on
د. محمد حبش: شهداء المنيا… ليس القاتل فقط من أطلق الرصاص..
د. محمد حبش: كلنا شركاء
35 شهيداً سقطوا في طريق المنية الصحراوي في هجوم ضد حافلة ركاب برصاص قتلة محترفين في جريمة طائفية سوداء موجهة مباشرة ضد الوجود المسيحي في مصر….
بات ما يجري ضد المسيحيين في الشرق وصمة عار على جيل كامل فشل في أن يوقف طاحونة الموت العابثة التي تزداد لهيبا وتفجراً وبؤساً كل يوم.
ليس القاتل فقط من أطلق الرصاص… كل كلمة نكتبها في تحقير إيمان الآخرين وازدراء أديانهم هي في الواقع مشروع جريمة، أو هي قد باتت بالفعل شروعاً في الجريمة وتحضيراً لها، وأن هذه الجريمة تكتمل حين ينطلق الرصاص من بندقية القاتل المأزوم بثقافة تحقير الآخرين وازدراء أديانهم…
ليس القاتل فقط من أطلق الرصاص بل كل من لا يحترم الضحية ويرفض أن يسميها باسم يليق بها……
ومواجهة الشر الذي يمارسه من يزدري الأديان ليس موجهاً للمتطرفين من المسلمين وحدهم، بل إن سيل الفضائيات القبطية التي تبث الكراهية من قبرص ضد المسلمين هي الوجه الآخر لهذا اللون من الجرائم، وهو ما يستحق الإدانة بنفس الاسلوب وبكل التفاصيل التي نوردها.
يقولون: ولكن العالم يأذن بكل أشكال النقد ولا يضيق عن النقد الا الديكتاتوريات المستبدة، ومن حقنا ان نمارس الكتابة والخطابة ضد كل شرك ومنكر…
ونقول: إن ذلك يجري في إطار دول مستقرة هادئة باتت تحتكم إلى القانون لا إلى الغرائز، وغدا الإيمان والكفر مسالة موقف ثقافي بحت، ولكن هذا الشرق الغاضب ليس مستعداً على الإطلاق لتقبل هذه الروح النقدية، ولن يرى فيها إلا تشريعاً للاصطفاف وتبريراً للعنف والكراهية.
ونقول ببساطة إن هؤلاء الذين يمارسون هذا التوحش لا يقبلون على الإطلاق أن تمارس أدنى نقد لمقدساتهم، وكلنا يعلم كيف تمكن رسام مخبول في صحيفة مغمورة في الدانمرك أن يثير غضب الانفعاليين في العالم الإسلامي كله، وأن يدمر جسور الوداد بين المسلمين والعالم، وأن يسقط في شوارع العالم الإسلامي عشرات الشهداء في صدامات الغاضبين مع الحكومات في البلاد الاسلامية، مع أن الأمر لم يكن يحتاج أكثر من تلاوة واحدة من عشرين آية متطابقة: ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله…. فذرهم في خوضهم يلعبون…. فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون.
حين تتعمق ثقافة الحريات في المجتمعات يمكن أن نتحدث عن هامش أوسع من حرية النقد في المقدس، ولكن في هذا الشرق الغاضب فإن ممارسة لون كهذا من الحريات هو مشاركة في الاندفاع نحو جرائم العنف والكراهية.
ولشد ما أشعر بالعار حين يقفز لمواجهتك في خيارات التسامح إسلاميون غاضبون ويمطرونك بنصوص التمييز والتسخيف ضد كل مختلف في الدين، ويجزمون بان هذا هو حكم الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وفي فتاوى ابن تيمية أن من شك في كفرهم فهو كافر ولو صام وصلى وزعم أنه من المسلمين….
مؤلم أن يكون لنا هذا الغربال الاسود فلا ننتقي من هذا التراث المتراكم إلا خيارات القطيعة والكراهية، مع أن القرآن والسنة طافحان بخيارات المحبة والسلام والعيش المشترك والاحترام المتبادل للقسيسن والرهبان والربانيين والأحبار والكنائس والصوامع والبيع والصلوات وغيرها من شعائر الأديان.
نصوص الكراهية موجودة في الكتاب والسنة، هذا صحيح ولكننا نستطيع ببساطة أن نؤكد أن نزولها كان في الحرب وفي ساعة الالتحام، ويلزم وجوباً القول إن المستهدفين بها هم أولئك المحاربون القتلة، وليس المسالمون من أتباع الأديان من الربانيين والأحبار والقسيسين والرهبان الذين ذكروا في القرآن بكل احترام.
وردت نصوص تمييز وعنف في يوم خيبر مثلاً، حيث كان الكيد اليهودي قد بلغ مداه في بناء الحصون والتآمر مع المشركين في قريش ومع الروم في الشام لاجتياح الدولة الناشئة، وهو أمر لا يشبه في شيء واقع الوجود المسيحي المستمر على الأرض العربية منذ ولادة المسيح ورسالته الطاهرة قبل ألفي عام بلا توقف ولا انقطاع….
إن نصوصاً مثل فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أو قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة أو قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ….. من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية، أو فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب، هي نصوص حرب ضد عدو مسلح محارب، يخوض نزالاً ضد الأمة ويعمل على هدم كيانها بالسلاح….
في موقف عميق للمفكر الكبير الشيخ عبد الله بن بيه أعلن أن حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله هو نص منسوخ بآية الموادعة.
لقد استخدم المتطرفون ما نقله المفسرون عن السلف: آية السيف نسخت سبعين آية في القرآن من آيات الرحمة والصفح والغفران…. ولعمري إنها قراءة سوداء للإسلام تبعث على العار والخجل، وقد أجمع علماء التفسير فيما بعد أن هذا النقل عن السلف متهور وغير مقبول، وأن شروط النسخ لا تتوفر فيه بوجه، وقد نص على رفضه فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والمتقدمين من الحنابلة……
بل إنني أقول إن من يتابع حياة النبي الكريم وتوقف الحرب كلها بعد فتح مكة والطائف يمكنه أن يقول دون أدنى تردد إن آية الموادعة والبر والقسط هي التي نسخت سبعين آية من آيات السيف… وهذا هو الأمر الذي مات عليه الرسول، واللاحق ينسخ السابق.. وهي آخر ما نزل في العلاقة مع الناس في السلم: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين.
وإنما أوردت هذا الموقف مشاكلة ومماثلة قبالة الموقف المتشدد الذي يردده المتأخرون الحنابلة، ولكنني على يقين أن كل هذه النصوص ليس فيها ناسخ ولا منسوخ وأنها محكومة بعموم الآية الصريحة، وهي الآية التي تحكم جهاد المسلمين في التاريخ كما تصلح أن تكون مرجعاً حقوقياً للجيوش الوطنية عند السويسريين والنرويجيين واليابانيين والكنديين وكل أمة عاقلة وعادلة وحرة في العالم: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يجب المعتدين……
الرحمة لشهداء أقباط المنية والعار للقتلة…
والله في عيون الضحايا وليس في بنادق المجرمين……
Tags: سلايد