on
د. وائل مرزا:السوريون بين (فتح الشام) واتفاق كيري لافروف
د. وائل مرزا: الشرق القطرية
أسوأ أنواع الحصار أن تُحاصرَ نفسك. هذا ماتفعله شرائحُ من السوريين بنفسها اليوم. وهي إذ تفعل ذلك لاتكتفي بأن تحشر نفسها في زاوية، وإنما تُدخِلُ حاضرَ سوريا ومستقبلها في مأزقٍ كبير، لاداعي له أساساً.
منذ أسبوع، خرج علينا الروس والأمريكان بما أسموه مشروع “اتفاق هدنة”. وفي هذا الإطار، أرسل المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، مايكل راتني، رسالةً إلى هيئات وفصائل المعارضة السورية تخاطبهم بعبارات مثل “نحتاج من المعارضة” و”ينبغي على المعارضة”، فيما يتعلق بقرارهم تجاه الاتفاق المذكور.
الرسالة، باختصار، مُهينة. ومن الغريب ألا ينتبه لهذا دبلوماسيٌ مثل راتني، يُفترض أن يكون مٌحنكاً، وأنه صار خبيراً بالشأن السوري وحساسياته. يكفي حجم الاستغباء للسوريين الموجود، مثلاً، في هذه العبارة منها، حيث يقول راتني: “لقد كان التعامل مع روسيا صعباً للغاية، إذ من الصعب جداً إجراء هذه المباحثات مع الروس حتى وهم يقتلون السوريين بشكل يومي. تسألنا المعارضة باستمرار: (كيف يمكن لروسيا أن تظل راعية للعملية السياسية بينما تتصرف في الوقت نفسه كطرف أساسي في الصراع). ونحن نسأل أنفسنا هذا السؤال كل يوم”!..
أما الاتفاق المذكور، فلا تكفي كلمة “الإهانة” لوصفه. فهو، فوقَ مافيه من تجاهلٍ لحقائق الواقع وازدواجية المعايير، لايحمل الحد الأدنى من الانسجام مع مقتضيات القانون الدولي، بل ومع مقتضيات المنطق الإنساني الأخلاقي السليم، أيضاً في حدِّهِ الأدنى.
أوجه المشكلة في الاتفاق كثيرةٌ، وباتت معروفة. وصدقَ الزميل عبد الوهاب بدرخان حين وصفه بأنه (اتفاق هدنة بشروط روسيا ولمصلحة الأسد وإيران).
رغم كل هذا، لم يكن ثمة تناقضٌ أبداً بين صدور موقفٍ سلبي من الاتفاق من ناحية، وبين كون صدورهِ، من ناحيةٍ أخرى، فُرصةً للقيام بخطوةٍ لامفر منها، سياسياً وثقافياً واجتماعياً، تتمثل في إلغاء أي وجودٍ لتنظيم القاعدة في سوريا، بات يتمثل الآن في جبهة “فتح الشام”.
في هذا الإطار، حصل حَراكٌ كبير في أوساط الفصائل المسلحة بعد إعلان الاتفاق والرسالة كليهما، بحثاً عن قرارٍ صائب، كونَهما يحملان تهديداً باستهداف الجبهة، ويُطالبان الفصائل بـ “المفاصلة” معها. وكتب الدكتور مازن شيخاني، الذي كان مستشاراً سياسياً لكبرى الفصائل في أيام نشأتها، رأياً أرسَلهُ إلى الفصائل التي طلبت منه الرأي، يقول فيه: “نعم نحن في مأزقٍ حقيقي وخطير، ويحتاج جرأة أخلاقية كبيرة، وموقفاً إسلامياً أصيلاً… لو أن سوريا والشعب السوري هم المُقدَّمونَ على مصلحة الفصائل مهما قَدَّمَت، وأياً كان نصيبُها من العمل، فهناك مخرجٌ وأي مخرج. على القاعدة أو فتح الشام، لافرق، وأيضاً أشباهها من الفصائل أن تحلَّ نفسها نهائياً، وتترك الشباب ليلتحقوا بباقي الفصائل، وتختفي من المشهد السوري نهائياً، بخطابها وكل رموزها. وتتخلى الفصائل الإسلامية عن مشاريعها الوهمية، وتعلن أن كل جهدها مُنصبٌ فقط على الجانب العسكري، الذي يهدف إلى إسقاط النظام، وحماية الشعب السوري، كل الشعب السوري، وحماية قراره وحريته في شكل الدولة بعد الثورة، وأن مستقبل سوريا السياسي يحدده الشعب… وإن أصرَّت فتح الشام على تعنُّتها مع من يشبهها من الفصائل، وظلت أسيرةً لثقافةِ أزمتها، متذرعةً بما قَدَّمَت وضَحَّت، فهي رسالةٌ واضحةٌ منها أنها ومشاريعها أهمُّ من كل الشعب السوري، حتى لو استمر نزيف الدم، وقَضى على ملايين الناس، ودمَّر البلاد والعباد. وعندها ستكون هي مع النظام مسؤولةً عن استمرار المأساة، وستلقى الله بدماء الأبرياء الذين ضحت بهم من أجل أجنداتها الفصائلية. ولتنتظر حتى تُدمرَ آلة الأعداء أركانها في سوريا، ليذهب من نجا منها لبلدٍ آخر ثائر، ويُعلنوا مشروعهم متفاخرين بالنصر الذي حققوه في بلاد الشام، كنصرهم العظيم الذي حققوه في العراق على لسان الجولاني، إذ لم يستطع أعداء الأمة القضاء عليهم، فنقلوا التجربة لبلدٍ جديد. أما ما لحق تلك البلاد من دَمارٍ فهو ثمن نصرهم المزعوم. المخرج الوحيد والله أعلم أن يقف علماء الأمة وشيوخها ومؤسساتها الشرعية والفصائل موقفاً موحداً يطالب بخروج القاعدة من المشهد السوري، وأن يكون الأمر مشروعاً وليس مجرد بيانات ومطالبات…”.
لم تستمع سوى قلةٌ من أصحاب الرأي والقرار لهذا الرأي الحكيم، والاستراتيجي. وأصرَّ كثيرون على أن يحاصروا أنفسهم وثورتهم وأهلهم وبلادهم، وأن يعتبروا رفضَ الاتفاق والرسالة يؤديان بالضرورة لرفض “استهداف جبهة فتح الشام”. هذا تفكيرٌ بطريقة ثنائيات “إما، أو” المتناقضة. وهو منهجٌ لايوفر فُسحةً لتفكيرٍ خلاق يستفيد من كل الأوراق المتوفرة. أين المشكلة في رفض الاتفاق المجحف من جانب، والتفكير بشكلٍ واقعيٍ واستراتيجي من جانبٍ آخر، ومطالبة الجبهة بأن تحلَّ نفسها كلياً؟ وإذا غاب التفكير السياسي الاستراتيجي، ألا يقضي الواجب الديني وضعَ مصلحة الجماعة الكبرى، متمثلةً بالشعب السوري، فوق مصلحة أو سمعة أو اسم أي فصيل، كما أوضح الدكتور شيخاني في رأيه بشكلٍ لايحتاجُ لمزيدِ بيان؟
يقول البعض أن استهداف الجبهة سيكون مقدمةً لاستهداف فصائل أخرى تُعتبر الآن “معتدلة”. هذا احتمالٌ قائم، لكن التعامل معه يتطلب حسابات دقيقة لترجيحَ مصالح كبرى وعامة ومستقبلية على مصالح صغرى وخاصة وعاجلة. وهذا ترجيحٌ يحتاجه السوريون بشدة، لأنه وحده الذي يُحررُ من الإصرار على مثالياتٍ موهومة، ليس لها نتيجةٌ سوى الهلاك أو الانتحار الجماعي.
Tags: مميز