخرة فريدة ومنافقة”، وقد عقد اجتماع مجلس الأمن للأمم المتحدة لحالات الطوارئ بسبب قصف القوات السورية، وقد انتقدت باور كيف كان وضع روسيا، على مدى السنوات الخمس الماضية، والتي كانت تدعم نظام الأسد باستمرار وتقوم بحمايته من أي عواقب لسياساته الإجرامية، وناقشت باستفاضة وصف استراتيجية بشار الأسد من “الموت بقطع ألف ورقة، وحصار التجويع، والغارات المنتظمة المرعبة والتي يمكن التنبؤ بها، وروتينية استخدام الأسلحة الكيميائية، وغرف التعذيب التي تحتوي علي عشرات الآلاف من الناس”، وتساءلت: لماذا لا ينطلق اجتماع مجلس الأمن عاجلاً بشأن ما فعلته روسيا من هذه الأهوال؟

ويوجد منذ فترة طويلة طريقين في سوريا؛ الأول هو خط الواقعية الجيوسياسية، الذي اختار باراك أوباما المتابعة فيه لأنه يتناسب مع عدم رغبته في التورط في حرب أخرى؛ خاصةً أن المصالح الأمنية الغربية للولايات المتحدة ليست على المحك في حرب مستعصية الحل، وبعيدة الأهلية ولا يمكن بسهولة أن نجد لها حلاً، والآخر هو خط أخلاقي وهو أن السلطة متغلغلة داخل الإدارة، ويشير إلى مبدأ “حماية المسؤولية”، والذي ينص على سيادة دولة التي لا يمكن تجاوزها عندما يقوم نظام بذبح مواطنيه.

وقد نشرت السلطة كتابًا في عام 2002 بعنوان “مشكلة من الجحيم”، والذي يصف كيف قد فشلت حكومات الولايات المتحدة تاريخيًا في منع الإبادة الجماعية والفظائع الجماعية، وقد ذكر الكتاب أنه قد لفت انتباه أوباما لذلك عندما كان عضوًا في مجلس الشيوخ، وكانت الخلافات بين السلطة وأوباما واضحة في بيانها اللاذع للأمم المتحدة، وعلى النقيض من ذلك، تحدث أوباما قليلاً عن سوريا في خطابه للأمم المتحدة هذا الأسبوع.

وقال أوباما في خطاب جائزة نوبل عام 2009، إن “التقاعس في مواجهة المذابح الجماعية يمكن أن يؤدي إلى تدخل أكثر تكلفة فيما بعد”، مثلما تحولت سوريا إلى جحيم على الأرض، وقد أدلى الرئيس مرارًا بأن أي تدخل إما سيكون عقيمًا أو خطرًا.

وفي تناغم مع نفور الرأي العام الأمريكي من أي تدخل عسكري بعد سنوات بوش الكارثية، وسياساته التي تراوحت من محاولات للتفاوض للرحيل البدني للأسد من سوريا (الخطة التي أطلق عليها اسم السيناريو اليمني في عام 2012) لخلق “محور” في تركيا؛ حيث سيصبح المتمردون مسلحين ومدربين (ولكن بدون الأسلحة المضادة للدبابات أو الأسلحة المضادة للطائرات)، ومنذ انطلاق التدخل العسكري الروسي في عام 2015؛ أصبح هناك دبلوماسية أكثر كثافة مع موسكو.

وقد كانت النتائج ضئيلة، وعلي ما يبدو أنها أصبحت في عداد المفقودين بالنسبة للولايات المتحدة، وقد أكدت تعليقات الذين في السلطة كرهًا، غير أنه تشير الكثير من الدلائل إلى واقع مجرد، وهو أن الأسد وفلاديمير بوتين المؤيد له، ليسا فقط غير مبالين بالجرائم ضد الإنسانية ولكن يعتقدا أنها تخدم أغراضهما الخاصة.

وقد حذر الأسد في عام 2011 من نشر الفوضى في سوريا وخارجها إذا لم تتراجع الدعوات التي تطالبه بالتنحي، وقد شيّد بوتين السرد السياسي الداخلي له حول فكرة أنه مهما كان قد قام الغرب بانتقاده، فإن روسيا قد استعادت قوتها، ولم ينزعج بوتين كثيرًا من جرائم نظام الأسد؛ فقد ارتكب جيشه مذابح مماثلة لها في الشيشان.

ولم تستهدف بيانات القوة في الرأي العام الغربي الحكام المستبدين الذين قاموا مرارًا وتكرارًا بإثبات قدرتهم على الحكم، أو التعامل مع مستويات لا توصف من العنف ضد المدنيين.

ولان فترة رئاسته قد أوشكت على الانتهاء، فالحقيقة هي أن أوباما لا يملك إلا القليل لإظهاره للعالم حول سوريا، مع ما يقدر بنحو نصف مليون حالة وفاة في الشرق الأوسط بالنيران وقد أصيب الحلفاء الأوروبيين بزعزعة الاستقرار بسبب تأثير تدفقات اللاجئين، وأعلن أنه سوف يمرر الأزمة المتفاقمة لخليفته.

وتعتبر روسيا دائمًا حجر عثرة، ليس لقيام بوتين منذ فترة طويلة بدعوة أوباما إلى بذل المزيد من الجهد – مثل تسليح المتمردين بشكل حاسم وإعلاء إنشاء منطقة “خط أحمر” له أو إقامة منطقة حظر جوي (والذي جعلت  منه القوات الروسية الآن مستحيلاً) – ولكن لأن هناك قائمة طويلة من الفرص التي تمت إضاعتها والتي كانت لتجبر الأسد على الجلوس على طاولة المفاوضات.

وفي وقت سابق من هذا العام، نقلت مجلة الأطلسي قول أوباما عن بوتين: “إن الفكرة القائلة بأن روسيا أصبحت بطريقة أو بأخرى في موقف أقوى مما كانت عليه قبل أن تضطر إلى نشر قوات عسكرية في سوريا، هو سوء فهم جذري لطبيعة السلطة في الشؤون الخارجية؛ فهي لا تبدو أقوى، إلا إذا وجدت الولايات المتحدة نفسها تسعى جاهدة لإنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار دون أي ضغط، وأن محاولة إلقاء اللوم والعار على روسيا بشأن تفجير قافلة للأمم المتحدة من غير المرجح أن يحقق الكثير”.

وكانت المشكلة الرئيسية في اتفاق وقف إطلاق النار هو خطة إنشاء الولايات المتحدة وروسيا “مركز التنفيذ المشترك” لتنسيق الضربات ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وكان القصد من هذا وضع حافز، كما سعى بوتين منذ فترة طويلة لأن يكون مقبولاً كشريك تحالف مع الولايات المتحدة، ولكن إذا لم يتحقق ذلك، فإن مثل هذا التحالف يمكن أن يجعل الولايات المتحدة متواطئة في الضربات الجوية الروسية، والتي تم تصميمها لتعزيز موقف الأسد، وتقوم موافقة الولايات المتحدة على التدخل الروسي على فكرة أن هناك اثنين فقط من الجهات الفاعلة في سوريا؛ هما الأسد والجهاديين.

ولكن بتنحية السلطة جانبًا؛ فان قيام الحكومة السورية بدفع بنفسها للقتال ضد الإرهابيين، سمح لداعش بأن تنمو وتنمو وتنمو، وكان الأسد – بتكتيكاته واستراتيجيته – هدية للإرهابيين في سوريا وما ورائهم، وإذا قامت الولايات المتحدة بالاصطفاف مع روسيا فإنها تخاطر بتقديم هدية أخرى للإرهابيين، وبالطبع، يدرك صناع السياسة الأمريكية هذا جيدًا، والذي جعلهم يقومون بوضع شروط مسبقة؛ مثل التجميد الجزئي للحرب الأهلية، ووجود ممر آمن لإيصال المساعدات الإنسانية إلى حلب، معقل المعارضة المسلحة في الماضي، ولماذا يسعى بوتين لإرضاء الولايات المتحدة عندما أصبح لاعبًا مع القوة العالمية الوحيدة؟

لقد كان أوباما على عجلة من أمره في تحقيق اختراق في سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية، لأنه سيترك منصبه ولم يفعل بوتين بالتأكيد، ولا هو حتى مقيدًا بالرأي العام المحلي لفعل الشيء الصحيح، أو حتى محاولة فعله.

إن إدارة أوباما معلقة بالمشاركة في بقايا خطة وقف إطلاق النار – لعدم وجود بديل – على الرغم من قيام منتقديها بالشماتة، ومع انتشار الإرهاب المتصل بداعش في أجزاء كثيرة من العالم، ونمو التوجهات المعادية لليبرالية في أوروبا على خلفية أزمة اللاجئين؛ أصبحت سوريا تشكل تهديدًا أمنيًا جيدًا خارج منطقة الشرق الأوسط.

ويقوم الأسد بالاستفادة من ميزان القوى والذي ساعدت روسيا في خلقه، وهذا بدوره سيغذي داعش التي ستطالب بأن تكون البطلة للمسلمين السنة، وهذا يعني المزيد من المشاكل التي تنتظر الغرب، والمزيد من المعاناة للسوريين.

وفي الوقت نفسه، يتم الاحتفال ببوتين من الشعبويين في جميع أنحاء العالم؛ لأنه قام بهزيمة الولايات المتحدة عن طريق سحب نفسه إلى صفوف الزعماء التي تتوسل من قبل للتعاون معهم، وقد تكون روسيا في حالة ركود واقتصادها بحجم اقتصاد أستراليا، ولكن قد تم منحها الحرية في سوريا، وكل ما قد يتصوره المرء من القوة الأمريكية وحدودها، فيمكن للمرء أن يختار قياس أهمية سوريا لتحديد ضيق مصالح الأمن القومي الأمريكي، فسوف يذكر التاريخ أن كل هذا حدث تحت مراقبة أوباما.

وقال المستشار السابق لبيل كلينتون ذات مرة كيف فشلت الولايات المتحدة في منع المذابح في البوسنة، وقال إنه بحلول عام 1995، “أصبحت تلك القضية سرطانًا في سياستنا الخارجية، وفي قيادة إدارته”، ولهذا السبب أمر كلينتون في النهاية بضربات موجهة ضد القوات الصربية، مما أجبر سلوبودان ميلوسيفيتش للجلوس علي طاولة المفاوضات، كما قالت باور الصحفية التي غطت تلك الأزمة في كتابها.

ومما لا شك فيه أن الحرب في سوريا هي حرب معقدة، متعددة الأوجه، وعلى نطاق مختلف من البوسنة، ولكن الدرس الذي لا يزال ينبغي استخلاصه هو أن الدبلوماسية الحربية لا يمكن أن تنجح إلا إذا تم بناء نفوذ حاسم لا نتمناه فقط، وإذا كان  الحديث مع روسيا هو البوابة الوحيدة لعملية السلام في سوريا، فيجب أن يؤثر أكثر من الإقناع البسيط في ذلك.

اقرا:

     الغارديان: هل تشارك بريطانيا بحرب غير قانونية في سوريا؟