on
عبد المجيد عقيل :العَلَويُّون السُّوريُّون
عبد المجيد عقيل :كلنا شركاء
1) عند الحديث عن الطائفة العلوية الكريمة فإنَّهُ من الظواهر الملفتة جدَّاً للنظر، والتي تُميِّز هذه الطائفة عن غيرها، هو عدم وجود مرجعيات دينية رفيعة المستوى لديها نفوذ حقيقي أو تأثير على الشارع. هذه النقطة هي كلمة السر التي مكَّنت الأسد الأب ومن ثم الابن مِن تخليق ما سوف أُسمِّيه بـ ” العقيدة الأسدية “، بحيث يصبح الولاء لمفهوم ” سوريا الأسد ” فرضاً عقائدياً لا يخرج عنه إلَّا ” مُرتَد ” ….!!!
كما ويصبح التصفيق والتطبيل للسلطة الحاكمة طقساً مُقدَّساً لا تضاهيه طقوس وعبادات أعتى المذاهب السلفية!
2) هذه العقيدة تم بناؤها على حجرين رئيسيين:
الأول: الخوف من بطش السلطة الحاكمة نفسها، التي في الواقع لا فارق لديها بين سنّي وعلوي في حال الخروج عن الطاعة. وقد نجحت هذه السلطة في هيكلة نظام أمني مخابراتي معقَّد موازي للنظام المؤسساتي للدولة ومتسرطن فيه، ومتشابك مع المجتمع بشكل كثيف. فالسوري العلوي مثل أي سوري يحتاج لأن يكون مرضي عنه لكي لا يخسر عمله ومصدر رزقه وأمانه وأمنه المعيشي أو يتم إزعاجه والتضييق عليه، لكنه بالإضافة لذلك و-غير عن باقي السوريين- يعيش ضمن واقع اجتماعي يُكرِّس عقيدة الولاء هذه مِن قِبَل أقارب أو “كبارية” يشغلون مواقع في الجيش أو الأمن أو الهرم السلطوي أو النظام الموازي وهم نفسهم يعرفون وحشية النظام، فيرسخون هذا الخوف –ومعه الولاء- في عوائلهم وأولادهم.
الثاني: الخوف الأكبر من سقوط النظام، واستفراد خصومه بهم.
قال لي صديق عزيز في فترة بداية الحراك: ” أربعون سنة ونحن أهل الساحل اللي كل يوم آكلينها من الشبيحة، و90% من الطائفة عايشة الذل والفقر والخوف، واليوم الطرف الآخر بيسمينا نحن شبيحة مع انهم والله لسه ما شافوا من الشبيحة اللي شفناه والله لا يفرجيهم!! ”
لقد وضعت السلطة الحاكمة الطائفة العلوية في مرمى النار معها، فأصبحت الطائفة ضحية السلطة وخصومها معاً.
ويمكن تلخيص مفهوم ” العقيدة الأسدية ” لدى العلويين السوريين، بأنها عقيدة نابعة من ” خوف وجودي ” و “غريزة البقاء “، ولا علاقة لها بتأييد أو محبَّة أو قناعة أو إيمان أو موقف سياسي إلخ….
ونحن هنا لا ننكر طبعاً شعبية الأسد الجارفة في أوساط الطائفة، لكن إذا قرأنا المشهد بعمق نفهم أن هذه المحبة نابعة من حالة الخوف الوجودي إياها، فلا يوجد مخلوق على وجه البسيطة يحب أن يصارح نفسه بأنه يقوم بشيء ما أو يصمت عن شيء ما خوفاً وعجزاً، وهذا من طبائع النفس البشرية، ناهيك عن أن يقول ذلك لأولاده ( يجب أن نكون مع النظام لأننا خائفين منه ومن خصومه!) وهكذا يتظاهر الجميع بأنهم يصفقون للسلطة ويباركونها محبةً وإيماناً وقناعة وليس خوفاً وإكراهاً واضطراراً. إقرؤوا عن ” متلازمة ستوكهولم “
3) بعد نصف قرن رسَّخت فيها السلطة الحاكمة بروباغندا ( إمَّا نحن أو الإخوان المسلمون ) جاءت اللحظة التاريخية الأكثر مفصليَّةً وحسماً في تاريخ سوريا، وخرج المتظاهرون الأحرار يهتفون بأعلى صوت: ” واحد واحد واحد الشعب السوري واحد “، فاعتقل النظام نصفهم وفتح أبواب سجونه لجماعة ” بالذبح جيناكم ” ليصعدوا على أكتاف النصف الآخر و ” يدندلوا رجليهم ” مدعومين بالمال والسلاح والإمكانيات الجبارة والمنصات الإعلامية المدعومة من المال الخليجي وقوى ” الإسلام السُنّي المتطرِّف ” وأصبح المجتمع العلوي أمام فيلم رعب حقيقي.
إنَّ معظم ما سمي في أوساط المعارضة بخطابات ” الطمأنة للأقليات ” هي خطابات سخيفة إمَّا حملت في طياتها وفي ما بين سطورها تهديداً ووعيداً من مبدأ ( لحقوا حالكم يا أقليات ووقفوا معنا قبل ما يفوتكم القطار )، أو كانت خطابات فاقدة تماماً للمصداقية لأنها تزامنت مع اعتداءات وانتهاكات طائفية وقتل على الهوية تم التعتيم عليها في ” أوساط المعارضة” ومِن قِبَل ” جمهور الثورة ” تماماً كما يُعتِّم إعلام النظام وجمهوره على إجرامه. هذا ما عدا أن خطابات الطمأنة قد ذهبت في منحى الطمأنة الوجودية فقط، أي وكأنها تعهد بعدم اعتداء! وهو شيء بديهي! وليس فيه ” رحمة ” أو ” تسامح ” أو ” تحميل جميلة “، لكننا لم نكن بحاجة لخطاب طمأنة للأقليات بل لخطاب لا يعتبر أي مكون من مكونات الشعب السوري أقلية أساساً إنما شركاء في سوريا المستقبل على أساس عقد اجتماعي قوامه المواطنة والمساواة وحيادية الدولة تجاه جميع الأديان والعقائد والعبادات!
4) ودعنا نفترض جدلاً أن كلامي كله خاطئ، وأنَّ فيه تحاملٌ وتجنٍّ، وأنه ( أنا اللي ما بيعجبني العجب ) فإنَّهُ وطالما أنَّ الغالبية العظمى والساحقة من الطائفة العلوية –وغيرها- غير مطمئنين إلى ” الثورة ” مشروعاً بديلاً للنظام، وليست لديهم ثقة في وجود بديل يُسكِت مخاوفهم الوجودية المحقَّة، فالمشكلة ليست فيهم، وليسوا هم الطائفيين ولا هم الشبيحة! هذه عقلية النظام التي نرفضها كما نرفضه: ( نحن الصح والشعب الحمار اذا مو فاهمنا هو الغلط والخائن ) …!!
الثائر عليه أن يناضل ويحاول مرة ومرتين وألف ومليون إلى أن تقول الناس عليه أنه ثائر وصاحب مصداقية ويستحق الثقة والفرصة!
أين ( قوى المعارضة والثورة ) من هذا الفهم…؟!
5) اليوم يوجدُ تذمُّرٌ كبير في أوساط العلويين الفقراء والبسطاء من هذه الحرب الظالمة التي جعلتهم وقوداً لحماية مصالح السلطة واستبدادها وإجرامها، ففي كل عائلة مأساة، وفي كل بيت أم مكلومة، أو أطفال يتامى، وشبابهم وأولادهم يذهبون إلى الموت المجاني أفواجاً، ليستمر إعلام النظام الفاجر بضخ بروباغندا: ” الانتصار العسكري الساحق والماحق القادم قريباً والذي سوف يطهر سوريا من الإرهابيين والمرتزقة “
وليستمر الشبيحة والزعران من أبناء المتنفذين –سليمان هلال الأسد مثالاً- بانتهاك حريات وكرمات وأعراض أبناء الساحل وإذلالهم بينما أولادهم يقاتلون لينعم هؤلاء الزعران بخيرات البلد والشعب!!!!
6) لقد دفع السوريون العلويون ثمناً باهظاً لـ ” العقيدة الأسدية ” إياها، وبدأ التذمر يصبح واضحاً، والاحتجاجات تتصاعد تدريجياً، كما بدأ مفهوم ” سوريا الأسد ” نفسه بالانهيار أمام واقع الارتهان التام للقرار الإيراني، بحيث أصبحت السفارة الإيرانية في دمشق إحدى أهم مراكز صنع القرار، وأصحب بعض أصحاب العمائم من مشايخ الشيعة المُختارين بعناية يتحولون إلى مرجعية يُحُجٌّ إليها أكبر القادة الأمنيين عند النظام!!!
(لا نتحدث عن الارتهان للروسي هنا لأنه ارتهان سياسي ليس له تأثير ايديولوجي عقائدي فعلي)
7) لقد بدأت ” العقيدة الأسدية ” تذوب تدريجياً وتنصهر ضمن ” العقيدة الخمينية ” تحت غطاء بروباغندا ( محور المقاومة )، بحيث أن حملات تشييع الساحل السوري تسير اليوم على قدم وساق وتُقدَّم لها كل التسهيلات والإمكانيات المادية والمعنوية والإعلامية والحشدية، رغم أن الطائفة العلوية في الواقع هي أبعد ما يكون عن الشيعة والتشيُّع، فهي طائفة متشرِّبة للقيم العلمانية وبعيدة بالمجمل عن ( الكهنوت ). ومن المؤسف جداً أن يتم استخلال الزخم الحربي ومرحلة هيجان الغرائز والعواطف والمخاوف لفرض ( العقيدة السلفية الشيعية ) على المجتمع العلوي المتمدِّن!
8) إلَّا أنَّ تصاعد الكثير من الأصوات الواعية والمعتدلة من أبناء الساحل السوري ومن أبناء الطائفة العلوية الكريمة على مواقع التواصل الاجتماعي يعبرون عن احتجاجهم العنيف على حملات التشييع هذه، ويؤكدون على هويتهم السورية التي لن يسمحوا لإيران بطمسها كما السعودية، هو تطورٌ إيجابي في سياق الأحداث بكل تأكيد، وأعتقد أنَّ المجتمع العلوي بغالبيته قد أدرك خطورة ما يُراد له التورط فيه، فبعد أن دفع العلويون السوريون ثمناً باهظاً للعقيدة الأسدية لسنواتٍ عدَّة، لا أحد يريد أن يدفع ثمن العقيدة الخمينية إلى أن يفنى شباب الطائفة جميعهم لا سمح الله ألف مرة!
9) اليوم تصلنا كثيرٌ من الرسائل من إخوتنا وأصدقائنا في الساحل السوري يؤيدوننا في خطاب إيقاف الحرب، ويريدون أن تتوقف هذه المقتلة السورية بأي ثمن، بأسد أو بدون أسد، لكنهم لا يستطيعون رفع أصواتهم ولا حتى فتح أفواههم على العلن ليعترضوا.
إنها فرصتكم اليوم لتعلنوا عن سوريتكم وتقفوا وقفة تاريخ وشرف أمام الاحتلال الإيراني، لينضم إليكم إخوتكم في الوطن ويرفعوا أصواتهم في وجه الاحتلال التركي والسموم السعودية
وإنَّها مسؤولية كل سوري وطني اليوم أينما كان موقفه من الصراع أن يقول بأعلى صوت:
العلويون السوريون لنا ولن نسمح لأحد بأن يجعلهم إيرانيين!
العلويون السوريون نحتاجهم لنبني معهم بلادنا ولن نسمح لأحد بأن يحولهم إلى وقود لمحرقة الصراع السني الشيعي.
لن نسمح بهذه السفالة.
لن نسمح بهذه الجريمة.
لن نسمح بهذا الجنون.
عبد المجيد عقيل
29/09/2016
Tags: مميز