عبد القادر عبد اللي: ملحمة دابق هل تنهي (داعش)؟

عبد القادر عبد اللي: المدن

أعادت عملية “درع الفرات” بعد انطلاقها منذ شهر ونيف بعض الروايات والأحاديث المتعلقة بعلامات “قيام الساعة” من أجل التعبئة المعنوية. ففي منطقة عمليات “درع الفرات” تقع بلدة دابق الحساسة جداً في عقيدة “داعش”، والتي يشحن التنظيم مقاتليه على أن ساحتها ستشهد معركة “آخر الزمان”، وانتصار الحق.

وعلى طريقة “داعش” يعتمد طرف التشدد الآخر من أتباع “الإمام الفقيه” على مصادر يعتبرها قدسية في شحن مقاتليه لارتكاب الفظائع ضد أهل الشام. فيروّجون عبر إحدى لطمياتهم الشهيرة أن القتال في سوريا هو الشرارة التي تبنئ بخروج “المهدي من السرداب”، في إشارة إلى “قيام الساعة”، و”معركة نهاية الزمان”: قدح من درعا الشرر وخصم مهدينا ظهر/ ومن حرستا ننتظر أول علامة/ زينب اليوم بخطر وسكنى بمرقدها انتثر/ يا أم رقية بكرا تقوم القيامة/ بكرا الجيش المنتظر يهتف يا حيدر/ ومحشر يصير ويصرخ بساحة المحشر/ رغم الانوف الحاقدة ينتصب منظر/ زهرائيون والحقوق الي هناك ترجع لينا/ نسحق خشوم الي يعادينا يا زهراء/ والإمام يصيح يا مظلومة… …ويعتمد تنظيم “داعش” في حشده المعنوي لمقاتليه على حديث منسوب للرسول، رواه مسلم، يقول: “لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا، والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبدا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فأمّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته”.

اعتماداً على هذا الحديث حشد تنظيم “داعش” جلّ قواته المنتشرة غربي نهر الفرات على ثغور دابق. وهناك أخبار متواترة ترد من أوساط التنظيم (لم تؤكدها مصادره الرسمية) تشير إلى أن حديث “الملحمة الكبرى” هو أداة الحرب النفسية التي يستخدمها شرعيو التنظيم من أجل شحذ همم مقاتليهم المحتشدين هناك.

ويعتبر تنظيم “داعش” مثله مثل كثير من المتشددين بأن ما تم على يد السلطان العثماني محمد الثاني الملقب بـ”الفاتح” بدخوله القسطنطينية ليس فتحاً. وبالطبع فإن كلمة الروم لم تكن تطلق على المسيحيين فقط كما يذكر غالبية المفسرين، بل على جميع سكان إمبراطورية الروم، على اختلاف دياناتهم. وخير دليل على هذا هو لقب “جلال الدين الرومي” المسلم، وحتى لو لم تعتبره الأدبيات “الداعشية” مسلماً، فهو ليس مسيحياً صليبياً.

و”الروم” بالنسبة إلى “داعش”، وفق ما يروجه التنظيم بين مقاتليه، هم “الترك المدعومون من الصليبيين ومن معهم من مرتدي (أو صحوات) الجيش الحر”، وبالطبع فإن جيش المدينة هو جيش المسلمين الذين على “منهج النبوة”، أي أنه جيش “داعش”.

كل التقارير العسكرية تقول إن المعركة بين الطرفين لن تكون متكافئة، وليس لدى “داعش” أية فرصة بالنصر. فصحيح أن عدد مقاتلي الجيش السوري الحر كان 1800 مقاتل عند بدء معركة جرابلس، ويمكن أن يكونوا قد وصلوا إلى 2500 أو 3000 على الأكثر، ولكن عدد مقاتلي “داعش” في دابق 4000. وعلى الرغم من الخسائر التي يعانيها التنظيم، فالإمدادات له أيضاً لا تتوقف.

من جهته، يعمل الجيش التركي وفق تكتيك يستغرق زمناً طويلاً، ولكنه يوقع بالخصم أكبر الخسائر، ويخفف خسائر المهاجم إلى الحد الأدنى. فعلى مدى أسبوع ونيف تقوم الطائرات من دون طيار، والقاذفات التركية والمدفعية، وحتى الراجمات بضرب أهداف “داعش” المحددة في تنسيق دقيق؛ لحظة تحديد طائرات التجسس للهدف، تقوم المدفعية بتدميره.

من جهة أخرى، فقد حشد الجيش التركي 41 ألف عسكري على الحدود السورية التركية على أهبة الاستعداد من أجل دخول المعركة فيما لو حدثت أية عثرة.

من ناحية العلم العسكري فإن نتيجة معركة دابق لن تكون لصالح “داعش”، وبالطبع هذا ما يتوافق مع الحديث، فالروم كثيرون والمؤمنون قلة.

في المعارك الأخرى التي خسرها “أو انسحب منها تنظيم داعش” كان يجد مبرراته العسكرية، ولكن التبرير العسكري هنا لن ينفعه، فهو يستخدم نصاً دينياً لا يقبل الجدل، ولا النقاش، وهو حقيقة دامغة لا تجوز حتى مناقشتها، وكل من يناقش صحته هو مرتد كافر يجب قتله.

القضية المهمة هنا فيما لو خسر التنظيم معركة دابق، وهذا الاحتمال مرجح، فهل ستعترف بقاياه بأنها لم تكن على “منهاج النبوة”، وأنها كانت على باطل؟

في الحقيقة أنه لا يبدو في الأفق أي مستند عقائدي يمكن لتنظيم “داعش” أن يعتمده من أجل الاستمرار بحشد مقاتليه من أجل “المعركة الكبرى”، وتحقيق “منهاج النبوة” قبيل “قيام الساعة”.

من المؤكد أن مقاتلي “داعش” على درجة متدنية جداً من المعرفة الدينية، ولكن مهما بلغ جهلهم الديني، لابد وأن تتزعزع ثقتهم بتنظيمهم إذا ما خسر “معركة نهاية الزمان”. وهذا ما يجعل من معركة دابق، فاصلة بحق، لا بل يمكن لها أن تكون بداية انكسار التنظيم.

اقرا:

     عبد القادر عبد اللي: مؤشرات ولادة معارضة سورية جديدة